مؤسسة الخوئي الإسلامية

مؤسسة الخوئي الإسلامية
  • الإمام الخوئي
  • المكتبة المرئية
  • المكتبة الصوتية
  • المكتبة
  • الاستفتاءات

17- القبلة

  • ٤٥٠٩

فصل في القبلة


   وهي المكان الذي وقع فيه البيت ـ شرّفه الله تعالى ـ من تخوم الأرض إلى عنان السماء((1)) للناس كافة القريب والبعيد ، لا خصوص البنية (1) .


 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


   (1) لا ريب في كون القبلة هي الكعبة المكرمة في الجملة لكافة المسلمين من القريبين والنائين ، بضرورة الدين وتصريح الكتاب المبين والروايات المستفيضة التي سنشير إليها ، كما لا ريب في عدم كون المراد بها البنيان والحيطان المشتملة على تلك الأحجار الكريمة بل الفضاء والمكان المشغول بتلك البنية وإلا لزالت القبلة بزوال تلك الأبنية عند خرابها وانهدامها ـ لا سامح الله ـ وهو مقطوع العدم ، بل اللازم حينئذ استقبال نفس المكان بلا كلام .


   إنما الإشكال في أنّ القبلة هل هي خصوص ذلك الفضاء المشغول بذاك البناء وما يعلوه بمقدار يلحق به عرفاً ، أو أنها من تخوم الأرض إلى عنان السماء ؟ المشهور هو الثاني بل ادعي عليه الإجماع في بعض الكلمات ، بل قد صرح بعضهم بسراية الحكم إلى مطلق المساجد ، بل مطلق الأملاك فرتب آثار المسجدية والملكية من تخوم الأرض إلى عنان السماء .


   والذي دعاهم إلى الالتزام بذلك في المقام تصحيح صلاة من يصلي في مكان أرفع من البيت كقلل الأجبال أو أخفض كالسراديب والآبار ، زعماً منهم توقف الصحة على هذا المبنى وكونها ثمرة مترتبة عليه ، وإلا فاستقبال 


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) لا أصل لذلك .


ــ[415]ــ


نفس البناء أو الفضاء المشغول به لا يكاد يتحقق في هذين الموردين ، وقد استشهدوا لذلك بطائفة من الروايات .


   لكن الظاهر أنّ هذا الكلام وإن اشتهر وشاع ، بل حكي عليه الإجماع إلا أنه لا أصل له .


   أما أوّلاً : فلبعده في حد نفسه ، لاستلزامه تبدل(1) القبلة آناً فآناً وعدم كونها ذات ثبات وقرار ، وهذا بناءً على حركة الأرض حول الشمس وضعية أو انتقالية كما هو المعروف والصحيح ظاهر ، لوضوح أن الفضاء الممتد إلى السماء مما فوق الكعبة يتحول من مقرّه تدريجاً ويتحرّك بحركة الأرض فلا يكون شيئاً معيناً ونقطة ثابتة .


   وكذا بناءً على مسلك القدماء من ثبات الأرض وحركة الشمس حولها ، فان النقطة المسامتة للكعبة الممتدة إلى الفضاء لم تستقر(2) في مكان واحد ، بل تنتقل من جزء إلى جزء بتبع حركة الشمس .


   وبالجملة : لازم هذا القول عدم استقرار القبلة على كل من المسلكين وأنها تتبدل في كل آن ، وهذا لو لم يكن مقطوع العدم فلا ريب في كونه خلاف 


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) هذا التبدل سار في القبلة المركزية أيضاً ، فان مكان البنية المشرفة وفضائها يتبدل ـ على    ضوء ما ذكر ـ بحركة الأرض . فالإشكال لو تم لعمّ ولم يكن مختصاً بعنان السماء ، ولكنه لا    يتم ولا تبدل على كل حال ، فان نسبة القبلة أياً كانت إلى فضاء أجزاء الأرض محفوظة    دائماً ، ولا ضير في تغيير نسبتها إلى سائر الأجرام الكونية .


   وبعبارة اُخرى : عمود القبلة المفروض امتداده إلى السماء ثابت كنفس البنيان ، إذ ليس المراد  به الفضاء المحيط بكرة الأرض ، بل عمود فرضي كميلة ثابتة في الكعبة ممتدة إلى السماء    ومنها إلى تخوم الأرض قطرها مساو لقطر الكعبة ، وهذه الميلة ثابتة لا تغير فيها أبداً ، نعم    تتحرك كنفس الكعبة تبعاً لحركة الأرض وهي غير قادحة بالضرورة .


(2) الذي لم يستقر إنما هو النقطة المسامتة كالنجمة الواقعة فوق الكعبة ، لا العمود المفروض    فوقها الممتد إلى عنان السماء ، فانه ثابت بتبع ثبات مركزه وهي الكعبة المشرفة حسب    الفرض .


ــ[416]ــ


المتراءى من ظواهر الأدلة ، حيث إن المستفاد منها أن القبلة مهما كانت فهي شيء معين مشخص ثابت مستقر كما لا يخفى .


   على أنّ الالتزام بهذا المبنى لا يكاد يجدي في ترتب تلك الثمرة ، أعني تحقق الاستقبال لو كان المصلي في مكان أرفع من البيت أو أخفض ، فانهم ذكروا أنّ الاتجاه إلى القبلة يتحقق حينئذ من جميع النقاط ، بحيث لو فرض خط موهوم متصل من جبهة المصلي فهو لدى الاستقبال ينتهي لا محالة إلى الكعبة إما بنفسها أو ما فوقها أو ما تحتها من تخوم الأرض إلى عنان السماء ، بخلاف ما لو كانت القبلة مختصة بالفضاء المشغول بالبيت ، فان الاتصال حينئذ لا يكاد يتحقق إلا بالنسبة إلى الأمكنة المساوية سطحها مع سطح البيت دون العالية أو المنخفضة .


   وفيه : أن هذا لا يتم على إطلاقه ، بل يختص بالأمكنة التي يكون بعدها عن الكعبة أقل من تسعين درجة ، وأما الواقعة على رأس التسعين فضلاً عما زاد فلا يكاد يتحقق فيها الاتصال .


   وبيانه : أنّه بعد البناء على كروية الأرض ـ كما هو المحقق في محله ـ فاذا فرضنا وقوع الكعبة في قطب الجنوب من الكرة الأرضية وفرضنا اتساع القبلة بخط عمودي مركزه الكعبة ممتد من تخوم الأرض إلى عنان السماء ، فالبلدان النائية الواقعة فيما بينها وبين نقطتي المشرق والمغرب ـ أعني خط الاستواء ـ التي يقل بعدها عن تسعين درجة لا محالة بما أنها منحنية نحو القطب على ما تقتضيه كروية الأرض ، فالخط الممتد من مقاديم من يصلي فيها بعد توجهه نحو البيت ينتهي ويتصل بالأخرة إلى الخط العمودي الموهوم المفروض نصبه من الكعبة إلى عنان السماء ولو بَعُد مئات الفراسخ ، لكون الخط المزبور منحنياً ومائلاً نحو القطب بحسب الطبع كما عرفت ، فيتحقق الاتصال بينه وبين ذاك الخط العمودي لا محالة ولو بفصل مسافة بعيدة ومدة مديدة ، ويحصل بذلك الاستقبال كما ذكر .


   وأما البلدان الواقعة في نفس نقطتي المشرق والمغرب ـ أي على رأس 


ــ[417]ــ


تسعين درجة ـ فحيث إنها لا ميلان ولا انحناء لها نحو الجنوب بل يتشكل من الخط الممتد منهما إلى مركز الأرض زاوية قائمة ، فمن يصلي في هذا المكان لو اتجه نحو الكعبة ورسم خطاً من مقاديمه فلا يكاد يصل هذا الخط إلى الخط العمودي المفروض نصبه فوق الكعبة إلى عنان السماء ، لأن الخطين حينئذ متوازيان ويستحيل في مثلهما الاتصال وإن بلغا إلى الغاية وامتدا إلى ما ليس له نهاية .


   وأوضح حالاً من ذلك : البلدان الواقعة فيما بين خط الاستواء والقطب الشمالي التي يزيد بُعدها عن القطب الجنوبي بأكثر من تسعين درجة ، فان الخطين حينئذ يزداد بعدهما مهما طالا ، بل قد يكونان في جهتين متقابلتين فكيف يتحقق الاتصال الذي هو مناط الاستقبال على الفرض ؟


   وكأن الذي دعاهم إلى الالتزام بذلك تخيل أن الاستقبال نحو الشيء يتوقف على أن يكون المستقبل والمستقبل إليه في سطح واحد وعلى صعيد فارد فوقعوا فيما وقعوا فيه ، وهذا وهم ظاهر ، بل المناط في الاستقبال أن يكون الاتجاه نحو المستقبل إليه بحيث لو اُزيل المانع وارتفع الحاجب كان يشاهده ويراه ، ولا يعتبر في مفهومه العرفي أكثر من ذلك . أترى أن الواقف على سطح الدار لو أراد استقبال من هو في ساحة الدار أو الواقف في الصحن الشريف لو أراد استقبال الواقف على المنارة يتوقف على النزول إلى الساحة أو الصعود على المنارة ؟ كلا ، بل مجرد الاتجاه في الموضعين على نحو يصدق عرفاً أنه أمامه وقدامه كاف في تحقق الاستقبال جزماً ، فلا يعتبر اتحاد الصعيد وتساوي السطحين في الصدق المزبور بالضرورة .


   وعلى هذا يندفع الإشكال في المقام بحذافيره ، فان من يقف على رأس جبل أو في سرداب أو بئر متجهاً نحو الكعبة فهو مستقبل إليها ، أي يكون على نحو لو لم يكن هناك حاجب وزال الارتفاع والانخفاض فهو يشاهد الكعبة ويراها ، وكذا من يكون في نقطتي المشرق أو المغرب متجهاً نحوالبيت فانه مستقبل إليه ، أي يكون بحيث لو قطع ربع الأرض وارتفعت الحواجب 


ــ[418]ــ


من الأطلال والأجبال ونحوها كان يرى الكعبة ويشاهدها ، ونحوه من يكون البعد بينه وبين البيت أزيد من تسعين درجة ، أي كان فيما بين المشرق أو المغرب والشمال فان الحال فيه هو الحال .


   نعم ، يتجه الإشكال في من يقف في النقطة المسامتة لنقطة الجنوب تحقيقاً أي يكون بعده عن الكعبة على رأس مائة وثمانين درجة وهي نقطة الشمال ، فان الاتجاه إلى القبلة حينئذ متحد من جميع الأطراف لتساوي النسبة واتحاد البعد من جميع الجوانب والنواحي إلى الكعبة بنسبة واحدة على الفرض من دون امتياز لجانب على آخر ، والظاهر حينئذ جواز الصلاة إلى أيّ جانب شاء ، وحيث ما توجه فهو متوجه إلى القبلة لتساوي النسب(1) كما عرفت ، فيكون حاله حال من يصلي في جوف البيت الذي تكون قبلته جميع الأطراف على حدّ سواء .


   وأما ثانياً : فلأن الروايات التي استدل بها لهذا القول غير صالحة للاستدلال لضعفها سنداً أو دلالة ، وهي روايات ثلاث :


   إحداها : صحيحة خالد بن أبي إسماعيل قال «قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) : الرجل يصلي على أبي قبيس مستقبل القبلة ، فقال : لا بأس»(2) وهذه الرواية كما ترى لا دلالة فيها على أكثر من جواز الصلاة على جبل أبي قبيس ، ولا إشعار فيها فضلاً عن الدلالة على امتداد القبلة إلى عنان السماء ، فيمكن الانطباق على ما ذكرناه من اختصاص القبلة بالفضاء المشغول بالبيت وما يعلوه بالمقدار الذي يتبعه عرفاً ، ويكون الاستقبال بالاتجاه نحوه على 


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) تساو ي النسب لو أوجب صدق الاستقبال لأوجب صدق الاستدبار أيضاً بمناط واحد ،   وهو كما ترى ، لامتناع اجتماع المتضادين في محل واحد ، ومنه تعرف سقوط اعتبار الاستقبال حالئذ لمكان التعذر . ولا يقاس بالمصلي في جوف الكعبة ، ضرورة أنه مستقبل
   لبعض أجزائها ولا استقبال في المقام لشيء منها فلاحظ .


(2) الوسائل 4 : 339 / أبواب القبلة ب 18 ح 2 .


ــ[419]ــ


النحو الذي عرفت ، فهي قاصرة الدلالة على المطلوب بالكلية وإن كانت صحيحة من حيث السند .


   الثانية : ما رواه الشيخ باسناده عن الطاطري عن محمد بن أبي حمزة عن عبدالله بن سنان عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : «سأله رجل قال : صليت فوق أبى قبيس العصر فهل يجزئ ذلك والكعبة تحتي ؟ قال : نعم ، إنها قبلة من موضعها إلى السماء»(1) وهذه وإن كانت ظاهرة الدلالة على المطلوب لكنها ضعيفة السند ، لأن في طريق الشيخ إلى الطاطري ، علي بن محمد بن الزبير القرشي(2) ولم يوثق ، وتعبير صاحب الحدائق(3) عنها بالموثق في غير محله ، وكأنه اقتصر في ملاحظة السند على الرجال المذكورين فيه الذين كلهم ثقات ، ولم يمعن النظر في طريق الشيخ إلى الطاطري المشتمل على الضعيف كما عرفت .


   الثالثة : مرسلة الصدوق قال «قال الصادق (عليه السلام) : أساس البيت من الأرض السابعة السفلى إلى الأرض السابعة العليا»(4) وهي في الدلالة كسابقتها . والتعبير عن السماء السابعة بالأرض كأنه من جهة عدّ كل سماء أرضاً بالإضافة إلى ما فوقها . وكيف كان ، فهي أيضاً ضعيفة السند بالإرسال فلا يعتمد عليها .


   وبالجملة : فما عليه المشهور من اتساع القبلة من تخوم الأرض إلى عنان السماء لا يمكن المساعدة عليه بوجه ، بل الظاهر اختصاصها بفضاء البيت وما يتبعه عرفاً حسبما عرفت ، بل هذا هو الحال في جميع الأوقاف والأملاك من المساجد وغيرها ، فلا يتعدى الوقف والملك من ناحية السفل والعلو إلا 


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) الوسائل 4 : 339 / أبواب القبلة ب 18 ح 1 .


(2) التهذيب 10 (المشيخة) : 76 .


(3) الحدائق 6 : 377 .


(4) الوسائل 4 : 339 / أبواب القبلة ب 18 ح 3 ، الفقيه 2 : 160 / 690 .


ــ[420]ــ


   ولا يدخل فيه شيء من حجر إسماعيل وإن وجب إدخاله في الطواف (1) .


 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


بالمقدار الذي يعد من توابعه ولواحقه عرفاً دون الزائد على ذلك .


   وتظهر الثمرة بين القولين في الاجتياز عن السطح العالي للبيت أو المسجد أو الملك علوّاً فاحشاً بطائرة ونحوها ، فعلى المشهور لا يجوز ذلك للجنب في الأولين وبدون إذن المالك في الأخير . وعلى المختار يجوز ، لخروج ذاك الفضاء عن البيت والمسجد والملك .


   (1) قد نص أكثر الأصحاب بخروج الحجر عن البيت وعدم دخول شيء منه فيه ، فلا يجزئ استقباله عن استقبال البيت ، بل هذا هو المشهور بينهم شهرة عظيمة ، وقد نطقت بذلك جملة من النصوص .


   منها : صحيحة معاوية بن عمار قال : «سألت أباعبدالله (عليه السلام) عن الحجر أمن البيت هو أو فيه شيء من البيت ؟ فقال : لا ، ولا قلامة ظفر ، ولكن إسماعيل دفن فيه أمه فكره أن يوطأ فجعل عليه حجراً وفيه قبور أنبياء»(1) .


   وموثقة يونس بن يعقوب قال «قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) : إني كنت اُصلي في الحجر فقال لي رجل : لا تصل المكتوبة في هذا الموضع فان في الحجر من البيت ، فقال : كذب ، صلّ فيه حيث شئت»(2) .


   وموثقة زرارة عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : «سألته عن الحجر هل فيه شيء من البيت ؟ فقال : لا ، ولا قلامة ظفر»(3) .


   نعم ، لا ريب في وجوب إدخاله في الطواف ، لما تضمنته جملة من النصوص(4) من كونه مدفن إسماعيل أو اُمه أو عذارى بناته أو جمع من الأنبياء على اختلاف ألسنتها ، فاُدخل في المطاف كي لا توطأ قبورهم فتهتك 


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) الوسائل 13 : 353 / أبواب الطواف ب 30 ح 1 .


(2) ، (3) الوسائل 5 : 276 / أبواب أحكام المساجد ب 54 ح 1 ، 2 .


(4) الوسائل 13 : 353 / أبواب الطواف ب 30 .


ــ[421]ــ


   ويجب استقبال عينها لا المسجد أو الحرم ولو للبعيد (1) .


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


حرمتهم . إلا أن ذلك لا يستلزم كون الحجر من البيت ، لعدم الملازمة بين الأمرين كما هو ظاهر .


   هذا ولكن العلامة في النهاية والتذكرة(1) ، وكذا الشهيد في الذكرى(2) قد صرّحا بكون الحجر من البيت فيجوز استقباله ، ناسبين ذلك إلى الأصحاب . قال الأول : يجوز استقباله ـ أي الحجر ـ لأنه عندنا من الكعبة . وقال في الذكرى : إن ظاهر الأصحاب أن الحجر من الكعبة بأسره ، ثم استشهد لذلك بالنقل المتضمن أنه كان منها في زمن إبراهيم وإسماعيل إلى أن بنت قريش الكعبة فأعوزتهم الآلات فاختصروها بحذفه ، وكذلك كان في عهد النبي (صلى الله عليه وآله) ونقل عنه (صلى الله عليه وآله) الاهتمام بادخاله في بناء الكعبة ، وبذلك احتج ابن الزبير حيث أدخله فيها ، ثم أخرجه الحجاج بعده ورده إلى ما كان .


   وما أفاداه من نسبة ذلك إلى الأصحاب مع عدم وجود القول به صريحاً من أحد منهم ، بل قد عرفت تصريح الأكثر بالخلاف غريب جداً . وأغرب من ذلك الاستشهاد بالنقل مع أنه لم يرد ذلك من طرقنا ولا في رواية ضعيفة كما اعترف به غير واحد من الأعلام ، وإنما هو منقول في كتب العامة ومرويّ بطرقهم . وليت شعري كيف خفي عليهما ذلك مع أنهما من أساطين الفن ومهرته وأركان العلم وحملته .


   (1) المعروف والمشهور بين الأصحاب أن القبلة هي الكعبة بعينها للقريب والبعيد ، وصرّح غير واحد بل نسب إلى الأكثر أنها عيناً قبلة للقريب وجهة للبعيد ، وسيأتي الكلام حول اعتبار الجهة والمراد منها .


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) نهاية الإحكام 1 : 392 ، لاحظ التذكرة 8 : 91 وحكاه عنه في المستند 4 : 161 .


(2) الذكرى 3 : 169 .


ــ[422]ــ


   وعلى أي حال فالمشهور أن الكعبة بنفسها إما عيناً أو جهة هي القبلة لكافة المسلمين في جميع الأقطار من القريبين والبعيدين ، وقد نطقت بذلك جملة وافرة من الأخبار المتضمنة لقصة تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة وغيرها المذكورة في الوسائل في الباب الثاني من أبواب القبلة فراجع(1) .


   وحكي عن الشيخين(2) وجماعة من القدماء التفصيل بلحاظ الأمكنة من حيث القرب والبعد ، فالكعبة قبلة لمن كان في المسجد ، والمسجد لمن كان في الحرم ، والحرم لمن خرج عنه ، فليست القبلة منحصرة في الكعبة ، بل تختلف حسب مراتب البعد ، واختاره المحقق في الشرائع(3) صريحاً ، بل في الذكرى(4) نسبته إلى أكثر الأصحاب ، وعن الخلاف(5) دعوى الإجماع عليه ، وقد استشهدوا لذلك بجملة من النصوص .


   أقول : إن أراد هؤلاء من التفصيل المزبور أن القبلة متعددة واقعاً وأنها في حدّ ذاتها غير منحصرة في الكعبة ، بحيث إن من كان خارجاً عن المسجد يجوز له الاتجاه نحو ضلع من أضلاعه حتى مع القطع بانحرافه عن البيت ، ومن كان خارجاً عن الحرم يكفيه استقبال جزء منه وإن لم يستقبل المسجد ولا البيت ، فالوظيفة المقررة في هذه الموارد مختلفة حتى واقعاً . فلا ريب أن هذا مقطوع العدم ، بل هو مخالف لضرورة الدين ومناف لإجماع المسلمين ، بداهة أن كون الكعبة هي القبلة وانحصارها فيها للقريب والنائي من الوضوح لدى المسلمين بمثابة النار على المنار ، يعرفه العوام فضلاً عن الخواص ، بل 


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) الوسائل 4 : 297 / أبواب القبلة ب 2 .


(2) المفيد في المقنعة : 95 ، الطوسي في المبسوط 1 : 77 .


(3) الشرائع 1 : 77 .


(4) الذكرى 3 : 159 .


