379 / Font -- Reset Font ++
كلمة المؤسسة
مقدمة موسوعة الإمام الخوئي
مقدمة المؤلف
الإجتهاد والتقليد
مباحث الاجتهاد
في أنّ وجوب الاجتهاد وعدليه عقلي أو شرعي
كلّ مكلّف يجب أن يكون مجتهداً أو مقلِّداً أو محتاطاً
تعريف الاجتهاد
ترتّب الآثار على المجتهد غير المستنبط فعلاً
مبادئ الاجتهاد
أقسام الاجتهاد
الاجتهاد بالقوّة والملكة
رجوع المجتهد بالقوّة إلى الغير
الرجوع إلى المجتهد بالقوّة
التجزِّي في الاجتهاد
رجوع المتجزِّي إلى الغير
الرجوع إلى المتجزِّي
التخطئة والتصويب
مباحث الإجزاء
أدلّة الإجزاء
هل الاُمور الثلاثة في عرض واحد؟
وجوب الاجتهاد كفاية
مباحث الاحتياط
الاحتياط في المعاملات
الاحتياط في العبادات غير المستلزم للتكرار
تفصيل المحقِّق النائيني في جواز الاحتياط
أقسام الاحتياط
حكم الاحتياط المستلزم للتكرار
التقليد في مسألة جواز الاحتياط
التقليد في الضروريّات واليقينيّات
مباحث التقليد
العمل بلا تقليد واحتياط
معنى التقليد
معنى التقليد عند اختلاف الفتاوى
مسألة التقليد ليست تقليديّة
أدلّة جواز التقليد
الآيات الناهية عن التقليد
اشتراط الحياة في المرجع
تقليد الميِّت ابتداءً
أدلّة جواز تقليد الميِّت ابتداءً
أدلّة عدم جواز تقليد الميِّت ابتداءً
البقاء على تقليد الميِّت
أدلّة جواز البقاء على تقليد الميِّت
إشتراط العمل في جواز البقاء على تقليد الميِّت
إشتراط الذُكر في جواز البقاء على تقليد الميِّت
أحكام العدول من مجتهد إلى آخر
العود إلى الميِّت بعد العدول إلى الحي
العدول عن الحيّ إلى الحيّ
التخيير عند تساوي المجتهدين
أدلّة القول بجواز العدول
أدلّة القول بعدم جواز العدول
تقليد الأعلم
أدلّة عدم وجوب تقليد الأعلم
أدلّة وجوب تقليد الأعلم
الشك في حجيّة فتوى غير الأعلم
وجوب الفحص عن الأعلم
التخيير عند تساوي المجتهدين
إستحالة الحجيّة التخييريّة
الترجيح بالأورعية
إذا لم يكن للأعلم فتوى
تقليد الأعلم في مسألة البقاء
حكم عمل الجاهل القاصر والمقصِّر
معنى الأعلم
تقليد غير الأعلم فيما توافق مع الأعلم
طرق ثبوت الاجتهاد
شروط المرجع
1- البلوغ
2- العقل
3- الإيمان
4- العدالة
5- الرجوليّة
6- الحريّة
7- الاجتهاد المطلق
8- الحياة
9- الأعلميّة
10- طهارة المولد
11- أن لا يكون مقبلاً على الدنيا
تنبيهات
1- اعتبار الشروط في المرجع بقاءً
2- الاستنباط من الطّرق غير المتعارفة
تقليد