(5) الخلاف 1 : 295 مسألة 41 .


ــ[423]ــ


يعرفه ـ كما في الجواهر(1) ـ الخارج عن الإسلام فضلاً عن أهله ، وفي حاشية المدارك(2) أن ذلك من ضروريات الدين والمذهب حتى أن الإقرار به يلقّن الأموات فضلاً عن الأحياء كالاقرار بالله تعالى .


   وقد عرفت آنفاً أن الروايات الدالة على ذلك كثيرة جداً بحيث لو فرض ورود رواية على خلافها وكانت صحيحة السند صريحة الدلالة لم تنهض لمقاومة تلكم الأخبار ولم تصلح لمعارضتها ، بل وجب تأويلها أو طرحها ورد علمها إلى أهله . كيف والروايات المخالفة كلها ضعيفة السند كما ستعرف .


   وإن أرادوا بذلك الاتساع في القبلة بالإضافة إلى البعيدين مع كونها منحصرة بحسب الواقع في شيء واحد وهي الكعبة في حق الجميع غير أن الاتجاه نحوها يختلف بحسب القرب والبعد ، فمن في المسجد يتوجه إلى الكعبة بعينها ، وأما من في خارج المسجد فالاتجاه إلى الكعبة بالنسبة إليه يتحقق بالتوجه إلى جزء من المسجد ، كما أن من هو في خارج الحرم يكون اتجاهه إلى الكعبة بالتوجه إلى الحرم وهذا من شؤون البعد ، وإلا فقبلة الجميع هي الكعبة ليس إلا . فهذا يرجع في الحقيقة إلى القول الأول وليس قولاً آخر في قباله ، إذ لا يدعي المفصل المزبور الاجتزاء بالاتجاه إلى جزء من المسجد حتى مع العلم بالانحراف عن البيت ، بل يجعل ذلك طريقاً لاستعلام الاستقبال إلى الكعبة ، وكذا من هو في خارج الحرم ، وعليه فيصبح النزاع لفظياً محضاً كما لا يخفى .


   وأما ما استشهد به لهذا القول من الروايات فقد عرفت أنها لا تكاد تقاوم تلك الأخبار الدالة بظاهرها على انحصار القبلة في الكعبة حتى لو كانت صحيحة السند ، والذي يهوّن الخطب أن أسانيدها بأجمعها ضعيفة .


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) الجواهر 7 : 322 .


(2) حاشية المدارك : 151 .


ــ[424]ــ


   فمنها : ما رواه الشيخ باسناده عن محمد بن أحمد بن يحيى عن الحسن بن الحسين ، عن عبدالله بن محمد الحجال عن بعض رجاله عن أبي عبدالله (عليه السلام) : «إن الله تعالى جعل الكعبة قبلة لأهل المسجد ، وجعل المسجد قبلة لأهل الحرم ، وجعل الحرم قبلة لأهل الدنيا»(1) .


   فان الحسن بن الحسين اللؤلؤي وإن وثقه النجاشي(2) لكن ضعّفه شيخ الصدوق محمد بن الحسن بن الوليد(3) ، حيث إنه استثنى من روايات محمد ابن أحمد بن يحيى ما ينفرد به الحسن بن الحسين . كما أن عبدالله بن محمد الحجال مهمل في كتب الرجال ، نعم هو موجود في كتاب كامل الزيارات . فلو اكتفينا في توثيق الرجل بذلك واعتمدنا على توثيق النجاشي في سابقه وقدّمناه على تضعيف ابن الوليد لم يكن ذلك أيضاً مجدياً في تصحيح السند ، إذ الرواية بعد مرسلة فلا يمكن الاعتماد عليها .


   ومنها : ما رواه أيضاً باسناده عن أبي العباس بن عقدة عن الحسين بن محمد بن حازم ، عن تغلب بن الضحاك ، عن بشر بن جعفر الجعفي ، عن جعفر بن محمد (عليه السلام) قال : «سمعته يقول : البيت قبلة لأهل المسجد ، والمسجد قبلة لأهل الحرم ، والحرم قبلة للناس جميعاً»(4) ورجال السند بأجمعهم بين مجهول ومهمل كما لا يخفى ، وقد أشار الشيخ إلى بعضهم في رجاله من دون تعرض لحالهم .


   ومنها : مرسلة الصدوق قال «قال الصادق (عليه السلام) : إن الله تبارك وتعالى جعل الكعبة قبلة لأهل المسجد ، وجعل المسجد قبلة لأهل الحرم ، وجعل الحرم قبلة لأهل الدنيا»(5) وبما أن ألفاظ هذه الرواية متحدة مع الاُولى 


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) الوسائل 4 : 303 / أبواب القبلة ب 3 ح 1 .


(2) رجال النجاشي : 40 / 83 .


(3) رجال النجاشي : 348 / 939 .


(4) الوسائل 4 : 304 / أبواب القبلة ب 3 ح 2 .


(5) الوسائل 4 : 304 / أبواب القبلة ب 3 ح 3 . الفقيه 1 : 177 / 841 .


ــ[425]ــ


   ولا يعتبر اتصال الخط من موقف كل مصل بها بل المحاذاة العرفية كافية((1))،غاية الامر ان المحاذاة تتسع مع البعد ، وكلما ازداد بعداً ازدادت سعة المحاذاة كما يعلم ذلك بملاحظة الأجرام البعيدة كالأنجم ونحوها ، فلا يقدح زيادة عرض الصف المستطيل عن الكعبة في صدق
محاذاتها((2)) كما نشاهد ذلك بالنسبة إلى الأجرام البعيدة ، والقول بأن القبلة للبعيد سمت الكعبة وجهتها راجع في الحقيقة الى ما ذكرنا، وان كان مرادهم الجهة العرفية المسامحية فلا وجه له(1).


 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


فضلاً عن المعنى فيطمأن عادة لو لم يقطع أنها هي بعينها ، فيجري فيها ما مرّ من وجه الضعف ، وعلى تقدير التعدد فيكفي إرسالها في الضعف .


   ومنها : ما في العلل عن محمد بن الحسن عن الصفار عن العباس بن معروف عن علي بن مهزيار عن الحسن بن سعيد عن إبراهيم بن أبي البلاد ، عن أبي غرة قال «قال لي أبوعبدالله (عليه السلام) : البيت قبلة المسجد ، والمسجد قبلة مكة ، ومكة قبلة الحرم ، والحرم قبلة الدنيا»(3) ورجال السند كلهم موثقون ما عدا الراوي الأخير فانه مجهول ، على أن الرواية مشتملة على زيادة لم تذكر في غيرها ولم يوجد قائل بها ، وهي كون مكة قبلة الحرم ، وهذه تزيدها وهناً .


   وكيف كان ، فهذه الروايات كلها ساقطة ، فالتفصيل باطل .


   (1) قد أشرنا إلى تصريح غير واحد من الأعلام بأن قبلة البعيد هي جهة 


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) هذا عند عدم التمكن من إحراز محاذاة نفس العين ، وإلا فتجب محاذاة نفسها لحدبة الوجه    التي تكون نسبتها إلى دائرة الرأس بالسبع تقريباً ، فاذا وقع البيت بين القوس الواقع على    اُفق المصلي المحاذي للقوس الصغير الواقع على الحدبة فالمحاذاة حقيقيّة .


(2) مرّ اعتبار المحاذة الحقيقيّة .


(3) الوسائل 4 : 304 / أبواب القبلة ب 3 ح 4 ، علل الشرائع : 318 / 2 .


ــ[426]ــ


الكعبة لا عينها ، ولا يخفى أن هذا التعبير لم يرد في شيء من النصوص ، وإنما التزم بها من التزم وعدل عن جعل الكعبة بعينها قبلة على الإطلاق الذي هو مقتضى ظواهر النصوص لوجهين :


   الأول : بطلان صلاة المأموم إذا كان البعد بينه وبين الإمام أكثر من طول الكعبة البالغ عشرين ذراعاً تقريباً ، فاذا كان الفصل بينهما ثلاثين ذراعاً مثلاً فالمأموم يعلم حينئذ ببطلان صلاته تفصيلاً ، إما لانحرافه عن الكعبة بنفسه أو لانحراف الإمام ، وهذا بخلاف الاكتفاء بالجهة ، فان الصف حينئذ مهما طال والجماعة مهما اتسعت فالكل متوجهون إلى الكعبة ومستقبلون سمتها .


   الثاني : ما ذكره المحقق الأردبيلي(1) فيما حكي عنه ، قال ما لفظه : عدم اعتبار التدقيق في أمر القبلة وأنه أوسع من ذلك ، وما حاله إلا كأمر السيد عبده باستقبال بلد من البلدان النائية ، الذي لا ريب في امتثاله بمجرد التوجه إلى جهة تلك البلد من غير حاجة إلى رصد وعلامات وغيرها مما يختص بمعرفته أهل الهيئة المستبعد أو الممتنع تكليف عامة الناس من النساء والرجال خصوصاً السواد منهم بما عند اهل الهيئة الذي لا يعرفه إلا الأوحدي منهم ، واختلاف هذه العلامات التي نصبوها وخلوّ النصوص عن التصريح بشيء من ذلك سؤالاً وجواباً عدا ما ستعرفه مما ورد في الجدي من الأمر تارة بجعله بين الكتفين واُخرى بجعله على اليمين مما هو مع اختلافه وضعف سنده وإرساله خاص بالعراقي ، مع شدة الحاجة لمعرفة القبلة في اُمور كثيرة خصوصاً في مثل الصلاة التي هي عمود الأعمال ، وتركها كفر ، ولعل فسادها ولو بترك الاستقبال كذلك أيضاً ، وتوجّه أهل مسجد قبا في أثناء الصلاة لما بلغهم انحراف النبي (صلى الله عليه وآله) وغير ذلك مما لا يخفى على العارف بأحكام هذه الملّة السهلة السمحة أكبر شاهد على شدّة التوسعة في أمر القبلة وعدم وجوب شيء مما ذكره هؤلاء المدققون .


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) مجمع الفائدة والبرهان 2 : 58 . (نقل بالمضمون) .


ــ[427]ــ


   وكيف كان ، فقد اختلفت كلماتهم في تفسير الجهة وبيان المراد منها ، فذكر بعضهم كالمحقق في المعتبر : أنها السمت الذي فيه الكعبة(1) . والإشكال عليه ظاهر ، فانه إحالة إلى أمر مجهول ، لإبهام السمت ، إذ هو مفهوم تشكيكي قابل للإنطباق في الخارج على اُمور كثيرة وجهات عديدة ، فانا إذا لاحظنا دائرة الاُفق وقسمناها نصفين ، فالنصف الذي فيه الكعبة يعدّ بأجمعه سمتاً لها ، ولو لاحظنا ثلث الدائرة المشتمل عليها كان السمت هو الثلث وصار أضيق من الأول ، ولو لاحظنا الربع المتضمن لها اختص السمت به ، وكذا الخمس والسدس وهكذا ، فليس للسمت حدّ منضبط ومصداق معيّن في الخارج ، بل يختلف باختلاف لحاظ أجزاء الدائرة المشتملة على الكعبة سعة وضيقاً حسبما عرفت .


   وعن بعضهم أنها القدر الذي يجوز على كل جزء منه كون الكعبة فيه ، ويقطع بعدم خروجها عنه . وعن آخرين أنها السمت الذي يظن كون الكعبة فيه .


   والإشكال عليهما أظهر ، لوضوح عدم دخل الظن والاحتمال في مفهوم الجهة أصلاً ، فان ما هي جهة الكعبة واقعاً هي الجهة سواء ظن أو احتمل كون الكعبة فيها أم لا ، كما أنّ ما لا يكون جهة الكعبة ليس جهتها وإن ظن أو احتمل كون الكعبة فيها . نعم يمكن أن يكون لهما دخل في مقام الإحراز وتشخيص الجهة الظاهرية ، لكن الكلام فعلاً في مرحلة الثبوت وبيان ما هو جهة الكعبة واقعاً لا في مقام الإثبات كما هو ظاهر .


   وعن الفاضل المقداد أن جهة الكعبة التي هي القبلة للنائي خط مستقيم يخرج من المشرق إلى المغرب الاعتداليين ويمرّ بسطح الكعبة ، فالمصلي حينئذ يفرض من نظره خطاً يخرج إلى ذلك الخط فان وقع على زاوية قائمة 


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) المعتبر 2 : 66 .


ــ[428]ــ


فذلك هو الاستقبال ، وإن كان على حادة أو منفرجة فهو إلى ما بين المشرق والمغرب(1) .


   توضيح كلامه : أنا إذا لاحظنا نقطتي المشرق والمغرب الاعتداليين ـ أي في الوقت الذي يعتدل فيه الليل والنهار ويتساويان ـ وفرضنا خطاً مستقيماً متصلاً بينهما على نحو يمرّ بسطح الكعبة فهذا الخط هي جهة الكعبة ، وحينئذ فالمصلي النائي لو اتجه نحو هذا الخط فان كان اتجاهه بحيث لو فرض خروج خط مستقيم من نظره متصل إلى ذاك الخط يتشكل منهما زاويتان قائمتان ـ أي يكون كل منهما بمقدار تسعين درجة ـ فذاك استقبال للجهة ، وإن كان الخط المزبور متمايلاً نحو الشرق أو الغرب بحيث يحصل من تقاطعه مع الخط الأول زاوية حادة واُخرى منفرجة فذاك من التوجه إلى ما بين المشرق والمغرب ، الذي يحكم فيه أيضاً بصحة الصلاة عند العجز عن استقبال الكعبة وجهتها .


   ولا يخفى أن هذا الذي أفاده (قدس سره) في تفسير الجهة أمر معقول في حد نفسه ولا غرابة فيه .


   والإيراد عليه بامتناع مرور الخط الخارج ما بين المشرق والمغرب الاعتداليين بسطح الكعبة لانحرافها عنه إلى الشمال في غير محله ، فانه خلط بين الخط المزبور وبين خط الاستواء ، والممتنع مروره عليه إنما هو الخط الثاني الذي طرفاه نقطتا المشرق والمغرب الحقيقيين القاسم لكرة الأرض إلى قسمين متساويين ، والحاصل من تقاطعه مع خط نصف النهار الذي طرفاه القطب الشمالي والجنوبي أربعة أقسام متساوية لكرة الأرض ، فان مثل هذا الخط يمتنع مروره بسطح الكعبة لانحراف مكة عن خط الاستواء بمقدار إحدى وعشرين ونصف درجة إلى ناحية الشمال كما اُفيد .


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) التنقيح الرائع 1 : 178 .


ــ[429]ــ


   وأما الخط الاعتدالي المفروض في كلامه (قدس سره) فهو مغاير لخط الاستواء(1) ويتخلف عنه وينحرف إلى الجنوب أو الشمال حسب اختلاف مدارات الشمس ومثل هذا الخط يمر بسطح الكعبة لا محالة فان لكل بلد مشرقاً ومغرباً اعتدالياً يغاير البلد الآخر .


   ولتوضيح ذلك : خذ كرة وضع يديك على جانبيها من اليمين واليسار ، وافرض هاتين النقطتين ثابتتين وأوصل بينهما بخط هو خط الاستواء ، ثم حرّك الكرة نحو الجنوب يسيراً ، فلا محالة يتنازل القطب الجنوبي ويتصاعد القطب الشمالي ، ثم لاحظ نقطتي المشرق والمغرب الاعتداليين اللذين هما في القطب الشمالي وأوصل بينهما بخيط ونحوه ، ثم حرّك الكرة شيئاً فشيئاً إلى أن تنتهي إلى مكة فأوقفها وضع الخيط عليها ، فهذا هو الخط الاعتدالي المار على سطح الكعبة ، فاذا وقف المصلي نحو هذا الخط بحيث تتشكل زوايا قوائم فهو مستقبل لجهة الكعبة كما مر .


   كما أن الإيراد عليه ثانياً بأن لازم ذلك أن يكون جميع البلاد الشمالية بالإضافة إلى مكة قبلتها نقطة الجنوب ، حيث إن الخط الخارج من موقف المصلي إلى الخط المذكور المقاطع له على زوايا قوائم هو خط نصف النهار المفروض ما بين نقطتي الجنوب والشمال في غير محله أيضاً(2) ، فان موقف المصلي عند توجهه نحو الخط الاعتدالي المزبور لا يلزم أن يكون نقطة الشمال ، بل يمكن أن يقف ما بين الشمال والشرق ، أو بينه وبين الغرب أي 


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) نعم هو مغاير إلا أنه مواز له ، ولا يكاد ينحرف عنه حسب الفرض من كونه اعتدالياً ،    فانّه مفروض في السماء مسامتاً لخط الاستواء المفروض في الارض ، ومثله لا تغير ولا    انحراف فيه أبداً . وما اُفيد في المتن إنما ينطبق على المشرق والمغرب غير الاعتداليين لا الاعتدالي المفروض في كلام الفاضل المقداد والذي هو محط البحث معه .


(2) بل هو في محله ، لأن تشكيل زاوية قائمة بالإضافة إلى من لا يكون في شمال مكة بل كان    منحرفاً منها إلى المشرق أو المغرب يوجب الانحراف منها إلى نقطة الجنوب لا محالة .


ــ[430]ــ


في خطوط طولية على غرار خط نصف النهار ، ومع ذلك يحصل من تقاطع الخط الخارج منه مع الخط الاعتدالي زوايا قوائم كما لا يخفى ، غايته أنّ بعض الزوايا يكون ضلعاها حينئذ أكبر من الاُخرى ، فلا ينحصر حصول الزاوية القائمة بما فرضه المعترض كي تكون القبلة نقطة الجنوب دائماً ، وهذا ظاهر .


   نعم يتوجه عليه أولاً : أن تفسير الجهة بما ذكره لا دليل عليه ، فالاجتزاء في تحقق الاستقبال بالاتجاه نحو أي نقطة من نقاط الخط الاعتدالي على نحو تتشكل منه زاوية قائمة لم يثبت بدليل شرعي ، وهي دعوى بلا برهان ، وعلى مدعيها الاثبات .


   وثانياً : أن الاتجاه نحو الخط الاعتدالي بنحو الزاوية القائمة قد يستوجب الانحراف عن الكعبة بدرجات كثيرة ، بحيث لو كانت الزاوية حادة أو منفرجة كان الاتجاه إلى الكعبة أقرب مما لو كانت قائمة ، ولا سيما في البلدان الواقعة في شرقي مكة أو غربها كجدة ونحوها التي تكون قبلتها نقطة المشرق أو المغرب تحقيقاً ، فلا يطّرد الضابط المزبور على سبيل الإطلاق كما لا يخفى .


   فتحصل : أن شيئاً من هذه الوجوه التي ذكروها لتفسير الجهة لا يرجع إلى محصل ولا يمكن المساعدة عليها .


   وأما الإشكال المتقدم الذي من أجله التزموا بكون القبلة للنائي هي الجهة دون العين ، أعني بطلان صلاة المأموم لو كان البعد بينه وبين الإمام أكثر من طول الكعبة كما تقدمت الإشارة إليه(1) فهو مبني على تخيّل موازاة الخطوط الخارجة من موقف المصلين إلى الكعبة وأن البعد بينها على حدّ سواء . وعليه يتجه الإشكال ، لكنك ستعرف أن الخطوط لابد وأن تكون غير متوازية على ما يقتضيه طبع البُعد بعد فرض كرويّة الأرض فللخطوط ميلان وانحراف غير 


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) في ص 426 .


ــ[431]ــ


محسوس لا محالة ، والكل تتصل بنفس الكعبة كما سنوضحه إن شاء الله تعالى ، فيندفع الإشكال من أصله .


   وأما مقالة المحقق الأردبيلي المتقدمة(1) من عدم ابتناء أمر القبلة على التدقيق فهي في غاية الجودة والمتانة ، لكنها لا تقتضي الالتزام بالجهة والاستناد إلى المسامحة العرفية ، بل القبلة بالإضافة إلى الجميع هي نفس الكعبة تحقيقاً ، ومع ذلك لا تبتني على التدقيق ولا تتوقف على رصد وعلامات كما ذكره (قدس سره) بل هي بمثابة يعرفها كل أحد ويسهل تناولها للجميع .


   والوجه في ذلك ما ذكره شيخنا الاُستاذ (قدس سره) في المقام(2) . وتوضيحه : أنا إذا رسمنا دائرة صغيرة ورسمنا دائرة اُخرى حولها أكبر منها بحيث يتحد مركز الدائرتين فلا محالة يكون كل جز من محيط الدائرة الصغرى محاذياً لما يسامتها من محيط الدائرة الكبرى بنسبة واحدة ، فالنصف من الصغرى محاذ للنصف من الكبرى المحيط بها ، والثلث للثلث والربع للربع ، وكذا الخمس للخمس وهكذا ، بحيث لو رسمنا خطوطاً كثيرة من ربع محيط الكبرى مثلاً فهي بأجمعها تنتهي إلى ربع محيط الصغرى في الجانب المحاذي لها ، وكلما ازداد بعد الكبرى عن الصغرى كانت جهة المحاذاة أوسع وقوس الاستقبال أكثر .


   وعليه فاذا طبقنا هاتين الدائرتين على موقف المصلي ومسجد جبهته فرسمنا حول موقفه دائرة بمقدار قطر دائرة الرأس التي هي كروية بالطبع ، ورسمنا دائرة اُخرى حوله يمر محيطها بمسجد الجبهة عند السجود فجميع دائرة الرأس محاطة بجميع الدائرة الثانية كل جزء بجزء بنسبة واحدة كما 


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) في ص 426 .


(2) كتاب الصلاة 1 : 140 .


ــ[432]ــ


عرفت ، وبما أن نسبة قوس الجبهة التي هي المناط في تحقق الاستقبال والاتجاه نحو الشيء عرفاً إلى مجموع دائرة الرأس هي السبع تقريباً ، حيث إن عرض الجبهة المتعارفة أربع أصابع ومجموع دائرة الرأس المتعارف ثمان وعشرون إصبعاً تقريباً ، فتكون النسبة هي السبع ، فسبع دائرة الرأس مواجه لسبع الدائرة الثانية المارة بمسجد الجبهة بحيث لو رسمنا خطاً من أي جزء من أجزاء هذا السبع فهو يصل إلى ناحية من قوس الجبهة لا محالة ، فلو فرضنا اتساع الدائرة الثانية إلى أن انتهت إلى دائرة الاُفق فالنسبة هي النسبة بعينها ، أي أن قوس الاستقبال من دائرة الاُفق نسبته إليها هي السبع الذي كان نسبة قوس الجبهة إلى مجموع دائرة الرأس ، غايته أن البعد اقتضى اتساع دائرة المحاذاة ، وعليه فقوس الجبهة مواجه حقيقة لتمام سبع الدائرة من الاُفق . ومن هنا لو اتجه المصلي نحو هذا السبع من الدائرة المتضمن للكعبة ففي أي جزء من أجزائه وقعت الكعبة كان متوجهاً إليها حقيقة ومستقبلاً لعينها تحقيقاً ، من دون أية عناية ومسامحة ، لما عرفت من مواجهة جميع أجزاء السبع مع الجبهة لدى المقابلة ، غاية الأمر أن الكعبة لو كانت في وسط السبع كانت المواجهة مع وسط قوس الجبهة ، ولو كانت في يمين السبع أو يساره كان الاتجاه مع يمين الجبهة أو يسارها حسب اختلاف الدرجات .


   ومنه يظهر أن الانحراف بدرجات يسيرة كالعشرة والعشرين بل ستة وعشرين غير قادح في تحقق الاستقبال ما لم يخرج عن حدّ السبع الذي يزيد حينئذ عن ستة وعشرين درجة كما لا يخفى .


   فتحصّل من جميع ما ذكرناه : أنّ الكعبة بعينها قبلة لعامة الناس ، سواء فيه القريب والبعيد كما تقتضيه ظواهر النصوص من الآيات والروايات . وهذا ـ على النحو الذي بيناه ـ أمر يسهل تناوله للجميع من دون ابتنائه على التحقيق والتدقيق ، فلا وجه للعدول عن مقتضى ظواهر النصوص إلى الجهة العرفية أو المسامحية التي لم يتضح المراد منها ولا الدليل عليها ، فلم نتعقل معنى 


ــ[433]ــ


ويعتبر العلم بالمحاذاة مع الامكان (1) ، ومع عدمه يرجع إلى العلامات والأمارات المفيدة للظن (2) .


 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


محصلاً لشيء من ذلك وراء ما ذكرناه كما عرفت بما لا مزيد عليه .


   ومما ذكرنا يظهر أن الصفوف المتمادية مهما طالت فالكل متوجهون لعين الكعبة ، لعدم تجاوزهم حدّ السبع ، وقد عرفت أن الانحراف اليسير لا ضير فيه .


   (1) قضاءً للفراغ اليقيني الذي يقتضيه الاشتغال اليقيني .


   (2) لم يرد في شيء من روايات الباب التعرض لأمارة بالخصوص لاستعلام القبلة لدى العجز عن تحصيل العلم ما عدا الجدي ، حيث ورد الأمر بجعله في القفا أو على اليمين أو بين الكتفين على اختلاف ألسنة الأخبار ، لكن من الضروري عدم اطراد هذه العلامة في جميع الآفاق وعلى سبيل الإطلاق ، بل هي مختصة بالعراق وما والاه مما تكون قبلته نقطة الجنوب أو ما يقرب منها ، وإلا فقد يكون الجدي في يمين المصلي أو يساره أو قبال وجهه حسب اختلاف مناطق البلاد من كونها في شرق مكة أو غربها أو جنوبها كما يظهر ذلك بوضوح لمن يصلي في المسجد الحرام ، فانه لو اتجه نحو الجنوب ـ عند استقبال الكعبة ـ فالجدي على قفاه أو نحو الشمال فهو قبال وجهه ، أو نحو المشرق فعلى يساره ، أو نحو المغرب فعلى يمينه ، وبهذا المنوال يلاحظ البلدان الواقعة في طول هذه الجهات الأربع ، فان حكمها حكم المصلي في نفس المسجد .


   وبالجملة ، فلا كلية لهذه الأمارة ، مضافاً إلى ضعف هذه الروايات بأجمعها كما ستعرف إن شاء الله تعالى .


   على أنّ هذه الأمارة في مورد اعتبارها من الأمارات المفيدة للقطع ، إذ الجدي واقع في طرف الشمال ، ففي البلدان التي تكون شمالي مكة التي 


ــ[434]ــ


وفي كفاية شهادة العدلين مع امكان تحصيل العلم اشكال((1)) (1) .


 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


تكون قبلتها ـ طبعاً ـ نقطة الجنوب متى جعل الجدي فيها على الكيفية الخاصة أورث القطع بالاستقبال بطبيعة الحال ، من غير حاجة إلى النص ، وعليه فلا تكون هذه العلامة في طول العلم بحيث لا يعوّل عليها إلا لدى تعذره ، بل هي من موجبات حصوله وتحققه .


   نعم ، الظن الحاصل بالاجتهاد حجة في ظرف عدم التمكن من تحصيل العلم أو العلمي خاصة ، لاختصاص دليل حجيته وهو صحيح زرارة : «يجزئ التحري أبداً إذا لم يعلم أين وجه القبلة»(2) بذلك ، فان المراد من عدم العلم الذي علّق عليه التحري ـ وهو الأخذ بالاحتمال الأحرى الذي هو الظن ـ هو عدم التمكن منه على ما هو الظاهر من هذا التركيب عند أهل العرف لا عدم العلم الفعلي كما لا يخفى .


   كما أن سائر الظنون الحاصلة من محاريب المساجد أو من مقابر المسلمين وما شاكلهما أيضاً كذلك ، لأن الدليل على اعتبارها هو السيرة ، ولأجل أنها دليل لبّي يقتصر على المتيقن منها وهو صورة عدم التمكن من تحصيل العلم .


   (1) لا ينبغي الاستشكال في كفايتها ، لإطلاق دليل حجيتها بنطاق عام إلا ما خرج بالدليل كما في الشهادة على الزنا الموقوفة على شهود أربعة ، وكما في الدعوى على الميت المفتقرة إلى ضم اليمين ، بل وكفاية خبر العدل الواحد ، بل مطلق الثقة بناءً على ما هو الصواب من اعتباره في مطلق الموضوعات كالأحكام .


   لكن ذلك كله إنما يعتبر في المقام ـ كغيره ـ فيما إذا كان الإخبار مستنداً 


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) أظهره كفاية شهادة العدلين ، بل لا تبعد كفاية شهادة العدل الواحد بل مطلق الثقة أيضاً .


(2) الوسائل 4 : 307 / أبواب القبلة ب 6 ح 1 .


ــ[435]ــ


ومع عدمه لا بأس بالتعويل عليها (1)


 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


إلى الحس كما لو قامت البينة أو أخبر العادل أو الثقة بأن الجدي في الموضع الفلاني بحيث يقطع معه بجهة القبلة قطعاً لا يقل عن الحس ، دون ما إذا استند إلى المبادئ الحدسية من الأمارات الظنية ونحوها ، لقصور دليل الحجية عن الشمول لهذه الصورة كما تقرر في محله .


   ودعوى أن المقام من الموارد التي لا سبيل فيها لغير الحدس والاجتهاد كما في إخبار المقوّم والطبيب ومن شاكلهما ، حيث قامت السيرة العقلائية الممضاة شرعاً بعدم الردع على حجية قولهم من باب كونهم من أهل الخبرة لا من باب حجية البينة ، مدفوعة بامكان إحراز القبلة بالحس حسب القواعد المقررة لتشخيصها على سبيل القطع والبت حسبما عرفت .


   وعلى الجملة : عند قيام الأمارة المعتبرة ـ وهي المستندة إلى الحس ـ من شهادة العدلين أو العدل الواحد أو مطلق الثقة يعوّل عليها سواء أفادت الظن الشخصي أم لا ، بل وإن كان الظن الشخصي على خلافها ، فانها بعد شمول دليل الحجية علم تعبدي ، وهو بمثابة العلم الوجداني في مناط الاعتبار ، من غير فرق في ذلك بين المتمكن من تحصيل العلم الوجداني وعدمه كما في سائر المقامات ، لإطلاق دليل الحجية وعدم اشتراطه بالعجز عن تحصيل العلم ، بل هما في عرض واحد .


   وأما إذا كانت الأمارة غير معتبرة ـ وهي المستندة إلى الحدس ـ فلا يعوّل عليها حتى مع العجز عن تحصيل العلم ، إلا إذا أفادت الظن فتكون حجة حينئذ من باب التحري ، لحجية الظن في باب القبلة بالخصوص .


   (1) بل قد عرفت عدم البأس حتى مع إمكان تحصيل العلم فيما إذا كانت الشهادة مستندة إلى الحس ، نعم في المستندة إلى الحدس لا اعتبار بها إلا من باب التحري المنوط بالعجز عن تحصيل العلم ، لكن صدق التحري موقوف 


ــ[436]ــ


إن لم يكن اجتهاده على خلافها . والا فالأحوط تكرار الصلاة((1)) (1) ،ومع عدم امكان تحصيل الظن يصلي إلى أربع جهات((2))(2) .


 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


على أن لا يكون اجتهاده على خلافها ، وإلا كان هو الأقرب بنظره إلى الواقع فكان هو الأحرى لا ما أدّت إليه البينة المزبورة .


   (1) وقد ظهر مما مرّ أنه لا حاجة إليه ، بل يكفي العمل بالبينة إن استندت إلى الحس ، وإلا فليعمل على طبق اجتهاده فلاحظ .


   (2) على المشهور شهرة عظيمة ، بل عن المعتبر(3) وغيره نسبته إلى علمائنا ، بل عن الغنية(4) دعوى الإجماع عليه .


   ونسب إلى الشيخين(5) إنكار العمل بالظن لدى فقد الأمارات السماوية ، وأنه يصلي حينئذ إلى أربع جهات إن أمكن ، وإلا فالى جهة واحدة . ولكنه محجوج باطلاق صحيحة زرارة المتقدمة(6) الصريحة في التحري ولزوم الأخذ بالظن إذا لم يعلم وجه القبلة .


   وكيف ما كان ، فقد خالف المشهور جماعة من المتأخرين ، منهم المحقق الأردبيلي(7) وبعض القدماء فذهبوا إلى كفاية الصلاة إلى جهة واحدة .


   ويستدل للمشهور : تارة بقاعدة الاشتغال ، نظراً إلى عدم حصول اليقين بالفراغ إلا بالصلاة إلى أربع جهات .


   وفيه : أنّا تارة نبني على لزوم استقبال عين الكعبة مطلقاً ، واُخرى نختار 


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) والأظهر كفاية العمل بالبيّنة.


(2) على الأحوط ، ولا تبعد كفاية الصلاة إلى جهة واحدة .


(3) المعتبر 2 : 70 .


(4) الغنية : 69 .


(5) المفيد في المقنعة : 96 ، الطوسي في النهاية : 63 .


(6) في ص 434 .


(7) مجمع الفائدة والبرهان 2 : 67 .


ــ[437]ــ


كفاية الصلاة إلى ما بين المشرق والمغرب لدى الجهل بها استناداً إلى ما دل على أن ما بينهما قبلة للجاهل .


   أما على الأول :فلا مناص من الصلاة إلى جهات سبع ، لما تقدم(1) من أن نسبة الجبهة إلى دائرة الرأس نسبة السبع تقريباً ، فكل سبع من هذه الدائرة الصغيرة مواجهة لسبع الدائرة الكبيرة المفروضة حول الاُفق ، وبذلك تتحقق المواجهة لعين الكعبة إذا كانت واقعة في أي جزء من أجزاء السبع . إذن فلا بدّ من تقسيم الاُفق سبعة أقسام وإيقاع الصلاة في كل سبع منها ، وبذلك يحصل اليقين باتجاه عين الكعبة حقيقة ببيان مشبع مقنع حققه شيخنا الاُستاذ (قدس سره) وقد تقدم(2) .


   وأما على الثاني :فتكفي الصلاة إلى ثلاث جهات بتقسيم قوس الاُفق إلى ثلاثة أقسام متساوية وإيقاع الصلاة في وسط كل قوس ، فانه بذلك تتحقق الصلاة إلى ما بين المشرق والمغرب جزماً كما هو ظاهر .


   واُخرى :بجملة من الأخبار :


   منها : مرسلة الصدوق في الفقيه قال : «روي في من لا يهتدي إلى القبلة في مفازة أنه يصلي إلى أربعة جوانب»(3) .


   ومنها : مرسلة الكليني قال : «وروي أيضاً أنه يصلي إلى أربع جوانب»(4) .


   ومنها : مرسلة خراش (أو خداش) عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال «قلت : جعلت فداك إن هؤلاء المخالفين علينا يقولون : إذا أطبقت علينا أو أظلمت فلم نعرف السماء كنا وأنتم سواء في الاجتهاد ، فقال : ليس كما يقولون ، إذا كان ذلك فليصل لأربع وجوه»(5) .


 ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) في ص 431 .


(2) في ص 431 .


(3) الوسائل 4 : 310 / أبواب القبلة ب 8 ح 1 ، الفقيه 1 : 180 / 854 .


(4) الوسائل 4 : 311 / أبواب القبلة ب 8 ح 4 ، الكافي 3 : 286 / 10 .


(5) الوسائل 4 : 311 / أبواب القبلة ب 8 ح 5 .


ــ[438]ــ


   ولكنها بأجمعها مراسيل لا يعوّل عليها ، مع احتمال كون الاُوليين رواية واحدة . على أن الأخيرة ضعيفة السند بخراش أيضاً ، فانه لم يوثق ، بل وقاصرة الدلالة ، إذ مفادها وجوب الصلاة إلى الجوانب الأربعة حتى مع التمكن من الاجتهاد وتحصيل الظن ، وهو خلاف المذهب المشهور ، بل الظاهر أنّه لا قائل به .


   وبكلمة واضحة : مفاد الرواية عدم جواز العمل بالظن ، ووجوب الصلاة إلى الجهات الأربع ، وهو خلاف ما يراه المشهور من اختصاص ذلك بمورد العجز عن تحصيل الظن ، بل وخلاف صريح صحيح زرارة الدال على جواز العمل به لدى حصوله .


   ودعوى انجبار ضعف هذه الأخبار بعمل الأصحاب ، مدفوعة بمنع الكبرى بل وكذلك الصغرى ، لعدم ثبوت استنادهم إليها ، ولعلهم اعتمدوا على ما عرفت من قاعدة الاشتغال .


   والمتحصل : أنّ ما عليه المشهور عار عن دليل يصح التعويل عليه .


   فالأقوى إذن الاكتفاء بصلاة واحدة كما دلت عليه صريحاً صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) «أنه قال : يجزئ المتحير أبداً أينما توجه إذا لم يعلم أين وجه القبلة»(1) .


   ولا مجال للنقاش فيها تارة سنداً بجهالة طريق الصدوق إلى زرارة ومحمد ابن مسلم مجتمعين . واُخرى متناً نظراً إلى أن الوارد في بعض نسخ الفقيه «التحري» بدل «المتحير» فتكون الرواية حينئذ من أدلة حجية الظن بالقبلة لدى العجز عن تحصيل العلم ، ولا دلالة لها على اكتفاء المتحيّر بالصلاة إلى إحدى الجهات .


   لاندفاع الأول بأن الاقتصار على صورة الانفراد يكشف عن الاتحاد وأن طريقه إليهما مجتمعين هو بنفسه الطريق إليهما منفردين كما لا يخفى . وحيث 


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) الوسائل 4 : 311 / أبواب القبلة ب 8 ح 2 .


ــ[439]ــ


إن طريقه إلى زرارة صحيح(1) ـ وإن كان إلى ابن مسلم ضعيفاً ـ فلا جرم تصبح الرواية معتبرة .


   واندفاع الثاني بأن الشائع من نسخ الفقيه هو الأول بحيث يطمأن بالتصحيف في تلك النسخة ، على أنّها لا تنسجم مع قوله : «أينما توجه» وإنّما يتناسب ذلك مع النسخة المشهورة كما لعله ظاهر .


   وتدل عليه أيضاً صحيحة معاوية بن عمار : «أنه سأل الصادق (عليه السلام) عن الرجل يقوم في الصلاة ثم ينظر بعدما فرغ فيرى أنه قد انحرف عن القبلة يميناً أو شمالاً ، فقال له : قد مضت صلاته ، وما بين المشرق والمغرب قبلة ، ونزلت هذه الآية في قبلة المتحير : (وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَـمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ)»(2) وهي بمعونة الذيل صريحة في المطلوب .


   بيد أن جملة من المحققين طعنوا على الاستدلال بها باحتمال كون الذيل من كلام الصدوق نفسه ، ولكنه كما ترى في غاية البعد(3) فان ادراج الاجتهاد وإلحاقه بالحديث من غير نصب قرينة أو ذكر فاصل بمثل انتهى أو أقول نوع خيانة في النقل ، تجلّ ساحة الصدوق المقدسة عما دونها بكثير ، فلا ينبغي الإشكال في صحة الاستدلال بها كالاُولى .


   وتؤيدهما مرسلة ابن أبي عمير عن زرارة قال : «سألت أباجعفر (عليه السلام) عن قبلة المتحير ، فقال : يصلّي حيث يشاء»(4) .


 ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) الفقيه 4 (المشيخة) : 9 .


(2) الوسائل 4 : 314 / أبواب القبلة ب 10 ح 1 ، الفقيه 1 : 179 / 846 .


(3) بل هو قريب كما يكشف عنه ـ مضافاً إلى خلوّ التهذيبين [التهذيب 2 : 48 / 157 ،  الاستبصار 1 : 297 / 1095] عن هذا الذيل ـ عدم انسجامه مع الصدر كما لا يخفى .    والتصدي له بما ذكره في المستمسك [5 : 186] غير واضح ، ولعل المتتبع يرى نظائر ذلك    في الفقيه بكثير ، فكأن عادته جرت على الإلحاق المزبور ، فلا تعدّ من الخيانة في شيء    فلاحظ .


(4) الوسائل 4 : 311 / أبواب القبلة ب 8 ح 3 .


ــ[440]ــ


   [1229] مسألة 1  : الأمارات المحصّلة للظن التي يجب الرجوع إليها عند عدم امكان العلم ـ كما هو الغالب بالنسبة الى البعيد ـ كثيرة منها الجدي (1) الذي هو المنصوص في الجملة (2) بجعله في أواسط العراق ـ كالكوفة والنجف وبغداد ونحوها ـ خلف المنكب الأيمن ، والأحوط أن يكون ذلك في غاية ارتفاعه أو انخفاضه . والمنكب ما بين الكتف والعنق ، والأولى وضعه خلف الاُذن((1)) وفي البصرة وغيرها من البلاد الشرقية في الاُذن اليمنى ، وفي موصل ونحوها من البلاد الغربية بين الكتفين وفي الشام خلف الكتف الأيسر ، وفي عدن بين العينين ، وفي صنعاء على الاُذن اليمنى ، وفي الحبشة والنوبة صفحة الخد الأيسر .


   ومنها : سهيل ، وهو عكس الجدي .


   ومنها : الشمس لأهل العراق إذا زالت عن الأنف إلى الحاجب الأيمن عند مواجهتهم نقطة الجنوب .


 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


   (1) وهو كوكب معروف ، وقد ذكروا في ضبط الكلمة وجهين :


   أحدهما : مكبّراً بفتح الجيم وسكون الدال المهملة .


   ثانيهما : مصغّراً بضم الجيم وفتح الدال ، للتفرقة بينه وبين البرج المسمّى بهذا الاسم .


   (2) فقد ورد ذلك في جملة من الروايات :


   منها : مرسلة الصدوق قال «قال رجل للصادق (عليه السلام) : إني أكون في السفر ولا أهتدي إلى القبلة بالليل ، فقال : أتعرف الكوكب الذي يقال له جدي ؟ قلت : نعم ، قال : اجعله على يمينك ، وإذا كنت في طريق الحج فاجعله بين كتفيك»(2) .


 ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) في أولويته إشكال بل منع .


(2) الوسائل 4 : 306 / أبواب القبلة ب 5 ح 2 ، الفقيه 1 : 181 / 860 .


ــ[441]ــ


   ومنها : ما رواه العياشي في تفسيره عن جعفر بن محمد عن آبائه (عليهم السلام) «قال قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : (وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ)قال : الجدي ، لأنه نجم لا يزول ، وعليه بناء القبلة ، وبه يهتدي أهل البر والبحر»(1) .


   ومنها : ما رواه أيضاً عن أبي عبدالله (عليه السلام) «في قوله : (وَعَلَـمَـت وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ) قال : ظاهر وباطن ، الجدي عليه تبنى القبلة ، وبه يهتدي أهل البر والبحر ، لأنه نجم لا يزول»(2) .


   وهذه الروايات الثلاث كلها ضعيفة السند بالإرسال ، ولا تصلح للاستدلال . أما الاُولى فواضح ، وكذا الأخيرتان ، لجهالة طريق العياشي بعد أن حذف المستنسخ ـ سامحه الله ـ أسناد الأخبار روماً للاختصار ، زعماً منه أنه خدمة للعلم وأهله ، فأخرجها عن المسانيد إلى المراسيل ، وليته لم يفعل .


   والعمدة هي الرواية الرابعة ، وهي ما رواه الشيخ باسناده عن الطاطري عن جعفر بن سماعة عن العلاء بن رزين عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) قال : «سألته عن القبلة ، فقال : ضع الجدي في قفاك وصلّ»(3) .


   والكلام فيها يقع تارة من حيث الدلالة ، واُخرى من ناحية السند فهنا جهتان : 


   أما الجهة الاُولى : فقد نوقش في دلالتها من وجوه :


   أحدها : أنها مجملة ، للقطع بعدم إرادة الإطلاق لجميع الأصقاع ، فان هذه الأمارة تختص بالبلاد الواقعة شمالي مكة بحيث تكون قبلتها نقطة الجنوب كبعض مناطق العراق ، وأما في غيرها فربما تستوجب استدبار القبلة تماماً كالبلاد الواقعة جنوبها مثل عدن ، وربما تستوجب الانحراف الشاسع كالواقعة 


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) الوسائل 4 : 307 / أبواب القبلة ب 5 ح 3 ، تفسير العياشي 2 : 256 / 12 .


(2) الوسائل 4 : 307 / أبواب القبلة ب 5 ح 4 ، تفسير العياشي 2 : 256 / 13 .


(3) الوسائل 4 : 306 / أبواب القبلة ب 5 ح 1 ، التهذيب 2 : 45 / 143 .


ــ[442]ــ


شرقيها أو غربيها كما يتضح ذلك جلياً لمن يصلي في المسجد الحرام ، فانه لو اتجه عند استقبال الكعبة نحو الجنوب فالجدي على قفاه ، أو الشمال فقبال وجهه ، أو المشرق فعلى يساره ، أو المغرب فعلى يمينه ، وهكذا الحال بالإضافة إلى جميع البلدان الواقعة خلفه المنتشرة في أصقاع العالم في تمام الجوانب الأربعة .


   وبالجملة : فارادة الإطلاق ممتنعة ، ولا قرينة على الاختصاص بصقع معيّن ، ومجرد كون السائل كوفياً لا يستوجبه . ونتيجة ذلك ما عرفت من إجمال الرواية .


   ويندفع : بأن كون السائل ـ وهو محمد بن مسلم ـ كوفياً وإن لم يستوجبه كما ذكر إلا أنّه لا مناص من أن يكون بلده هو القدر المتيقن من مورد العلامة ، لعدم احتمال اختصاصها بغيره لاستلزامه تخصيص المورد المستهجن كما لا يخفى . واحتمال إرادة بلد السؤال وإن كان مخالفاً لبلد السائل كما ترى ، وإذا كانت الرواية مشتملة على القدر المتيقن فقد خرجت بذلك عن الإجمال .


   ثانيها : أن هذه العلامة لا تنطبق حتى على الكوفة نفسها ، لما ذكره المحققون من مهرة الفن من انحراف قبلتها عن نقطة الجنوب إلى المغرب على اختلاف الأقوال أقلها اثنتا عشرة درجة وأكثرها إحدى وعشرون درجة ، فهي إذن باقية على إجمالها .


   ويندفع بما تقدم(1) من تحقق الاتجاه الحقيقي نحو الكعبة فيما إذا كانت واقعة خلال سبع الدائرة ، نظراً إلى أن عرض الجبهة التي هي المناط في المواجهة تعادل أربع أصابع تقريباً التي نسبتها إلى مجموع دائرة الرأس وهي ثمان وعشرون إصبعاً تقريباً هي السبع ، وبما أن تمام الدائرة ثلاثمائة وستون درجة فسبعها يكون اثنتين وخمسين درجة . وعليه فعند الاتجاه إن كانت 


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) في ص 431 .


ــ[443]ــ


الكعبة موازية لوسط الجبهة فهو ، وكذا لو كانت منحرفة إلى أحد الجانبين ، أي بمقدار ست وعشرين درجة من كل جانب ، فان الانحراف بهذا المقدار غير قادح في صدق الاستقبال الحقيقي كما تقدم ، وإنما القادح هو الأكثر من ذلك ، والمفروض أنّ انحراف الكوفة لا يبلغ هذا الحد فلا يقدح .


   ثالثها : أن قبلة الكوفة ـ وهي من أعظم الأمصار الإسلامية الحاوية على مساجد عديدة ، ومنها المسجد الأعظم الذي صلى فيه جملة من الأنبياء والمعصومين (عليهم السلام) ـ معروفة مشهورة ومعلومة لدى العوام فضلاً عن الخواص فكيف يمكن افتراض الجهل بها ولاسيما من مثل محمد بن مسلم على ما هو عليه من جلالة القدر ، فلا يحتمل اختصاص العلامة بها ، وقد عرفت امتناع الأخذ بالإطلاق ، فلا محالة تصبح الرواية مجملة .


   ويندفع : بأنّ ذلك لا يمنع عن تعلق السؤال بالكوفة بلحاظ خارج البلدة وضواحيها ، حيث لا مسجد ولا محراب ولا علامة يهتدى بها من شمس أو قمر ونحوهما لوجود الظلام وحلول الليل كما قد يرشد إليه الجواب من الإحالة إلى الجدي .


   وعلى الجملة : فالظاهر أنّ دلالة الرواية تامة ولا مجال للخدش فيها بشيء مما ذكر . 


   وأما الجهة الثانية : فالظاهر أنّ السند ضعيف بالرغم من التعبير عنها بالموثقة في كثير من الكلمات وكون رجال السند بأجمعهم ثقات ، وذلك لضعف طريق الشيخ إلى علي بن الحسن الطاطري بعلي بن محمد بن الزبير القرشي(1) فانه لم يوثق ، وكأن التعبير المزبور مبني على الغفلة عن إمعان النظر في الطريق . وكيف ما كان فينبغي النقاش في الرواية من حيث السند لا الدلالة .


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) التهذيب 10 (المشيخة) : 76 .


ــ[444]ــ


   فتحصل : أنه لم ينهض أي دليل شرعي على أمارية الجدي ولو في الجملة ، لضعف اسناد الروايات بأجمعها ، ولكنه مع ذلك لا ينبغي التأمل في أماريتها إجمالاً كما أسلفناك من ملاحظة الواقف في المسجد الحرام متجهاً نحو الكعبة من الجوانب الأربعة ، حيث يكون الجدي بالنسبة إليه وإلى البلدان الواقعة خلفه على قفاه تارة وقبال وجهه اُخرى ، وعن يمينه أو شماله حسبما تقدم(1) ، كما أن البلدان الواقعة فيما بين هذه الجهات تنحرف قبلتها نحو الجهة الاُخرى بدرجات حسب اختلاف طول البلد وعرضه . فلا بد إذن من الرجوع إلى القواعد المقررة لمعرفة ذلك .


   ولا بأس بالإشارة إليه إجمالاً ، وقبل التعرض لها ينبغي التعرّف على بعض المصطلحات مما ذكره أهل الفن .


   فمنها : خطّ الاستواء ، وهو الخط الموهوم المرسوم بين نقطتي المشرق والمغرب الاعتداليين ، والموجب لتقسيم الكرة الأرضية إلى نصف شمالي ونصف جنوبي .


   ومنها : خط نصف النهار ، وهو المرسوم بين نقطتي الشمال والجنوب القاسم للاُفق إلى نصف شرقي ونصف غربي والقاطع لخط الاستواء المزبور ويسمى بخط الطول أيضاً .


   ومنها : عرض البلد ، ويعنون به مقدار بعده عن خط الاستواء الذي هو أكبر دائرة وهمية حول الأرض قاسمة لها إلى ما عرفت من نصفي الشمال والجنوب على بعدين متساويين من القطبين ، لا يزيد أحدهما على الآخر ، فالدوائر الوهمية المنتشرة على سطح الأرض الموازية لهذه الدائرة التي عددها تسعون درجة شمالاً وتسعون درجة جنوباً ولا تزال تصغر إلى أن تتلاشى عند القطبين هي المسماة بخطوط العرض .


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) في ص 441 .


ــ[445]ــ


   وبالجملة : فاختلاف البلدان في العرض ينشأ من اختلاف مقدار بعدها عن الخط المزبور ، كما أن اتحادها فيه عبارة عن عدم تفاوتها في كمية البعد عنه وكونها في مقدار الابتعاد على حد سواء بحيث كان خط المشرق والمغرب المار بأحدهما ماراً بالآخر .


   ومنها : طول البلد ويراد به مقدار بعده عن جزيرة (فرّو) ويقال لها (هرّو) أيضاً ، التي هي من الجزائر الخالدات الواقعة في جانب المغرب على ساحل البحر ، التي كانت تعتبر عند القدماء آخر الربع المسكون من الأرض ، فالمقياس في الاختلاف في الطول هو مقدار القرب والبعد من الجزائر المزبورة . أما في زماننا فيعتبر مبدأ الطول من قرية يقال لها (گرينويچ) واقعة في الجنوب الشرقي من لندن عاصمة بريطانيا ، هذا .


   وقد صرح أرباب هذا الفن ـ كما في الحدائق(1) ـ بأن الأقاليم السبعة المسكونة وما فيها من البلدان كلها في النصف الشمالي من الأرض ، أما النصف الجنوبي فغير مسكون ، لاستيلاء الحرارة والماء عليه ، كما أن المعمور من النصف الشمالي إنما هو نصفه المتصل بخط الاستواء ، وهو الذي فيه الأقاليم السبعة ، والنصف الآخر خراب لشدة البرد ، ومن ثم كان المسكون من الكرة الأرضية هو ربعها لا غير .


   هذا ولكن العلوم الحديثة والاكتشافات الأخيرة لا تساعد على هذه الدعوى كما لا يخفى .


   إذا عرفت هذا فنقول : تنحرف مكة المكرمة عن خط الاستواء إلى طرف الشمال بمقدار إحدى وعشرين درجة وبضع دقائق فهذا هو عرضها ، كما أن طولها ـ أي بعدها عن نقطة گرينويچ ـ 39 درجة وخمسون دقيقة ، وعليه : 


   فان كانت البلدة متحدة مع مكة طولاً ـ فكان خط نصف النهار المار على 


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) الحدائق 6 : 390 .


ــ[446]ــ


إحداهما ماراً على الاُخرى ـ مختلفة معها عرضا ، فان كان بعدها من خط الاستواء أكثر من بعد مكة أي زادت عليها عرضاً فكانت ـ طبعاً ـ شماليها فقبلتها نقطة الجنوب ، وإن كان أقل فنقصت عرضا أو كانت البلدة واقعة في طرف الجنوب من خط الاستواء فكانت ـ طبعاً ـ بالإضافة إلى مكة جنوبية فقبلتها نقطة الشمال ، هذا فيما إذا اتفقت البلدة مع مكة طولاً واختلفتا عرضاً .


   وأما لو انعكس الأمر فاتفقتا عرضاً ، أي في مقدار البعد عن الاستواء فكان خط المشرق والمغرب المار باحداهما ماراً بالاُخرى ولكن اختلفتا طولاً ، فان كانت شرقي مكة فقبلتها نقطة المغرب ، وإن كانت غربيها فنقطة المشرق . وإن شئت فقل : إن زادت طولا فكانت أبعد من مكة إلى الجزائر الخالدات فقبلتها نقطة المغرب ، وإن نقصت فنقطة المشرق .


   وأما إذا اختلفتا في الطول والعرض معاً فان كانت البلدة واقعة ما بين المغرب والجنوب فنقصت عن مكة طولاً وعرضاً فقبلتها ما بين المشرق والشمال ، وإن كانت واقعة ما بين الشمال والمشرق فزادت عليها طولا وعرضاً فقبلتها ما بين الجنوب والمغرب فكان انحراف البلدة عن نقطة الشمال إلى المشرق موجباً لانحراف القبلة عن الجنوب إلى المغرب ، وإن زاد طول مكة ونقص عرضها فالقبلة ما بين الجنوب والمشرق ، وإن انعكس فما بين المغرب والشمال .


   والحاصل : أن قبلة البلاد تعيّن على هذا الأساس . ويتضح ذلك برسم دائرة بعد تسوية الأرض وتقسيمها أقواساً أربعة متساوية ذات أربع زوايا حادة كل زاوية تسعون درجة ليكون مجموع الدائرة ثلاثمائة وستين درجة ، ثم وضع البلدة في موضعها من الدائرة بنسبة الطول والعرض ، ثم رسم خط منها إلى مكة ـ بعد افتراضها في مركز الدائرة ـ ومنها إلى المحيط ، ثم ملاحظة مقدار التفاوت بين موضع التقاطع وبين أحد الجوانب الأربعة فذلك المقدار هو مقدار الانحراف ، وبذلك تعرف قبلة البلدة على سبيل التحقيق .


ــ[447]ــ


   والمتحصل مما تقدم : أن للقبلة ثمان جهات :


   1 ـ نقطة الشمال إن كان طول البلد متحداً مع مكة وعرضه أقل .


   2 ـ نقطة الجنوب إن اتحدا طولاً وعرض البلد أكثر .


   3 ـ نقطة المشرق إن اتحدا عرضاً وطول البلد أقل كجدة .


   4 ـ نقطة المغرب إن اتحدا عرضاً وطول البلد أكثر .


   5 ـ بين الجنوب والمغرب إذا زاد البلد طولاً وعرضاً .


   6 ـ بين الشمال والمشرق إذا نقص البلد طولاً وعرضاً .


   7 ـ بين الشمال والمغرب إذا كان طول البلد أكثر وعرضه أقل .


   8 ـ بين الجنوب والمشرق إذا كان طوله أقل وعرضه أكثر .


   ثم إنه يمكن استعلام القبلة من النيرين الأعظمين الشمس والقمر .


   أما الشمس فباستقبال قرصها عند زوالها في مكة في اليوم الذي ينعدم ظلها لأجل إشراقها على رؤوس أهلها عمودياً ، وهو يومان في مجموع السنة .


   وتوضيحه : أنك قد عرفت أن مكة المشرفة تقع في عرض إحدى وعشرين درجة من خط الاستواء ، وقد ذكروا أن غاية ميل الشمس عن هذا الخط إنما هو ثلاث وعشرون درجة تقريباً ، ويسمى ذلك عندهم بالميل الأعظم ، مبدؤه أول يوم من برج الحمل حيث تكون الشمس
شمالية فانها تدور خلال سنة واحدة في فلك يسمى عند أهل الهيئة بمنطقة البروج ، وهي دائرة محيطة بالأرض كالمنطقة مشتملة على اثني عشر برجاً تحدث من هذا الدوران الفصول الأربعة وهي في مدارها في ستة من هذه البروج ، وهي برج الحمل والثور والجوزاء ـ وهي أشهر الربيع
ـ والسرطان والأسد والسنبلة ـ وهي أشهر الصيف ـ شمالية ، وفي الستة الاُخرى وهي الميزان والعقرب والقوس ـ وهي أشهر الخريف ـ والجدي 


ــ[448]ــ


والدلو والحوت ـ وهي أشهر الشتاء ـ جنوبية ، فهي تسير من خط الاستواء إلى الميل الأعظم في تسعين يوماً ، وترجع في تسعين شمالاً ، وهكذا من ناحية الجنوب .


   إذن فكل بلدة واقعة بين الخط والميل المزبورين ـ ومنها مكة المكرمة ، لأنها دون ثلاث وعشرين درجة كما عرفت ـ تسامت الشمس على رؤوس أهلها وينعدم ظلها مرتين في طول السنة ، مرة صاعدة وهي في الثامن من الجوزاء المطابق للسابع من خرداد من أشهر الفرس ، ومرة اُخرى هابطة وهي في الثالث والعشرين من السرطان الموافق للثالث والعشرين من (تير ماه) . وأما البلاد الواقعة على نفس الميل الأعظم فلا ينعدم الظل فيها في السنة إلاّ مرة واحدة ، كما أن الواقعة في الخارج عن هذا الحد لا ينعدم الظل فيها أصلاً .


   وعليه فاذا استقبلنا قرص الشمس في أحد هذين اليومين ساعة زوالها في مكة المتيسر ضبطها جداً في هذه الأعصار من طريق الإذاعة فقد استقبلنا مكة واستكشفنا القبلة على سبيل الدقة .


   وأما القمر فهو يسير في الفلك المزبور ويقطعه في شهر واحد ـ في كل برج يومين وثلث اليوم ـ بخلاف الشمس التي كانت تقطعه في سنة كاملة حسبما عرفت . وعليه فهو يكون مسامتاً لمكة في منتصف الليل في الشهر مرتين ، كما كانت الشمس مسامتة لها في السنة كذلك ، فاذا شخّص زمان المسامتة بالدقة وشخص منتصف الليل لمكة كان استقبال القمر في بلادنا ونحوها في الوقت المذكور استقبالاً لمكة ولخط القبلة تحقيقاً .


   ثم إن السيد الاُستاذ (دام ظله) طوى البحث عن جملة مما ذكر في المتن ولم يتعرض إليها إيكالاً إلى وضوحها مما سبق أو قلة الجدوى فلاحظ .


ــ[449]ــ


   ومنها : جعل المشرق على اليمين((1)) والمغرب على الشمال(1) لأهل العراق أيضاً في مواضع يوضع الجدي بين الكتفين كالموصل (2) .


   ومنها : الثريا والعيوق لأهل المغرب يضعون الأول عند طلوعه على الأيمن والثاني على الأيسر .


   ومنها : محراب صلى فيه معصوم فان علم أنه صلى فيه من غير تيامن ولا تياسر كان مفيداً للعلم (3) ، وإلاّ فيفيد الظن . 


   ومنها : قبر المعصوم ، فاذا علم عدم تغيره وأن ظاهره مطابق لوضع الجسد أفاد العلم ، وإلاّ فيفيد الظن .


   ومنها : قبلة المسلمين في صلاتهم وقبورهم ومحاريبهم إذا لم يعلم بناؤها على الغلط إلى غير ذلك كقواعد الهيئة وقول أهل خبرتها .


 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


   (1) من الواضح جداً أن هذا سهو(2) إما من قلمه الشريف أو من النساخ ، وأن الصحيح عكسه .


   (2) وكذا سنجار ونحوه من البلاد التي قبلتها نقطة الجنوب ، بل هي علامة لأوساط العراق أيضاً كالكوفة وبغداد وحلة وما والاها بناء على ما هو الصواب من اغتفار الانحراف بمقدار ست وعشرين درجة حتى عامداً كما سبق ، ووضوح عدم بلوغ درجات الانحراف في هذه البلاد إلى هذا الحد .


   (3) لا يخفى أن حصول العلم من هذا ونحوه كقبر المعصوم (عليه السلام) المعلوم مطابقة ظاهره مع موضع الجسد ، بل حتى الصلاة خلفه (عليه السلام) مباشرة مشكل .


   أما أوّلاً : فلاحتمال الانحراف اليسير منا ولو بمقدار غير محسوس فلا يتلاقى الخط الخارج من وسط جبهتنا مع الخط الخارج من وسط جبهة 


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) هذا من سهو القلم ، والصحيح عكسه .


(2) هذا السهو موجود في بعض النسخ ولا يطّرد في جميعها فلاحظ .


ــ[450]ــ


   [1230] مسألة 2  : عند عدم امكان تحصيل العلم بالقبلة يجب الاجتهاد في تحصيل الظن((1)) (1)


 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


المعصوم المفروض تلاقيه مع عين الكعبة ، ضرورة أن الانحراف في مبدأ الخطوط المتوازية وإن كان يسيراً جداً وقد بلغ من القلة ما بلغ إلا أنه يزداد شيئاً فشيئاً ، ويبدو كثيراً في المنتهى سيما مع بعد المسافة ، فلا يكون خطنا ملاصقاً للكعبة بل ينحرف ـ طبعاً ـ يمنة أو يسرة بعد وضوح اختلاف الجبهات في مقدار السعة ، فانه كلما بعد يتسع الانحراف بطبيعة الحال .


   وثانياً : لم يتضح إعمال المعصوم (عليه السلام) علمه الخاص في أمثال هذه الموارد ، ومن الجائز أن يواسي غيره من سائر المكلفين في الأخذ بظواهر الشرع والعمل بالظنون والأمارات في تشخيص الموضوعات ، فلا يختلف عنا في عدم التجاوز عن حدود الظن في تشخيص القبلة والاستناد إلى الأمارات المعتبرة كما أشار إليه المحقق الهمداني (قدس سره)(2) .


   نعم ، بناءً على المختار من كفاية الاستقبال بمقدار سبع الدائرة يحصل العلم لا محالة في غالب الأمارات المتقدمة ، لعدم خروج الكعبة عن هذا الحد غالباً ، إذن فيفصّل بين القول المشهور من اعتبار خروج الخط من وسط جبهة المصلي وإصابته للكعبة وبين القول بالاتساع والاكتفاء بسبع الدائرة ، فيتعذر العلم على الأول ، ويتيسر غالباً على الثاني فلاحظ .


   (1) لما تقدم(3) من النصوص الدالة على التحري لدى الجهل بالقبلة التي منها صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) : «يجزئ التحري أبداً 


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) أو الاحتياط بتكرار الصلاة إلى الأطراف المحتملة ، بل يجوز التكرار مع إمكان تحصيل    العلم أيضاً .


(2) مصباح الفقيه (الصلاة) : 94 السطر 27 .


(3) في ص 434 .


ــ[451]ــ


ولا يجوز الاكتفاء بالظن الضعيف مع إمكان القوي(1) كما لا يجوز الاكتفاء به مع إمكان الأقوى ، ولا فرق بين أسباب حصول الظن (2) فالمدار على الأقوى فالأقوى ، سواء حصل من الأمارات المذكورة أو من غيرها ولو من قول فاسق بل ولو كافر .


   فلو أخبر عدل ولم يحصل الظن بقوله وأخبر فاسق أو كافر بخلافه وحصل منه الظن من جهة كونه من أهل الخبرة يعمل به((1)) (3) .


 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


إذا لم يعلم أين وجه القبلة»(2) ، هذا .


   وظاهر كلامه (قدس سره) تعين ذلك ، وليس كذلك ، بل هو مخير بينه وبين الاحتياط بالصلاة إلى سبع جهات أو ثلاث كما تقدم بيانه(3) ، وقد ذكرنا في الاُصول في مباحث الاجتهاد والتقليد(4) أن الامتثال الإجمالي في عرض التفصيلي فيمكنه العمل بالاحتياط حتى مع التمكن من إحراز الامتثال التفصيلي بالعلم الوجداني ، فاذا ساغ ذلك ساغ مع العجز عنه بطريق أولى .


   (1) لكونه على خلاف التحري المأمور به في النص ، ومنه يظهر الحال فيما بعده .


   (2) لإطلاق النص المتقدم الشامل للحاصل حتى من قول الكافر .


   (3) هذا على إطلاقه ممنوع ، وإنما يتجه فيما إذا كان إخبار العادل مستنداً إلى الحدس بحيث يكون ساقطاً عن الاعتبار في حد نفسه ، وأما إذا استند إلى الحس وبنينا على حجيته في الموضوعات من غير إناطة بافادة الظن ـ كما هو الأصح على ما سبق ـ فاللازم تقديمه ، لأنه حجة شرعية وعلم تعبدي ، ومعه لا تصل النوبة إلى التحري والتعويل على الظن الحاصل من قول 


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) إذا كان خبر العدل حسيّاً فلا يبعد تقدّمه على الظن ، والاحتياط لا ينبغي تركه .


(2) الوسائل 4 : 307 / أبواب القبلة ب 6 ح 1 .


(3) في ص 436 .


(4) شرح العروة 1 : 51 ، مصباح الاصول 2 : 77 .


ــ[452]ــ


   [1231] مسألة 3  : لا فرق في وجوب الاجتهاد بين الأعمى والبصير (1) غاية الأمر أن اجتهاد الأعمى هو الرجوع إلى الغير((1)) في بيان الأمارات أو في تعيين القبلة .


   [1232] مسألة 4  : لا يعتبر إخبار صاحب المنزل إذا لم يفد الظن (2) .


 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


الفاسق أو الكافر كما هو ظاهر .


   (1) لإطلاق دليل التحري الشامل للأعمى كالبصير ، غاية الأمر أنه لما كان فاقداً لحاسة البصر احتاج إلى الاستهداء من الغير في مقدمات الاجتهاد من بيان الأمارات أو تعيين الجهات ، وبعد اطّلاعه عليها يجتهد بنفسه إن لم يحصل له الظن بالقبلة من قوله وإلا كان بنفسه مصداقاً للتحري ، بل ربما يكون أبصر من البصير لتضلعه في علم الهيئة ومعرفته بطول البلاد وعرضها ومقادير انحرافها ومواقع النجوم وحركاتها ، فاذا ساعده البصير في مقدماتها بذل جهده وأعطى الاجتهاد حقه ، بل ربما لا يحتاج إليه بتاتاً كما لو دخل المسجد واستعلم المحراب مباشرة عن طريق المسّ ، وكذا في مقابر المسلمين .


   وبالجملة : لا قصور في إطلاق الدليل للشمول لهما بمناط واحد وإن اختلفا غالباً في سنخ الاجتهاد حسبما عرفت ، وليس ذلك من رجوع الجاهل إلى العالم ليدخل في باب التقليد كي يناقش بعدم مساعدة الدليل عليه في المقام . فما حكي عن بعض من سقوط التحري عنه ولزوم الصلاة إلى أربع جهات في غير محله .


   (2) لعدم الدليل على اعتبار قوله بعد وضوح عدم كونه مصداقاً للتحري ما لم يفد الظن ، نعم قام الدليل على اعتباره من باب إخبار ذي اليد في مواضع خاصة مما يتعلق بأحكام ما في اليد من الطهاة أو النجاسة أو الملكية حسبما 


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) هذا بحسب الغالب وإلا فيمكن اجتهاده بغيره أيضاً .


ــ[453]ــ


   ولا يكتفى بالظن الحاصل من قوله إذا أمكن تحصيل الأقوى (1) .


   [1233] مسألة 5  : إذا كان اجتهاده مخالفاً لقبلة بلد المسلمين في محاريبهم ومذابحهم وقبورهم فالأحوط تكرار الصلاة((1)) (2) إلا إذا علم بكونها مبنية على الغلط .


   [1234] مسألة 6  : إذا حصر القبلة في جهتين بأن علم أنها لا تخرج عن إحداهما وجب عليه تكرار الصلاة (3) إلا إذا كانت إحداهما مظنونة والاُخرى موهومة فكيتفى بالأولى (4) ، وإذا حصر فيهما ظناً فكذلك يكرر فيهما (5) لكن الأحوط إجراء حكم المتحير فيه بتكرارها إلى أربع جهات .


 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


سبق الكلام حولها في كتاب الطهارة(2) ومن البيّن عدم كون المقام منها .


   وعليه فاخبار صاحب الدار وغيره على حد سواء في أنه إن أفاد الظن اُخذ به من باب التحري ما لم يكن ظن أقوى على خلافه ، وإلا فان كان عدلاً بل ثقة واستند إلى الحس كان حجة وإلا فلا .


   (1) لوضوح أن الأقوى هو المصداق للتحري حينئذ لا غير .


   (2) لا حاجة إليه ، لما أسلفناك من أن هذه الاُمور لم تكن من العلامات القطعية ولا الأمارات الشرعية ، إذ لم ينهض عليها دليل ما عدا السيرة ، والمتيقن منها ما إذا لم يكن ظن على خلافها ، أما مع وجوده وكونه أقوى من الظن الحاصل منها ـ كما هو المفروض ـ فهو المتبع ، عملاً باطلاق دليل التحري . إذن فالأقوى جواز الاكتفاء بظنه الاجتهادي ولا حاجة إلى التكرار .


   (3) رعاية لتنجيز العلم الإجمالي الموجب لتحصيل الفراغ اليقيني .


   (4) لكونها حينئذ مصداقاً للتحري المأمور به .


   (5) لحصول التحري بذلك . وقد يقال بتوقفه على حجية الظن في هذا 


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) جواز الاكتفاء بظنّه الاجتهادي لا يخلو من قوّة .


(2) شرح العروة 2 : 266 .


ــ[454]ــ


   [1235] مسألة 7  : إذا اجتهد لصلاة وحصل له الظن لا يجب تجديد الاجتهاد لصلاة اُخرى ما دام الظن باقياً (1) .


   [1236] مسألة 8  : إذا ظن بعد الاجتهاد أنها في جهة فصلى الظهر ـ مثلاً ـ إليها ثم تبدل ظنه إلى جهة اُخرى ، وجب عليه إتيان العصر الى الجهة الثانية (2) . وهل يجب اعادة الظهر أو لا (3) ؟ الاقوى وجوبها إذا كان مقتضى ظنه الثاني وقوع الاولى مستدبراً أو إلى اليمين أو اليسار ، وإذا كان مقتضاه وقوعها ما بين اليمين واليسار لا تجب الاعادة .


 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


الباب مطلقاً ولا دليل عليه ، وإنما الثابت حجية الظن التفصيلي الذي به يحصل التحري ـ دون الإجمالي ـ فبدونه يرجع إلى وظيفة المتحير من الصلاة إلى أربع جهات ، ولأجله احتاط الماتن في ذلك .


   ويندفع بعدم الفرق بين الظن الإجمالي والتفصيلي في كون كل منهما مصداقاً للتحري ، أي الأخذ بالاحتمال الأحرى وهو الأرجح ، غاية الأمر أنه يتحقق تارة بعمل واحد ، واُخرى بعملين ، ولا يستوجب ذلك فرقاً في البين ، إذ لا شبهة أن احتمال القبلة في ذينك الطرفين المظنونين إجمالاً أرجح من سائر الأطراف فيكونان طبعاً مصداقاً للأحرى . إذن فلا ينبغي الشك في شمول دليل التحري لهما معاً بمناط واحد .


   (1) الظاهر أن مراده من العبارة ما إذا لم يتبدل نظره في مقدمات الاجتهاد الأول فلم يحتمل تجدد الاجتهاد المخالف ، فانه لا موقع حينئذ للتجديد ، إذ المقصود من الاجتهاد تحصيل الظن وقد حصل ، وأما إذا تبدل واحتمل التجدد فلا ينبغي التأمل في لزوم الاجتهاد ثانياً ، لعدم صدق التحري حينئذ على الاجتهاد الأول بقاء كما لا يخفى .


   (2) لأنه مقتضى التحري الفعلي بعد زوال ما تحراه سابقاً فلا بد من العمل على طبقه ، وهذا ظاهر .


   (3) يبتني ذلك على كيفية استفادة الحكم واستظهاره من دليل التحري ، 


ــ[455]ــ


أعني صحيح زرارة وموثق سماعة المتقدمين(1) ، فان المحتمل فيه وجوه ثلاثة :


   أحدها : استفادة الموضوعية للتحري ، بأن تكون قبلة المتحير حتى في صقع الواقع هو ما تحراه وتعلق به ظنه سواء أصاب أم أخطأ . وعلى هذا الاحتمال لم يكن أي موجب للإعادة ، لأنه قد أتى بما هي وظيفته الواقعية آنذاك من غير أي خلل فيها .


   ولكنه كما ترى خلاف الظاهر جداً ، بل بمكان من السقوط ، لعدم احتمال تعدد القبلة باختلاف حالات المكلفين ، بل القبلة الواقعية يشترك فيها الكل من غير تغيير ولا تبديل .


   ثانيها : استفادة الطريقية المحضة ، فالعبرة بنفس القبلة لا بمظنونها ، وإنما الظن طريق إليها يترتب عليه جميع آثار الواقع ما دام باقياً من جواز الصلاة ودفن الموتى وتذكية الذبائح وما شاكلها مما يعتبر فيه الاستقبال ، كما هو الحال في سائر الطرق والأمارات كالبينة ونحوها .


   ومن جملة تلك الآثار إعادة ما صلاه بمقتضى الاجتهاد الأوّل ، لانكشاف خطئه بمقتضى الاجتهاد الثاني . وقد استظهر الماتن هذا الاحتمال ، ومن ثم حكم بوجوب الإعادة .


   ثالثها : لا هذا ولا ذاك ، وإنما هو من باب الاكتفاء بالامتثال الظني من غير نظر إلى اللوازم الاُخر ليقتضي فساد ما صدر بموجب الاجتهاد الأول ، فهو طريق في مقام الامتثال وتطبيق العمل عليه فحسب .


   وقد يقال بفساده ولزوم إعادة الاُولى على هذ المبنى أيضاً ، نظراً إلى العلم الإجمالي ببطلان إحدى الصلاتين ، بل التفصيلي ببطلان


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) تقدمت صحيحة زرارة في ص 434 . وأما موثقة سماعة فمروية في الوسائل 4 : 308 /    أبواب القبلة ب 6 ح 2 .


ــ[456]ــ


   واذا كان مقتضاه وقوعها بين اليمين واليسار لا تجب الاعادة (1) .


   [1237] مسألة 9  : إذا انقلب ظنه في أثنا الصلاة إلى جهة اُخرى انقلب إلى ما ظنه إلا إذا كان الأول إلى الاستدبار أو اليمين واليسار بمقتضى ظنه الثاني فيعيد (2) .


 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


الثانية في المترتبتين ، إما لفقد الاستقبال أو لعدم رعاية الترتيب ، فلا مناص من إعادة الاُولى فراراً عن مخالفة العلم المذكور ، فانها مدلول التزامي لما دل على وجوب الاجتهاد وإن لم يكن من لوازم نفس الاجتهاد .


   وفيه : أنه لو صح ذلك كان مقتضاه إعادة الثانية أيضاً إلى الجهة التي اجتهد فيها أوّلاً ، لعين المناط الذي من أجله أعاد الاُولى ، أعني العلم الإجمالي المزبور الذي مرجعه لدى التحليل إلى العلم إجمالاً ببطلان أحد الاجتهادين ، فلابد من إيقاع كل من الصلاتين بكل من الطرفين تحصيلا للفراغ اليقيني ، ولا تكفي إعادة الاُولى بمجردها كما لا يخفى .


   لكن الذي يهوّن الخطب أن الاحتمال الأخير بعيد عن ظاهر الدليل بحسب المتفاهم العرفي جداً ، بل المنسبق منه إنما هو الاحتمال الثاني ، أعني الطريقية المحضة كسائر الطرق المعتبرة المستلزمة لترتيب جميع الآثار التي منها إعادة الاُولى حسبما عرفت .


   (1) لصحتها حينئذ حتى واقعاً ، والاجتزاء بها بمقتضى ما دل على أن ما بين المشرق والمغرب قبلة كما ستعرف .


   (2) لما عرفت في المسألة المتقدمة من بطلان الأجزاء السابقة بمقتضى الاجتهاد الثاني ، فلا مناص من رفع اليد واستئناف الصلاة إلى الجهة التي انقلب ظنه إليها ما لم يكن الانحراف دون اليمين واليسار ، لثبوت الاغتفار وقتئذ كما سبق .


ــ[457]ــ


   [1238] مسألة 10  : يجوز لأحد المجتهدين المختلفين في الاجتهاد الاقتداء بالآخر إذا كان اختلافهما يسيراً (1) بحيث لا يضر بهيئة الجماعة (2) ولا يكون بحد الاستدبار (3) أو اليمين أو اليسار .


   [1239] مسألة 11  : إذا لم يقدر على الاجتهاد أو لم يحصل له الظن بكونها في جهة وكانت الجهات متساوية ، صلى إلى أربع جهات((1)) إن وسع الوقت وإلا فبقدر ما وسع (4)


 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


   (1) لصحة صلاة كل من الإمام والمأموم حتى بنظر الآخر ، ومعه لا مانع من صحة الاقتداء .


   (2) أما إذا أضرّ بالهيئة كما إذا كان الاختلاف بما دون تسعين درجة فصلاة كل منهما وإن كانت صحيحة أيضاً في حد نفسها كما عرفت ، إلا أن الإخلال بالهيئة يمنع عن صدق عنوان الجماعة فتفسد بطبيعة الحال .


   (3) للعلم الإجمالي ببطلان إحدى الصلاتين المانع عن انعقاد الجماعة ، بل لعلم المأموم تفصيلاً ببطلان صلاته ، إما لكونها لغير القبلة أو لبطلان صلاة الإمام ، ومعه لا يصح الائتمام كما هو ظاهر .


   (4) قد عرفت سابقاً(2) أن من لم يتمكن من استعلام القبلة لا بعلم ولا بعلمي ولم يقدر على تحصيل الظن بالاجتهاد والتحري فكان متحيراً بحتاً سقطت عنه شرطية القبلة حينئذ فتجزئة الصلاة إلى جهة واحدة حيث شاء على الأقوى ، لقوله (عليه السلام) في صحيح زرارة ومحمد بن مسلم : «يجزئ المتحير أبداً أينما توجه إذا لم يعلم أين وجه القبلة»(3) خلافاً للمشهور حيث التزموا حينئذ بوجوب الصلاة إلى جهات أربع كما تقدم(4) .


 ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) على الأحوط كما مرّ آنفاً .


(2) في ص 438 .


(3) الوسائل 4 : 311 / أبواب القبلة ب 8 ح 2 .


(4) في ص 436 .


ــ[458]ــ


   فعلى المختار لا إشكال في الاجتزاء بصلاة واحدة لدى العجز عن التكرار إلى الجوانب الأربع إما لضيق الوقت أو لمانع آخر ، فان الاكتفاء بالواحدة مع الاختيار والسعة يستوجب الاكتفاء بها مع الاضطرار والضيق بطريق أولى .


   وأما على المسلك المشهور فهل يجب رعاية بقية المحتملات والإتيان بالمقدار المتمكن من الصلوات عند العجز عن الصلاة إلى تمام الجهات الأربع أم يجزئه حينئذ صلاة واحدة حيثما توجه ؟ المشهور هو الأول ، وذهب بعضهم إلى الثاني .


   وهذه المسألة مبنية على كبرى اُصولية ـ والكبرى منقحة في الاُصول(1) ـ وهي أن الاضطرار إلى ترك بعض أطراف الشبهة المحصورة في الشبهة الوجوبية هل يوجب سقوط العلم الإجمالي عن التنجيز فلا مقتضي لرعاية الاحتياط في بقية الأطراف أم لا ؟ بل هو بعدُ باق على التنجيز بالإضافة إلى غير مورد الاضطرار ؟


   ذهب صاحب الكفاية(2) (قدس سره) إلى السقوط بدعوى أن الشرط في تنجيز العلم الإجمالي أن يكون المعلوم بالإجمال ذا أثر على كل تقدير بحيث يكون متعلق العلم تكليفاً فعلياً على أي حال ، وبما أن الاضطرار رافع للتكليف واقعاً ، ومن الجائز أن يكون المعلوم بالإجمال بنفسه مورداً للاضطرار المستلزم لسقوط التكليف حينئذ فلم يكن العلم الإجمالي متعلقاً بحكم فعلي على كل تقدير ، إذ لا أثر له على هذا التقدير وإن كان له الأثر على التقدير الآخر . ففي المقام الصلاة إلى الجوانب الأربعة إنما تجب للعلم الإجمالي بوقوع القبلة في أحدها أو بعد فرض الاضطرار إلى ترك إحدى الجهات أو ثنتين منها لمكان الضيق أو لمانع آخر ، واحتمال أن يكون 


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) مصباح الاُصول 2 : 380 .


(2) كفاية الاُصول : 360 .


ــ[459]ــ


المضطر إلى تركه هي الصلاة إلى القبلة بنفسها فلا علم بالتكليف الفعلي على كل تقدير ، فلا يكون مثل هذا العلم منجزاً ، ونتيجة ذلك سقوط شرطية القبلة حينئذ وجواز الاجتزاء بصلاة واحدة . ولعل هذا هو وجه القول بكفاية صلاة واحدة المخالف للمشهور الذي أشرنا إليه آنفاً ، هذا .


   ولكن الظاهر عدم السقوط وبقاء العلم الإجمالي على صفة التنجيز فتجب رعاية الاحتياط في بقية المحتملات . والوجه في ذلك : أن الاضطرار إنما يوجب ارتفاع الحكم وسقوط التكليف إذا كان الحكم الشرعي بنفسه مورداً للاضطرار لا غيره ، أو الجامع بينه وبين غيره ، فلا بد من اتحاد المتعلقين بحيث يكون الاضطرار متعلقاً بعين ما تعلق به التكليف ، ولا شك أن الصلاة إلى القبلة الواقعية المردّدة بين الجهات الأربع لا اضطرار إلى تركها بخصوصها وفي حدّ ذاتها ، ولذا لو انكشف الحال وارتفع الإجمال وتعينت القبلة في جهة خاصة كان متمكناً من الصلاة إليها على الفرض ، وإنما الاضطرار قائم بالجمع بين المحتملات ، فمتعلقه هو الجامع بين الصلاة إلى القبلة الواقعية وبين غيرها دون الاُولى بخصوصها ، ومن الضروري أن مثل هذا الاضطرار لا يرتفع به التكليف .


   وعليه فوجوب الصلاة إلى القبلة المعلومة بالإجمال باق على حاله ، وحيث إن كلاً من الأطراف يحتمل انطباق المعلوم بالإجمال عليه فلا يسوّغ العقل مخالفته ، لاحتمال أن يكون ذلك مخالفة للتكليف الواصل ، فلا مؤمّن من احتمال العقاب فيجب بحكم العقل رعاية الاحتياط فيه دفعاً للضرر المحتمل ، فيأتي بالممكن من الأطراف ويصلي إلى ما يتيسر من الجهات إلى أن ينتهي إلى الطرف غير الممكن المضطر إلى تركه فيقطع حينئذ بالأمن من العقاب في ترك هذه الجهة ، لأن القبلة إن كانت في غيرها فقد صلى إليها ، وإن كانت فيها فهو مضطر في ترك الصلاة إليها فيسقط لمكان العجز ، فهو عالم بسقوط الأمر إما بالامتثال أو بالعجز .


ــ[460]ــ


   وبالجملة : ما هو المناط في رعاية الاحتياط لدى التمكن من تمام الجهات ـ وهو احتمال أن يكون تركه مخالفة للتكليف الواصل من دون مؤمّن ـ بعينه هو المناط عند العجز عن بعض تلك الجهات ، غايته أن الاحتياط هناك تام وفي المقام ناقص ، وهذا لا يوجب فرقاً بين المقامين كما هو ظاهر .


   ثم إنه لو صلى إلى الجهات الممكنة وترك الجهة الاُخرى المتعذرة فهل يجب قضاء الصلاة إلى الجهة المتروكة ؟


   أما على المختار من عدم وجوب أكثر من صلاة واحدة حتى في سعة الوقت ـ كما مر ـ فلا موضوع لهذا البحث ، إذ لا تجب رعاية الجهات في الوقت فضلاً عن خارجه ، وهذا واضح .


   وأما على المبنى المشهور من وجوب الصلاة إلى الجهات الأربع فالمحتملات في المقام ثلاثة ، ولعلّ لكل منها قائلاً .


   الأول : عدم وجوب القضاء ، لأنه قد أتى بوظيفته المقررة له في الوقت ، وعمل بالواجب حسب قدرته وطاقته فلم يفت عنه شيء كي يقضي .


   الثاني : وجوب القضاء ، للشك في وقوع الصلاة إلى القبلة الواقعية ، والأصل العدم ، فلابد من الإتيان بالجهة الاُخرى المكملة للجهات كي يحرز الامتثال .


   الثالث : التفصيل بين ما لو انكشف الخلاف وتبين أن الجهات المأتي بها كانت إلى غير القبلة فيجب دون ما إذا لم ينكشف ، وهذا هو الصحيح .


   أما الوجوب في فرض الانكشاف فلأن القبلة من الأركان التي تبطل الصلاة بفقدها ، ولأجله كانت أحد المستثنيات في حديث لا تعاد ، وعليه فالصلاة الصحيحة قد فاتته في الوقت فيجب القضاء خارجه .


   وأما عدم الوجوب عند عدم الانكشاف فلأن القضاء بأمر جديد ، وموضوعه الفوت ، وهو غير محرز لا بالوجدان كما هو ظاهر ولا بالأصل ، 


ــ[461]ــ


فانه عنوان وجودي منتزع من عدم الإتيان في مجموع الوقت ، ولا حالة سابقة له كي تستصحب ، نعم يجري الاستصحاب في منشأ الانتزاع ، لأن ذات الصلاة قد أتى بها ، وأما إيقاعها إلى القبلة فمشكوك فيستصحب عدم الإتيان بالصلاة إلى القبلة ، لكن إثبات عنوان الفوت الملازم لذلك الذي هو الموضوع للحكم بمثل هذا الاستصحاب من أظهر أنحاء الأصل المثبت ، فهذا التفصيل هو الوجيه ، ومنه يظهر فساد الاحتمالين الأولين .


   بقي في المقام شيء وهو أنه لا إشكال في أن الانحراف جهلاً إلى اليمين أو الشمال فضلاً عن الاستدبار موجب للاعادة لو كان الانكشاف في الوقت ، كما لا إشكال في أن الاستدبار موجب للقضاء لو كان في خارجه . وهل الانحراف إلى اليمين أو الشمال موجب للقضاء أم لا ؟ فيه خلاف ، والأقوى عدم الوجوب . وسيجيء التعرض لكل ذلك في بحث الخلل إن شاء الله تعالى .


   وعلى المختار ـ من عدم وجوب القضاء لو كان الانحراف إلى اليمين أو الشمال ـ لا يكاد يتصور انكشاف الخلاف في المقام ، أما لو كانت الجهات الممكنة التي صلى إليها ثلاثاً فظاهر ، لأنه لو صلى إلى الشمال والمشرق والمغرب مثلاً فتبين بعد الوقت أن القبلة كانت في نقطة الجنوب فالقبلة واقعة في يمين المصلي أو يساره ، إذ لم يكن البعد بينه وبينها أكثر من تسعين درجة قطعاً ، والمفروض أن الانحراف إليهما لا يوجب القضاء وإنما الموجب الاستدبار وهو غير متحقق كي ينكشف خلافه . وكذا الحال لو كانت الجهات الممكنة ثنتين ، فلنفرض الجهتين المشرق والمغرب ، فان القبلة لو كانت في نقطتي الجنوب أو الشمال كانت في يمين المصلي أو يساره اللذين لا يوجب الانحراف إليهما القضاء على الفرض ، ولو كانت بينهما وبين المشرق أو المغرب فالأمر أوضح ، لوقوعها حينئذ فيما بين المشرق والمغرب .


   وبالجملة : الموجب للقضاء على هذا المبنى إنما هو الاستدبار ، ولا 


ــ[462]ــ


ويشترط أن يكون التكرار على وجه يحصل معه اليقين بالاستقبال (1) في إحداها أو على وجه لا يبلغ الانحراف إلى حد اليمين واليسار ، والأولى أن يكون على خطوط متقابلات (2) .


 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


يتصور في مثله كشف الخلاف إلا إذا كان قد صلى إلى جهة واحدة لعدم سعة الوقت ثم استبان كونها خلف القبلة .


   (1) فان تكرار الصلاة إلى الجوانب الأربعة المذكورة في مرسلة خراش التي هي مستند المشهور كما تقدم(1) لا موضوعية له وإنما هو طريق لإحراز الاستقبال واليقين بوقوع الصلاة إلى القبلة ، فلابد من إيقاعها على وجه يحصل معه اليقين المزبور ، أو تكون على نحو يعلم بعدم بلوغ الانحراف إلى حد اليمين أو اليسار .


   (2) بأن تفرض الجهات في خطين متقاطعين بحيث يتشكّل منهما زوايا قوائم ، يكون البعد بين كل منها تسعين درجة .


   وجه الأولوية : أن غاية الانحراف عن القبلة حينئذ إنما هو خمس وأربعون درجة ولا يحتمل أن يكون أكثر من ذلك ، لأن القبلة إن كانت في نفس إحدى الجهات فهو ، وإن كانت فيما بينها فان كانت أقرب إلى إحدى الجهتين من الجهة الاُخرى فالانحراف عنها بمقدار يسير يقل عن خمس وأربعين درجة قطعاً ، وإن كانت النسبة من كل من الطرفين متساوية بأن وقعت في النصف الحقيقي من ربع الدائرة المتشكل منه زاوية قائمة فبما أن الربع تسعون درجة ونصفه خمس وأربعون فالانحراف لا يزيد على هذا المقدار ، ومن هنا كان اختيار هذا النحو أولى ، لكن الأولوية غير لزومية(2) 


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) في ص 437 .


(2) يمكن أن يقال إنها لزومية، فان ظاهر الأمر بالصلاة إلى أربع جهات هو تساوي بُعدها    وكونها في خطين متقاطعين على نحو الزوايا القائمة كما سيعترف السيد الاستاذ (دام ظله) بهذا الظهور والتبادر في مطاوي المسألة الثالثة عشرة الآتية [في الصفحة 469]، ويكون هذا الظهور تخصيصاً تعبدياً في أدلة «ما بين المشرق والمغرب قبلة» بالنسبة إلى هذا المورد بالخصوص. ويشهد بذلك أنه لولا ذلك للزم الاكتفاء بثلاث صلوات إلى ثلاث جهات في روايات المشهور، فكما أن الالتزام بالأربع تعبد محض كما اعترف به الاُستاذ في المقام فكذلك الالتزام بالتخصيص المزبور.


ــ[463]ــ


   [1240] مسألة 12  : لو كان عليه صلاتان فالأحوط أن تكون الثانية على جهات الاُولى((1)) (1).


 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


فيجوز أن يصلي على خطوط غير متقابلة ، فيأتي بالأربع كيف ما اتفق مع رعاية الشرط المزبور ، أعني عدم بلوغ الانحراف إلى حدّ اليمين واليسار بأن يكون انحرافه عن القبلة أقل من تسعين درجة ، وذلك لأن المستفاد من الأدلة ومنها نفس الدليل الدال على جواز الصلاة إلى الجوانب الأربعة أن ما بين المشرق والمغرب قبلة للمتحير ، ولازمه اغتفار الانحراف بما دون تسعين درجة الذي هو ربع دائرة المحيط ، ومقتضى ذلك وإن كان جواز الاكتفاء بثلاث صلوات إلى زوايا مثلث مفروض في دائرة الاُفق ، إذ البعد بين كل زاويتين منها مائة وعشرون درجة ، فغاية الانحراف حينئذ ستون درجة ، لكن النص قد دل على لزوم الأربع فيؤخذ بهذا العدد تعبداً .


   وبالجملة : فبعد البناء على أن ما بين المشرق والمغرب قبلة فالصلاة إلى الجهات الأربع في خطين متقاطعين وإن تشكل منهما زوايا حادة ومنفرجة يوجب القطع بأن الانحراف عن القبلة دون تسعين درجة ، وقد عرفت اغتفار الانحراف بهذا المقدار لكن اختيار النحو الأول أولى ، لكون انحرافه أقل ، فان غايته خمس وأربعون درجة كما عرفت .


   (1) لأنه لو صلى إلى جهات اُخرى مفروضة في أوساط الجهات الاُولى 


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) لا بأس بتركه .


ــ[464]ــ


يعلم إجمالاً ببطلان إحدى الصلاتين ، لأن القبلة إن كانت في جهات الاُولى فالثانية لم تقع إلى القبلة ، وإن كانت في جهات الثانية فالاُولى فاقدة للاستقبال ، بل لو كانتا مترتبتين ـ كالظهرين والعشاءين ـ يعلم تفصيلاً ببطلان الثانية ، لفقدها إما شرط الترتيب لو كانت القبلة في الثانية أو الاستقبال لو كانت في الاُولى . هكذا ذكروا في وجه الاحتياط .


   ويظهر الخدش فيه مما مرّ آنفاً ، إذ بعد البناء على التوسعة في أمر القبلة بالنسبة إلى المتحير وأن ما بين المشرق والمغرب قبلة في حقه ـ كما يفصح عنه نفس دليل الاجتزاء بالجهات الأربع ضرورة احتمال عدم وقوع شيء من الصلوات إلى جهة القبلة وكونها واقعة فيما بين تلك الجهات ـ فلا علم ببطلان شيء من الصلاتين لا الاُولى ولا الثانية لا إجمالاً ولا تفصيلاً ، بل كلتاهما محكومة بالصحة وأنها واجدة لشرط الاستقبال ، لأن الانحراف في كل منهما إلى ما دون اليمين والشمال ، وعلى كل حال فلا وجه لرعاية الاحتياط المزبور .


   ويؤيد ما ذكرناه : أن الجمع بين المترتبتين ـ كالظهرين والعشاءين ـ وإن كان جائزاً عند الخاصة كما نطقت به الأخبار وعليه عملهم في الأعصار المتأخرة حتى اليوم ، لكنه لم يكن متداولاً في الأزمنة السابقة وفي عصر المعصومين (عليهم السلام) بل كان عملهم على التفريق إما لكونه أفضل أو مماشاةً مع العامة وعدم إظهار المخالفة ، حيث إنهم يرون وجوبه ، وبما أن التحير في أمر القبلة قلّما يتفق في البلدان لوجود الأمارات والعلامات غالباً لا أقل من محاريب المسلمين ، ففرض الاشتباه مع العجز عن التحري والاجتهاد لا يكاد يتحقق إلا في مثل الصحاري والبراري عند الأسفار مع كون السماء مغيمة أو في الليل المظلم ، بحيث لا يتمكن من تشخيص جهات الاُفق ولا يتميز المشرق عن المغرب ولا يرى الشمس والقمر ، وبطبيعة الحال من صلى الظهر مثلاً إلى جهات أربع والحال هذه وهو على جناح 


ــ[465]ــ


   [1241] مسألة 13  : من كانت وظيفته تكرار الصلاة إلى أربع جهات أو أقل وكان عليه صلاتان ، يجوز له أن يتمّم جهات الاُولى ثم يشرع في الثانية ، ويجوز أن يأتي بالثانية في كل جهة صلى إليها الاُولى إلى أن تتم ، والأحوط اختيار الاُولى ، ولا يجوز أن يصلي الثانية إلى غير الجهة التي صلى إليها الاُولى ، نعم ، اذا اختار الوجه الأول لا يجب أن يأتي بالثانية على ترتيب الاُولى(1) .


 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


السفر وبناؤه على التفريق بينه وبين العصر المستلزم لإيقاع صلاة العصر بعد مدّة اُخرى في مكان آخر ، فهو لا يتمكن عادة من تشخيص الجهات التي صلى إليها الاُولى وإحرازها كي يصلي الثانية إلى نفس تلك الجهات ، مع أنه مأمور بإيقاع الصلاة الثانية أيضاً إلى الجهات الأربع ما دامت الحيرة باقية . وهذا أقوى شاهد على عدم لزوم رعاية اتحاد الجهات ، بل إن هذا هو مقتضى إطلاق الأدلة أيضاً ، فلا موجب لرفع اليد عن الإطلاق من دون دليل على التقييد فضلاً عن قيام الدليل على العدم كما عرفت .


   (1) الوجوه المتصورة في كيفية الإتيان بالصلاتين المترتبتين إلى الجهات الأربع أو الأقل ثلاثة :


   الأول : أن يتمم جهات الاُولى ثم يشرع في الثانية . وهذا لا إشكال في صحته ، سواء شرع في الثانية على النحو الذي شرع في الاُولى أم بخلافها كما لو بدأ بالعصر إلى الجهة التي فرغ فيها عن الظهر ، لأن الثلاثة الاُخر من باب المقدمة العلمية والواجب إنما هي صلاة واحدة ، فهو يعلم بوقوع عصر مترتبة على الظهر كل منهما إلى القبلة على كل حال كما هو ظاهر .


   الثاني : وهو بازاء الوجه الأول ، أن يصلي الثانية إلى غير الجهة التي صلى إليها الاُولى ، كما لو صلى الظهر إلى الشمال مثلاً والعصر إلى المغرب أو الجنوب ، وقد حكم في المتن ببطلان هذا الوجه ، للعلم بفساد الثانية حينئذ ، 


ــ[466]ــ


إما لفقد الاستقبال لو كانت القبلة في الجهة الاُولى ، أو لفقد الترتيب لو كانت في الثانية .


   وهذا الذي أفاده (قدس سره) وجيه في الجملة لا على سبيل الإطلاق ، لما عرفت في المسألة السابقة من أنّ الانحراف بما دون تسعين درجة غير ضائر ، لأن ما بين المشرق والمغرب قبلة للمتحير .


   وعليه فان صلى الثانية إلى جهة مقابلة للجهة الاُولى ـ كأن صلاهما إلى نقطتي الشمال والجنوب أو المشرق والمغرب ـ تم ما أفاده (قدس سره) لأنّ البعد بين النقطتين حينئذ مائة وثمانون درجة ، فيعلم لا محالة بالانحراف في إحدى الصلاتين بمقدار تسعين درجة أو أكثر ، فتكون فاقدة لشرط الاستقبال لعدم وقوعها ما بين المشرق والمغرب ، فيعلم إجمالاً ببطلان إحدى الصلاتين ، بل تفصيلاً ببطلان الثانية ، لفقدها الاستقبال أو الترتيب كما اُفيد .


   وأما إذا صلى الثانية إلى جهة غير متقابلة مع الجهة التي صلى إليها الاُولى فكان البعد أقل مما ذكر ـ كما لو صلى الاُولى إلى الشمال مثلاً ، والثانية إلى المشرق أو المغرب ـ فلا علم بالبطلان في شيء منهما ، لعدم العلم بالانحراف بمقدار تسعين درجة ، بل لو كانت القبلة فيما بين الجهتين فغاية الانحراف حينئذ خمس وأربعون درجة ، فتكون كلتاهما محكومة بالصحة لوقوعهما فيما بين اليمين واليسار كما عرفت . فالظاهر صحة الإتيان بالمترتبتين على هذا الوجه أيضا ، هذا .


   ولكن سيدنا الاُستاذ (دام ظله) عدل بعد ذلك عما أفاده في المقام فحكم بالبطلان في هذه الصورة تبعاً للمتن ، وأفاد (دام ظله) في وجهه : أنّ العصر إذا لم تقع في الجهة التي صلى إليها الظهر ، بل كان منحرفاً ولو بمقدار يسير كعشر درجات أو أقل فضلاً عن خمس وأربعين لم يحرز ترتب العصر على الظهر الصحيحة ، لاحتمال أن تكون العصر منحرفة عن القبلة بمقدار تسع وثمانين درجة مثلاً ، بحيث يكون الانحراف عن هذا الحد إلى الجانب الذي صلى الظهر ولو بدرجة واحدة موجباً للانحراف عن القبلة بتسعين درجة ، فحيث 


ــ[467]ــ


يحتمل انحراف الظهر عن القبلة بتسعين أو أكثر فلم يحرز صحتها ، ومعه لا يمكن الدخول في العصر ، لعدم إحراز شرط الترتيب بعد احتمال بطلان الظهر لكونها إلى غير القبلة ، وهكذا الحال في الصلاة إلى بقية الجهات(1) فلا بد من وقوع العصر إلى نفس الجهة التي صلى إليها الظهر فتأمل جيداً .


   الثالث : أن يأتى بالثانية في كل جهة صلى إليها الاُولى إلى أن تتم ، فيصلي الظهر إلى الشمال مثلاً وبعدها العصر ، ثم يصلي الظهر إلى الشرق وبعدها العصر ، وهكذا إلى أن تتم الجهات .


   وقد يناقش في ذلك من وجهين :


   أحدهما : عدم إحراز شرط الترتيب المعتبر في صلاة العصر حين الإتيان بها ، لاحتمال أن تكون الجهة غير القبلة ، وما لم يحرز الترتيب لا يشرع الدخول فيها .


   ويدفعه : أنّ الجهة التي صلى إليها الظهر إن كانت هي القبلة . فالعصر مترتبة عليها ، وإلا فكلتا الصلاتين باطلة ، فهو محرز للترتيب على تقدير الصحة . وبعبارة اُخرى : إنما يعتبر الترتيب في صلاة عصر صحيحة مأمور بها دون ما لم يتعلق به الأمر ، وإنما جيء به من باب المقدمة العلمية ، الأجنبية عن ذات المأمور به بالكلية ، فصلاة العصر إن كانت صحيحة مأموراً بها لكونها إلى القبلة فقد وقعت الظهر إليها أيضاً ، فهو محرز للترتيب قطعاً لوقوعهما في جهة واحدة على الفرض ، وإلا فليست هي من حقيقة الصلاة في شيء لكون القبلة من الأركان ، وهذا عمل عبث ولغو بصورة الصلاة ، ولا دليل على اعتبار الترتيب في غير الصلاة المأمور بها كما هو ظاهر جداً .


   ثانيهما : عدم الجزم بالنية عند الشروع في العصر فلا يتمشى منه قصد 


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) نعم ، ولكنه بعد الفراغ من الجهات يعلم إجمالاً بوقوع ظهرين صحيحتين ومترتبتين في    إحداها كما لا يخفى .


ــ[468]ــ


القربة بعد احتمال البطلان وعدم تعلق الأمر به ، الناشئ من احتمال فقد شرط الترتيب .


   وفيه : أنّ الجزم بالنية غير حاصل حتى مع إحراز الفراغ من الظهر باستكمال جهاتها والشروع في العصر بعد ذلك كما في الصورة الاُولى ، لاحتمال كون القبلة في غير الجهة التي شرع فيها ، غايته أنّ عدم الجزم هناك لاحتمال فقد الاستقبال الذي لا يكون معه الأمر حينئذ ، وفي المقام لهذه الجهة ولاحتمال فقد الترتيب ، ولا فرق في عدم الجزم بين أن ينشأ من جهة أو من جهتين بالضرورة ، مع أنه لا ريب في الصحة في تلك الصورة كما تقدم ، هذا نقضاً .


   وأما الحلّ : فهو أنه لا دليل على اعتبار الجزم بالنية في صحة العبادة ، بل يكفي مجرد الإضافة إلى المولى ولو لاحتمال الأمر والإتيان بقصد الرجاء ، فيصلي العصر في كلتا الصورتين برجاء المحبوبية وباحتمال الأمر . وأما الترتيب فهو وإن لم يحرز في المقام عند الشروع في العصر لاحتمال كون الذمة مشغولة بعدُ بالظهر ، لكنه بعد استكمال الجهات في كلتا الصلاتين يقطع بحصوله وترتب عصر صحيحة بعد ظهر كذلك ، وإن لم يميزهما من بين الجهات ، إذ لا دليل على اعتبار التمييز ولا الجزم بالنية كما قرر في محله(1) .


   وفذلكة الكلام في المقام : أنه بناءً على ما ذكرناه سابقاً(2) من إمكان تحصيل العلم بالقبلة عيناً بالتوجّه إلى سبع دائرة الاُفق المتضمن للكعبة ، لابدّ في تحصيل الجزم بالاستقبال لدى الاشتباه من تكرار الصلاة إلى جهات سبع بتقسيم دائرة الاُفق إلى أقواس سبعة والصلاة إلى كل قوس منها .


   كما أنه بناء على الاجتزاء عند الاشتباه بالصلاة إلى ما بين اليمين واليسار الراجع إلى اغتفار الانحراف بما دون تسعين درجة ، يجزئه التكرار إلى ثلاث 


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) شرح العروة 1 : 50 .


(2) في ص 431 .


ــ[469]ــ


جوانب ، فيقسم دائرة الاُفق إلى ثلاثة أقواس ويصلي في كل قوس ، إذ البعد بين كل قوس حينئذ مائة وعشرون درجة ، فغاية الانحراف ستون درجة الذي هو أقل من التسعين .


   وأما إذا بنينا على وجوب التكرار إلى جهات أربع استناداً إلى مرسلة خراش المتقدمة(1) كما عليه المشهور ، فحيث إنّ المتبادر منها أن تكون الجهات متقابلة فيستفاد منها أنّ غاية الانحراف المغتفر لدى الاشتباه إنما هو بمقدار خمس وأربعين درجة ، ضرورة أنّ التكرار لدى تقابل الجهات يوجب القطع بعدم الانحراف عن القبلة أكثر من هذا المقدار ، إذ البعد بين كل جهة واُخرى تسعون درجة الذي هو ربع دائرة الاُفق فنصفه خمس وأربعون ، فان كانت القبلة أقرب إلى جهة منها إلى الاُخرى كان الانحراف أقل من خمس وأربعين بالضرورة ، وإلاّ بأن كانت في الوسط الحقيقي بين الجهتين فكانت النسبة متساوية من الجانبين ، كان الانحراف خمساً وأربعين درجة لا أكثر كما هو ظاهر .


   وهذه الوجوه المذكورة في هذه المسألة كلها مبنية على هذا المبنى الأخير ، أي لزوم عدم الانحراف عن القبلة أكثر من خمس وأربعين الذي هو لازم مسلك المشهور كما عرفت .


   وحينئذ نقول : المتعين من بين الوجوه الثلاثة المتقدمة(2) إنما هو الوجه الأول والأخير ، بأن يشرع في الثانية بعد استكمال جهات الاُولى ، سواء صلى إلى نفس تلك الجهات أو إلى جهات اُخرى متقابلات كما أشرنا إلى هذا التعميم في المسألة السابقة ، أو أن يصلي الثانية في كل جهة صلى إليها الاُولى .


   وأما الوجه الثاني ، وهو الإتيان بالثانية في غير الجهة التي صلى إليها 


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) في ص 437 .


(2) في ص 465 .


ــ[470]ــ


الاُولى الذي هو ثالث الوجوه في المتن فغير جائز ـ كما عليه الماتن ـ مطلقاً وإن كان انحراف كل جهة عن الاُخرى يسيراً جداً ، للعلم ببطلان العصر في بعض الصور ، وعدم الجزم بحصول الترتيب في البعض الآخر حتى بعد استكمال الجهات .


   وبيانه : أنه إذا صلى العصر إلى جهة تبعد عن الجهة التي صلى إليها الظهر أكثر من تسعين درجة في جميع الأطراف مع حفظ تقابل الجهات الذي هو محل الكلام ، بأن صلى الظهر إلى نقطة الشمال مثلاً ثم صلى العصر بعد ذلك إلى ما بين الجنوب والمغرب ثم صلى الظهر الثانية إلى المغرب ، والعصر إلى ما بين الجنوب والمشرق ، والظهر الثالثة إلى الجنوب والعصر إلى ما بين المشرق والشمال ، والظهر الرابعة إلى المشرق والعصر إلى ما بين الشمال والمغرب ، فانه يعلم حينئذ تفصيلاً ببطلان العصر الاُولى إما لعدم الاستقبال أو لفقد الترتيب ، إذ المفروض أن البعد بين الجهتين أكثر من تسعين درجة ، وقد بنينا على عدم اغتفار الانحراف عن القبلة أكثر من خمس وأربعين درجة ، وحينئذ فان كانت الظهر الاُولى إلى القبلة بالمعنى المتقدم أي لم يكن البعد عنها أكثر من خمس وأربعين كانت العصر إلى غير القبلة قطعاً ، لامتناع أن لا تكون بعيدة عنها حينئذ أكثر من هذا المقدار كما هو ظاهر فتبطل لفقد الاستقبال ، وإن كانت العصر إلى القبلة كانت الظهر إلى غيرها ، لعين ما ذكر فتبطل وبتبعه تبطل العصر أيضاً لفقد الترتيب ، فالعصر باطلة على كل حال لفقدها أحد الشرطين من الاستقبال أو الترتيب .


   وكذا الحال في العصر الثانية بعين البيان المتقدم .


   وأما العصر الثالثة الواقعة ما بين المشرق والشمال فتحتمل فيها الصحة ، لاحتمال كون القبلة ما بين الشمال والمشرق فتكون هذه العصر مع الظهر الاُولى إلى القبلة ، وقد حصل الترتيب بينهما .


   وكذا العصر الواقعة ما بين الشمال والمغرب ، لاحتمال كون القبلة بينهما فتكون هي مع الظهر الاُولى بل الثانية أيضاً إلى القبلة ، إذ لا يزيد انحراف كل 


ــ[471]ــ


منهما عن القبلة على خمس وأربعين درجة ، والترتيب حاصل بينهما ، لكن ذلك مجرد احتمال لا جزم معه بالامتثال ، لاحتمال كون القبلة في نقطة الجنوب مثلاً فلم يحرز الترتيب ووقوع عصر بعد ظهر كلاهما إلى القبلة .


   وأما إذا صلى العصر إلى جهة تبعد عن الظهر بمقدار تسعين درجة تحقيقاً كما لو صلى الظهر إلى الشمال والعصر إلى المغرب ، والظهر الثانية إلى المغرب والعصر إلى الجنوب ، والثالثة إلى الجنوب والعصر إلى المشرق ، والرابعة إلى المشرق ، والعصر إلى الشمال ، فلا جزم بالبطلان حينئذ في شيء من الصلوات ، لاحتمال كون القبلة في أوساط الجهات تحقيقاً فيكون بُعدُ الجهتين اللتين صلى إليهما الظهر والعصر عنها خمساً وأربعين درجة ، وهو مغتفر على الفرض لكنه لا جزم بالصحة أيضاً ، لاحتمال أن تكون القبلة منحرفة عن الشمال إلى المغرب مثلاً بأكثر من خمس وأربعين درجة ، بأن كانت على رأس خمسين درجة مثلاً ، فان الظهر الاُولى تبطل حينئذ لفقد الاستقبال وبتبعه تبطل العصر الاُولى لفقد الترتيب . وأما الظهر الثانية فهي وإن كانت صحيحة لأن انحرافها عن القبلة أربعون درجة لكنه لا تأتي بعد ذلك عصر صحيحة أبداً ، لكونها منحرفة عن القبلة أكثر من خمس وأربعين درجة قطعاً فلاحظ .


   ومن ذلك يظهر أنه لو صلى العصر إلى غير الجهة التي صلى إليها الظهر فكان منحرفاً عن تلك الجهة ولو بمقدار عشر درجات فضلاً عن الأكثر من ذلك ، لا يمكن معه إحراز صحة العصر في شيء من الجهات ، فلو صلى الظهر إلى الشمال والعصر منحرفاً عنه إلى المغرب بعشر درجات ثم صلى الظهر الثانية إلى المغرب والعصر منحرفاً إلى الجنوب بعشر درجات وكذا الظهر الثالثة والرابعة إلى الجنوب والمشرق مع تأخر العصر بعشر درجات لا يمكن الجزم بصحّة العصر ، لاحتمال أن تكون القبلة منحرفة عن الشمال إلى المغرب بمقدار خمسين درجة ، فان الظهر الاُولى تبطل حينئذ ، لكون الانحراف أكثر من خمس وأربعين درجة ، وبتبعه تبطل العصر الاُولى لفقد 


ــ[472]ــ


   [1242] مسألة 14  : من عليه صلاتان كالظهرين مثلاً مع كون وظيفته التكرار إلى أربع إذا لم يكن له من الوقت مقدار ثمان صلوات بل كان مقدار خمسة أو ستة أو سبعة ، فهل يجب اتمام جهات الاُولى وصرف بقية الوقت في الثانية أو يجب إتمام جهات الثانية وايراد النقص على الاُولى ؟ الاظهر الوجه الاول ويحتمل وجه ثالث وهو التخيير ، وإن لم يكن له إلا مقدار أربعة أو ثلاثة ، فقد يقال بتعين الاتيان بجهات الثانية وبكون الاُولى قضاءً ، لكن الأظهر وجوب الاتيان بالصلاتين وايراد النقص على الثانية كما في الفرض الأول ، وكذا الحال في العشاءين (1) .


 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


الترتيب ، وإن كانت هي صحيحة من حيث الاستقبال لكون الانحراف حينئذ أربعين درجة . وأما الظهر الثانية فهي وإن صحّت لكون انحرافها عن القبلة أربعين درجة لكن العصر الثانية باطلة ، لأن انحرافها خمسون درجة ، وأما العصر الثالثة والرابعة فانحرافهما أزيد بكثير فلم يترتب على الظهر الثانية عصر صحيحة ، والعصر السابقة عليها وإن صحت من حيث القبلة لكنها فاقدة للترتيب كما عرفت .


   فظهر من جميع ما ذكرناه أنه لا يكاد يحصل الجزم بالامتثال إلا بأن يصلي العصر إلى عين الجهة التي صلى إليها الظهر ، أو أن يشرع فيها بعد استكمال جهات الظهر كما كان في الوجه الأول ، ولا يجوز الإتيان بالثانية إلى غير الجهة التي صلى إليها الاُولى ، للقطع ببطلان العصر حينئذ في بعض التقادير ، وعدم الجزم بصحتها في التقادير الاُخر كما أوضحناه بما لا مزيد عليه .


   هذا غاية ما بنى عليه سيدنا الاُستاذ (دام ظله) أخيراً عند تخرجه عن المسألة بعد أن أطال المقام وعدل كرة بعد اُخرى .


   (1) إذا اشتبهت القبلة في جهات أربع وقلنا بوجوب التكرار إليها كما عليه المشهور ، وكان عليه صلاتان مترتبتان كالظهرين ، فاما أن يتمكن من تحصيل 


ــ[473]ــ


الموافقة القطعية بالإضافة إلى كلتا الصلاتين كما لو بقي من الوقت مقدار ثمان صلوات أو أكثر ، أو يتمكن من تحصيلها بالإضافة إلى إحدى الصلاتين دون الاُخرى كما لو لم يسع الوقت لثمان ، بل كان مقدار سبع صلوات أو ست أو خمس ، أو لم يتمكن من تحصيل الموافقة القطعية لشيء منهما بل كانت الموافقة في كلتيهما احتمالية كما لو بقي مقدار أربع صلوات أو أقل ، فصور المسألة ثلاث(1) :


   أما الصورة الاُولى فلا إشكال في وجوب تحصيل الموافقة القطعية لكل منهما بعد فرض سعة الوقت والتمكن من ذلك . وفي كيفية الامتثال وجوه تقدمت في المسألة السابقة ، وقد عرفت أنّ المتعين منها وجهان : الشروع في الثانية بعد استكمال جهات الاُولى ، أو الإتيان بهما معاً في كل جهة . وأما الإتيان بالثانية في غير الجهة التي صلى إليها الاُولى فغير جائز كما مر .


   وأما الصورة الثانية ـ أعني ما إذا لم يتمكن من تحصيل الموافقة القطعية إلا في إحداهما دون الاُخرى ، كما لو بقي من الوقت مقدار خمس صلوات أو أزيد دون الثمان ـ فلا إشكال حينئذ في وجوب صرف ما عدا الأربع الأخيرة ـ وهي الاُولى لو كانت خمساً ، وهي مع الثانية لو كانت ستاً ، وهما مع الثالثة لو كانت سبعاً ـ في الظهر ، لفعلية أمرها وعدم جواز تقديم العصر عليها اختياراً كما هو ظاهر .


   كما لا إشكال في وجوب صرف الصلاة الأخيرة في العصر للقطع بسقوط الأمر بالظهر حينئذ ، إما بالامتثال لو كانت القبلة في الجهات التي صلى إليها الظهر ، أو لخروج وقتها لو لم تكن فيها ، فان مقدار أربع ركعات من آخر الوقت مختص بصلاة العصر قطعاً .


   إنما الكلام في الثلاث المتوسطة المتخللة بين الأخيرة من الصلوات وما 


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) [تنحلّ الصورة الثانية إلى صورتين كما يأتي في ص 478 ، فالصور أربع] .


ــ[474]ــ


تقدمها ، وأنها هل تصرف في الظهر بمقدار تحصل معه الموافقة القطعية بالنسبة إليها فيورد النقص على العصر ويقتصر فيها على الموافقة الاحتمالية كما اختاره في المتن ، أو يعكس فتصرف في العصر ويورد النقص على الظهر فتكون الموافقة فيها احتمالية وفي العصر قطعية ، أو يتخير بين الأمرين لعدم ترجيح في البين كما احتمله في المتن ؟ وجوه .


   قد يقال ـ كما عن الشهيد(1) ـ بتقديم العصر ، بدعوى أنّ المراد بوقت الاختصاص الوقت الذي تؤتى فيه الفريضة بمقدماتها العلمية ، فمصداق الوقت المزبور يختلف حسب حالات المكلف ، فعند تبين القبلة مقدار أربع ركعات ، وعند الاشتباه ستة عشرة ركعة من أول الوقت للظهر ومن آخره للعصر .


   وهذه الدعوى ساقطة قطعاً ، ضرورة انصراف وقت الاختصاص بل ظهور دليله في إرادة ذات الفريضة أو هي مع مقدماتها الوجودية على كلام ، من غير فرق بين صورتي العلم والجهل ، وأما المقدمات العلمية الأجنبية عن ذات المأمور به بالكلية إنّما يؤتى بها تحصيلاً للقطع بالفراغ فلا مساس لها بوقت الاختصاص كما هو ظاهر جداً .


   وقد يقال بتقديم الظهر من أجل كونها مقدمة على العصر بحسب الرتبة .


   وهذا أيضاً يتلو سابقه في الضعف ، إذ فيه ـ بعد الغض عن أن التقدم الرتبي لا محصل له في المقام كما لا يخفى ـ أن تقدم ذات الظهر على العصر خارجاً لا يستوجب تقديم امتثال إحداهما على الاُخرى بعد كون وجوبيهما فعليين عرضيين وفي مرتبة واحدة من دون ترجيح لأحدهما على الآخر .


   فمن هنا قد يقوى في النظر بدواً القول بالتخيير كما هو الشأن في كل واجبين متزاحمين لم يتمكن المكلف من امتثالهما أو لم يتمكن من تحصيل 


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) [لم نعثر عليه للشهيد الأول ولعله الشهيد الثاني ، راجع روض الجنان : 194 ـ   السطر 14] .


ــ[475]ــ


الموافقة القطعية إلا في أحدهما ، بعد فرض تساوي الوجوبين في الملاك وعدم احتمال أهمية أحدهما بالنسبة إلى الآخر ، فان المكلف مضطر حينئذ إلى ترك واحد منهما لا محالة فيتخير في اختيار أيّ منهما شاء .


   هذا ، ولكن التأمل يقضي بخلاف ذلك والذهاب إلى التفصيل بتقديم جانب الظهر في تقدير ، والحكم بالتخيير في تقدير آخر ، فان الكبرى المزبورة وإن كانت مسلّمة لكنها غير منطبقة على المقام بنحو الإطلاق ، وذلك لأن صلاة العصر تمتاز عن الظهر باعتبار الترتيب فيها دونها ، ولا شك أن هذا حكم واقعي محفوظ في صورتي العلم بالقبلة والجهل بها ، فتجب رعايته في الوقت المشترك مهما أمكن ، بحيث لو بقي من الوقت مقدار صلاتين فضلاً عن الأكثر لا يجوز الإخلال به عمداً ، بل يجب الإتيان بالعصر على نحو لو صحّت فهي واجدة للترتيب .


   وعليه فاذا كان الباقي من الوقت مقدار خمس صلوات أو ست فهو وإن كان متمكناً من تحصيل الموافقة القطعية بالإضافة إلى الظهر بالصلاة إلى الجهات الأربع ، لكنه لا يتمكن منها بالنسبة إلى العصر ، إذ لو صلى الظهر إلى الجهة أو الجهتين وخص الأربع الأخيرة بالعصر لم يحرز سقوط الأمر به ، لاحتمال كون القبلة في غير الجهة التي صلى إليها الظهر فتبطل ، ويوجب فساد العصر أيضاً لفقد الترتيب ، فلا جزم بحصول الترتيب المعتبر في صحة العصر فلا قطع بالامتثال .


   وبالجملة : إنما يجوز الإتيان بمحتملات العصر فيما إذا علم عند الشروع فيها أنه لم يخل بالترتيب عمداً وأنه لو أتى بالعصر إلى القبلة فهو مترتب على الظهر ، وهذا لا يتحقق فيما لو صرف الجهة أو الجهتين في الظهر وصرف الباقي في العصر ، لاحتمال أن لا تكون تلك الجهة إلى القبلة فيكون مكلفاً واقعاً باتيان الظهر ، لأن الوقت المشترك باق بعدُ والوقت يسع لهما مترتبتين ، فالأمر الواقعي برعاية الترتيب منجّز في حقه كما عرفت ، فلو صرف الوقت 


ــ[476]ــ


في العصر يحتمل أن يكون مخلاً بالترتيب عمداً فلا تحصل بذلك الموافقة القطعية لصلاة العصر بالضرورة ، فلا مناص له حينئذ إما من صرف الأربعة الاُولى في الظهر والباقي في العصر ، فتحصل بذلك الموافقة القطعية للظهر والاحتمالية للعصر ، أو يصرف بعضها في الظهر وبعضها في العصر بأن يصلي الظهر والعصر إلى جهة ثم يصليهما إلى جهة ثانية ، ثم يصلي العصر إلى جهة ثالثة لو كانت الصلوات خمساً أو هي مع الظهر لو كانت ستاً فتحصل الموافقة الاحتمالية في كل منهما . ولا ريب أنه كلّما دار الأمر بين تحصيل الموافقة القطعية لتكليف والاحتمالية لآخر ، وبين الموافقة الاحتمالية لكل منهما ، كان الأول أولى في نظر العقل . وعليه فيتعين الصرف في الظهر وإيراد النقص على العصر .


   نعم لو كان الباقي من الوقت مقدار سبع صلوات يمكن حينئذ تحصيل الموافقة القطعية لإحدى الصلاتين على البدل ، أما بالنسبة إلى الظهر فظاهر ، وأما بالإضافة إلى العصر فبأن يصلي الظهر والعصر معاً في جهات ثلاث ، ثم يصلي العصر في الجهة الرابعة ، أو يصلي الظهر أوّلاً إلى ثلاث جهات ، ثم يصلي العصر في الجهات الأربع مخيراً في الابتداء بأي منهما شاء ما عدا الجهة الأخيرة التي لم يصل إليها الظهر ، إذ لو بدأ بها لم يحرز رعاية الترتيب ، لاحتمال كون القبلة في نفس هذه النقطة ، والمفروض عدم وقوع الظهر إليها فيكون مخلاً بالترتيب مع بقاء الوقت المشترك وتنجز الحكم الواقعي المحفوظ في صورتي العلم والجهل كما مرّ ، فلا يكون مثله محققاً للاحتياط ومحصلاً للموافقة القطعية ، فاللازم إبقاء هذه الجهة إلى الصلاة الأخيرة فيصرف رابعة العصر فيها ، فانه يقطع حينئذ بعدم الإخلال بالترتيب ، لأن القبلة إن كانت في غيرها فقد صلى الظهر والعصر إليها مترتبتين ، وإن كانت فيها فبما أن هذا وقت الاختصاص فالترتيب ساقط جزماً ، فلا يكون مخلاً بالترتيب على أي حال .


ــ[477]ــ


   وإن شئت فقل : إنّا نقطع بسقوط الأمر بالظهر في هذا الحين ، إما بالامتثال لو كانت القبلة في الجهات السابقة ، أو بخروج الوقت لو لم تكن فيها ، فانّ مقدار أربع ركعات من آخر الوقت مختص بصلاة العصر ، فلا يكون هناك إخلال بالترتيب من ناحية المكلف قطعاً . 


   وبالجملة : فيمكن تحصيل الموافقة القطعية لإحدى الصلاتين لا بعينها في هذه الصورة ، أعني فيما لو بقي من الوقت مقدار سبع صلوات عند مراعاة الشرط المزبور دون الصورة السابقة ـ وهي ما لو بقي مقدار ست صلوات أو خمس ـ فتنطبق الكبرى المتقدمة حينئذ ويحكم بالتخيير ، لكون الوجوبين عرضيين من دون ترجيح في البين وعدم احتمال أهمية إحدى الصلاتين من الاُخرى .


    وما يقال : من لزوم تقديم الظهر في هذه الصورة أيضاً بدعوى أنه وإن لم تحرز أهمية إحدى الصلاتين من الاُخرى ، إلا أن الظهر لما كانت شرطاً في صحة العصر بمقتضى الترتيب المعتبر بينهما ، فالأمر بالعصر يدعو إلى فعل الظهر كما يدعو إلى فعل العصر ، فقد تعلق بالظهر أمران أمر بها بنفسها وأمر آخر ينشأ من قبل الأمر بالعصر لكونها مقدمة لها ، فالإتيان بالظهر امتثال لأمرها ولأمر العصر معاً . وعليه فلا يجوّز العقل فعل العصر وترك الظهر ، إذ ليس في فعلها الا امتثال وجوبها لا غير ، وهذا المقدار كاف في الترجيح .


   مدفوع أوّلاً : بعدم اتصاف المقدمة بالوجوب الغيري كما حقق في الاُصول(1) ، فلم يتعلق بالظهر إلا أمر واحد كالعصر .


   وثانياً : لو سلم فالتحقيق أنّ الواجب إنما هي المقدمة الموصلة دون غيرها ، ولا علم بالإيصال في المقام ، بل قد تكون المقدمة مفوّتة لذيها لا موصلة إليها ، كما لو استكمل جهات الظهر الأربع وصلى العصر بعد ذلك إلى جهات ثلاث وكانت القبلة ـ واقعاً ـ في الجهة الرابعة التي لم يصل إليها 


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) محاضرات في اُصول الفقه 2 : 436 .


ــ[478]ــ


العصر ، فان الإتيان بالظهر في هذه الجهة مفوّت لإتيان العصر إليها ، إذ المفروض عدم سعة الوقت لأكثر من سبع صلوات ، فالإتيان بالمقدمة ربما يؤدي إلى انهدام ذي المقدمة وتفويته رأساً فضلاً عن أن توصل إليه .


   وكيف ما كان ، فقد عرفت أنّ الأقوى في هذه الصورة التخيير ، وفي الصورة السابقة ترجيح الظهر على العصر .


   ومحصل الكلام : أن صور المسألة أربع :


   الاُولى : ما إذا تمكن من تحصيل الموافقة القطعية لكلتا الصلاتين ، كما لو بقي من الوقت مقدار ثمان صلوات أو أكثر ، وحكمها ظاهر كما مر .


   الثانية : ما إذا تمكن من تحصيل الموافقة القطعية لإحدى الصلاتين لا بعينها ، وهذا فيما إذا بقي من الوقت مقدار سبع صلوات . والحكم هنا التخيير ، لتزاحم الواجبين العرضيين من دون ترجيح في البين ، كما هو الشأن في كل تكليفين كذلك كما عرفت .


   الثالثة : ما إذا تمكن من تحصيل الموافقة القطعية لخصوص الظهر ، وأما العصر فاحتمالية ، كما لو بقي من الوقت مقدار ست صلوات أو خمس واللازم حينئذ تقديم الظهر وإيراد النقص على العصر ، لدوران الأمر بين الموافقة القطعية لأحد التكليفين والاحتمالية للآخر ، وبين الموافقة الاحتمالية لكل منهما ، ولا شك أنّ الأول أولى كما تقدم .


   وأما عكس هذه الصورة فلا يكاد يتصور كما لا يخفى .


   الصورة الرابعة : ما إذا لم يتمكن من تحصيل الموافقة القطعية في شيء منهما ، بل كانت في كل منهما احتمالية كما لو بقي من الوقت مقدار أربع صلوات فما دون .


   أما إذا كان الباقي مقدار صلاتين فلا ينبغي الإشكال في تعين صرف الأول في الظهر ، والثاني في العصر ، لأن مقدار الوقت المشترك بعدُ باق ، فالأمر الواقعي بالترتيب ـ المحفوظ في صورتي العلم بالقبلة والجهل بها كما تقدم ـ غير ساقط ، فلا يجوز صرف الأول في العصر ، للقطع بالإخلال بالترتيب 


ــ[479]ــ


حينئذ . كما لا يجوز صرف الثاني في الظهر ، لكونه وقتاً مختصاً بالعصر كما مرّ .


   ودعوى لزوم صرفهما في العصر ، لأن المراد بوقت الاختصاص فعل الفريضة بمحتملاتها من الأربع فما دون كما عن الشهيد (قدس سره) قد عرفت فسادها .


   وبالجملة : لا مجال لصرفهما في العصر لاستلزامه الإخلال بالترتيب ، كما لا مجال لصرفهما في الظهر لمنافاته لوقت الاختصاص ، فيتعين التوزيع بصرف الأول في الظهر والثاني في العصر ، فتحصل بذلك الموافقة الاحتمالية لكل منهما . ولا فرق في ذلك بين الإتيان بهما في جهة واحدة أو جهتين ، لسقوط الترتيب(1) عند الشروع في الثاني الذي هو وقت مختص بالعصر ، فلا يحتمل الإخلال به وإن تعددت الجهة كما لا يخفى .


   وأما إذا كان الباقي مقدار ثلاث صلوات فلا إشكال في لزوم صرف الأول في الظهر والأخير في العصر كما علم مما مرّ آنفاً ، إنما الكلام في المتخلل بينهما فهل يصرف في الظهر ويورد النقص على العصر كما اختاره في المتن ، أم يعكس ، أم يتخير ؟


   الأقوى هو الأخير ، إذ لا يتيسّر للمكلف أكثر من الموافقة الاحتمالية في كل منهما ـ على الفرض ـ وبما أنّ الوجوبين عرضيان وفي حدّ سواء من دون ترجيح في البين ، ولا احتمال لأهمية إحدى الصلاتين ، فاللازم هو التخيير 


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) لم يظهر وجه لسقوط الترتيب في وقت الاختصاص مطلقاً ، وإنما يسقط إذا لم يأت بالظهر  رأساً دون ما إذا أتى ببعض محتملاتها كما في المقام . وعليه فبما أن الظهر المأتي بها يحتمل صحتها ووقوعها إلى القبلة ويمكنه رعاية الترتيب في هذا التقدير بأن يصلي العصر إلى نفس جهة الظهر لم يكن معذوراً في تعمد الإخلال به بالإتيان بها إلى جهة اُخرى .


   وبعبارة اُخرى : إن صلى العصر إلى نفس جهة الظهر احتمل تحقق الترتيب ، وإن صلى إلى    غيرها قطع بعدمه ، ولا ريب في أن الأول أولى . ومنه تعرف أن اختيار الجهة الواحدة    لكلتا الصلاتين إن لم يكن أقوى فلا ريب أنه أحوط .


ــ[480]ــ


في إيراد النقص على أي منهما شاء ، فله أن يصلي الظهر أوّلاً إلى جهة ، ثم ثانياً إلى جهة اُخرى ، ثم يصلي العصر حيث شاء فيورد النقص عليها ، كما له إيراد النقص على الظهر فيصلّيها إلى جهة ثم يأتي بعصرين إلى جهتين ، لكن اللازم حينئذ أن يأتي بالعصر الاُولى إلى الجهة التي صلى إليها الظهر ، إذ لو صلاها إلى جهة اُخرى لم يكن محرزاً للترتيب اللازم رعايته بعد بقاء الوقت المشترك كما مرّ ، لاحتمال كون القبلة في نفس هذه النقطة التي صلى إليها العصر فتكون الظهر الاُولى فاسدة ومفسدة للعصر أيضاً لفوات الترتيب .


   نعم ، لا جزم بالبطلان ، لاحتمال كون القبلة في الوسط الحقيقي بين الجهتين فتكون العصر الاُولى مع الظهر السابقة كلاهما إلى القبلة ، لعدم كون الانحراف في شيء منهما أكثر من خمس وأربعين درجة ، فيحصل بذلك الترتيب أيضاً ، إلا أنّ هذا مجرد احتمال معارض باحتمال الخلاف ، ولابد من الإتيان بعصر يحرز معه الترتيب لو كان إلى القبلة ، ولا يكون ذلك إلا بالإتيان في نفس الجهة التي صلى إليها الظهر . وأما العصر الثانية فحيث إن الترتيب ساقط فيها لأجل وقت الاختصاص كما مرّ غير مرة ، فله الإتيان بها في أي جهة شاء .


   ومما ذكرنا يظهر الحال فيما لو بقي من الوقت مقدار أربع صلوات فان الأول والأخير مختص بالظهر والعصر ، وفي الثنتين المتخللتين مخير بين الأمرين ، فله الصرف في الظهر فيأتي بالظهر إلى ثلاث جهات ثم بالعصر حيث شاء ، وله الصرف في العصر فيصلي الظهر والعصر إلى جهة ثم يأتي بعصرين في جهتين ، وليس له الإتيان بالعصر الاُولى في غير الجهة التي صلى إليها الظهر كما علم وجهه مما مرّ آنفاً . وله التوزيع بصرف ثنتين في الظهر وثنتين في العصر ، بأن يصلي الظهر والعصر إلى جهة ، ثم يصليهما معاً إلى جهة اُخرى ، أو يصلي الظهر أوّلاً إلى جهة ثم ثانياً إلى جهة اُخرى ، ثم يأتي بعصرين ، لكن في هذه الصورة وإن كان مخيراً بالإتيان بالعصر الثانية حيث شاء ، إلا أن العصر الاُولى لا يؤتى بها في غير الجهتين اللتين صلى إليهما 


ــ[481]ــ


ولكن في الظهرين يمكن الاحتياط (1) بأن يأتي بما يمكن من الصلوات بقصد ما في الذمة((1)) فعلاً ، بخلاف العشاءين لاختلافهما في عدد الركعات .


   [1243] مسألة 15  : من وظيفته التكرار الى الجهات إذا علم أو ظن بعد الصلاة إلى جهة أنها القبلة لا يجب عليه الاعادة (2) ولا اتيان البقية (3)


 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


الظهر ، لما عرفت آنفاً فلاحظ وتدبّر .


   (1) يريد به الاحتياط في موارد الخلاف في تقديم الاُولى أو الثانية ، أو إيراد النقص على الاُولى أو الثانية ، ففيما إذا لم يبق من الوقت إلا مقدار أربع صلوات أو أقل يصلي الأربع ـ مثلاً ـ إلى أربع جهات بقصد ما في الذمة المردد بين الظهر والعصر رعاية للقولين الموجودين في المسألة ، وفيما إذا كان الباقي أزيد من الأربع وأقل من الثمان يأتي بما هو مكمل للاُولى بالقصد المزبور حذراً عن الخلاف المذكور ، أما في غير المكمّل فلا مقتضي لقصد ما في الذمة كما هو واضح .


   وبالجملة : فهذا الاحتياط إنما هو من أجل الخروج عن شبهة الخلاف ، لا لإدراك الواقع وتحصيل الموافقة القطعية لكل من الصلاتين كما لا يخفى .


   ثم إن مورد هذا الاحتياط إنما هو ما عدا الصلاة الأخيرة ، أما هي فالمتعين فيها إتيانها عصراً ، لعدم احتمال الظهر فيها ، للقطع بسقوط أمرها إما للامتثال أو لخروج الوقت فلاحظ .


   (2) لانكشاف وقوع الصلاة إلى جهة القبلة بعلم أو علمي ـ وهو التحري المقرر في ظرف الجهل ـ فيسقط الأمر لا محالة ، ومعه لا موضوع للإعادة التي لو أرادها فالى نفس تلك الجهة ، فانها بلا إفادة ، ولا معنى للامتثال عقيب الامتثال .


   (3) إذ لا مقتضي له بعد حصول الغرض وسقوط الأمر .


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) هذا في غير الصلاة الأخيرة ، والمتعيّن فيها إتيانها عصراً .


ــ[482]ــ


ولو علم أو ظن بعد الصلاة الى جهتين أو ثلاث أنّ كلها إلى غير القبلة ، فان كان فيها ما هو ما بين اليمين واليسار كفى والا وجبت الاعادة(1) .


 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


   (1) يقع الكلام تارة في بيان الصغرى واُخرى في حكم الكبرى .


   أما الصغرى : فقد أسلفناك سابقاً أنه بناءً على أن ما بين المشرق والمغرب قبلة للجاهل تكفي الصلاة إلى ثلاث جهات بتقسيم الاُفق إلى ثلاث نقاط متساوية وإيقاع الصلاة نحو كل نقطة ، فلو فعل هكذا أو بنينا على لزوم الصلاة إلى أربع جهات ولكنه صلى ثلاثاً منها على هذا النمط نظراً إلى كفاية الخطوط المتقاطعة وعدم اعتبار كونها متقابلة ـ كما هو خيرة الماتن وهو الأظهر على ما مر(1) ـ فحينئذ قد صلى إلى ما بين اليمين واليسار يقيناً لو لم تكن إلى نفس القبلة ، ضرورة أن الفصل بين كل نقطة مع الاُخرى مائة وعشرون درجة ، وهي أقل من مقدار الانحراف ما بين اليمين واليسار البالغ مائة وثمانين درجة .


   وإن شئت فقل : إن غاية الانحراف حينئذ ستون درجة ، وهي أقل مما دون التسعين المغتفرة ما بين اليمين واليسار . إذن فافتراض عدم وقوع شيء مما صلاه نحو الجهات الثلاث لا إلى القبلة ولا إلى ما بين اليمين واليسار ممتنع على هذا التقدير ، ولا صغرى له بتاتاً .


   وإنما تتحقق الصغرى فيما لو قلنا بلزوم الصلاة إلى أربع جهات متقابلة بحيث تتشكل منها زوايا قوائم أربع متساوية بفاصل تسعين درجة بين كل زاوية مع اُختها ، فانه على هذا لو صلى إلى ثلاث من تلك الجهات كالمشرق والمغرب والشمال وانكشف وقوع القبلة على نقطة الجنوب فان الصلاة حينئذ لم تقع لا إلى القبلة ولا إلى ما بين اليمين واليسار . ولو كان قد صلى إلى جهتين فقط فالأمر أوضح .


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) في ص 462 .


ــ[483]ــ


   [1244] مسألة 16  : الظاهر جريان حكم العمل بالظن مع عدم إمكان العلم والتكرار((1)) إلى الجهات مع عدم إمكان الظن في سائر الصلوات غير اليومية بل غيرها (1)، مما يمكن فيه التكرار(2) كصلاة الآيات (3) وصلاة الاموات ، وقضاء الأجزاء المنسية وسجدتي السهو((2)) وان قيل في صلاة الأموات بكفاية الواحدة عند عدم الظن مخيراً بين الجهات أو التعيين بالقرعة ، وأما فيما لا يمكن فيه التكرار كحال الاحتضار والدفن والذبح والنحر ، فمع عدم الظن يتخيّر ، والأحوط القرعة .


 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


   وأما الكبرى : وهي أن القائل بوجوب الصلاة إلى أربع جهات هل يمكنه القول باغتفار الانحراف بمقدار لا يبلغ حد اليمين واليسار فالظاهر أنه لا سبيل إلى ذلك ، فانّ أساس الالتزام بهذا القول هو عدم اغتفار الانحراف بأكثر من خمس وأربعين درجة التي هي ثمن الدائرة ، إذ لولا ذلك لم يكن ثمة أيّ مقتض للالتزام بالصلاة إلى أربع جهات ، بل تكفي الثلاث بتقسيم الاُفق إلى أقسام متساوية حسبما عرفت آنفاً من أنّ الانحراف حينئذ أقل من مائة وثمانين درجة التي هي مقدار الانحراف ما بين اليمين واليسار .


   والمتحصل : أنّ من يرى وجوب الصلاة إلى أربع جهات لا يمكنه الالتزام كبروياً باغتفار الانحراف بما لا يصل إلى اليمين واليسار ، بل يختص بما دون خمس وأربعين درجة فلاحظ .


   (1) أي غير الصلوات .


   (2) كقضاء الأجزاء المنسية .


   (3) تمثيل لسائر الصلوات .


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) مرّ عدم لزوم التكرار حتى في الصلوات اليوميّة .


(2) هذا مبني على اعتبار الاستقبال فيهما .


ــ[484]ــ


   والذي ينبغي أن يقال في المقام : إن غير الصلوات اليومية مما يعتبر فيه الاستقبال ـ سواء أكانت صلاة أيضاً كصلاتي الآيات والأموات أم لا ، كقضاء الأجزاء المنسية وسجدتي السهو على القول باعتبار الاستقبال فيهما ، والذبح والدفن ونحوها ـ تارة يفرض حصول الظن في موردها واُخرى لا .


   أما في الأول فلا مانع من العمل بالظن أخذاً باطلاق صحيح زرارة : «يجزئ التحري أبداً إذا لم يعلم أين وجه القبلة»(1) ، إذ لا قصور في شمول إطلاقه لها كما لا يخفى .


   وأما في الثاني فينبغي التفصيل بين ما كان المعتبر فيه هو التوجه نحو القبلة كصلاة الآيات والأموات وقضاء الأجزاء المنسية ونحوها وبين ما كان المعتبر فيه التوجيه نحوها لا التوجه كحال الاحتضار والدفن والذبح ، حيث إن اللازم توجيه المحتضر والميت والحيوان نحو القبلة .


   أما في القسم الأول فالظاهر أنه لا مجال للتكرار إلى أربع جهات حتى لو سلمنا ذلك في الصلوات اليومية ـ ولا نسلمه كما تقدم(2) ـ إذ المستند لهذا القول إنما هو مرسل خراش(3) ، ولا ينبغي الشك في أن منصرفه الصلوات اليومية ، ومع الغض فلا أقل أن مورده الصلاة ، فلا وجه للتعدي إلى غيرها .


   ودعوى أن ذكر ذلك من باب المثال كما ترى ، فانها غير بينة ولا مبينة . إذن فلا إطلاق له ليصح التمسك به . ومعه لا مانع من القول بكفاية التوجه إلى جهة واحدة أخذاً باطلاق قوله (عليه السلام) في صحيح زرارة ومحمد بن مسلم : «يجزئ المتحير أبداً أينما توجه إذا لم يعلم أين وجه القبلة»(4) بعد وضوح أن إطلاقه غير قاصر الشمول لغير الصلوات اليومية أيضاً مما تعتبر فيه القبلة .


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) الوسائل 4 : 307 / أبواب القبلة ب 6 ح 1 .


(2) في ص 436 .


(3) المتقدم في ص 437 .


(4) الوسائل 4 : 311 / أبواب القبلة ب 8 ح 2 .


ــ[485]ــ


   [1245] مسألة 17  : إذا صلى من دون الفحص عن القبلة إلى جهة غفلة أو مسامحة يجب إعادتها إلا إذا تبين كونها القبلة((1)) (1) مع حصول قصد القربة منه .


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


   وأما في القسم الثاني فان لم يمكن التأخير إلى زمان إحراز القبلة بعلم أو علمي كما في حالة الاحتضار أو الدفن كان مقتضى القاعدة حينئذ الاكتفاء بجهة واحدة لا للصحيح المتقدم ، لاختصاصه بالتوجه دون التوجيه المبحوث فيه ، بل لحكومة العقل بلزوم التنزل إلى الموافقة الاحتمالية بعد تعذر القطعية .


   وإن أمكن ـ كما في الذبح أو النحر ـ من دون ضرورة تدعو إلى التعجيل فالذي يبدو في بادئ النظر وإن كان هو لزوم التأخير إلى زمان التمكن من تحصيل القبلة تحفظاً على رعاية الشرط مهما أمكن ، إلا أنه لا يبعد القول بكفاية التوجيه إلى ما يحتمل كونه قبلة ، نظراً إلى ما يستفاد من بعض النصوص من اختصاص المنع بتعمد الذبح إلى غير القبلة ، وأنه لا مانع من الأكل في غير صورة العمد ، ففي صحيح ابن مسلم قال : «سألت أباعبدالله (عليه السلام) عن ذبيحة ذبحت لغير القبلة ، فقال : كل ، ولا بأس بذلك ما لم يتعمده»(2) ونحوها غيرها . وبذلك يرتكب التقييد في إطلاق النصوص الاُخر الدالة على اعتبار الاستقبال على الإطلاق .


   وأما احتمال الرجوع إلى القرعة فغير سديد ، لعدم الدليل على حجيتها بقول مطلق بحيث يتناول المقام ، وإنما الثابت اعتبارها في الجملة وبنحو الموجبة الجزئية كما في الأموال المشتبهة ونحوها مما قام عليه الدليل حسبما هو محرّر في محله .


   (1) أو ما بين المشرق والمغرب كما سيأتي التعرض لذلك في أحكام 


ــــــــــــــــــــــــــــ


(1) بل لو تبيّن وقوعها إلى ما بين المشرق والمغرب صحّت أيضاً .


(2) الوسائل 24 : 28 / أبواب الذبائح ب 14 ح 4 .


ــ[486]ــ


الخلل إن شاء الله تعالى ، نعم مورد المسامحة غير مشمول لذاك الدليل كما لا يخفى ، ومقتضى القاعدة حينئذ هو الحكم بالبطلان ما لم تنكشف المطابقة مع الواقع فلاحظ .


   هذا تمام الكلام حول فصل القبلة ويقع الكلام بعد ذلك في فصل (فيما يستقبل له) والحمد لله رب العالمين .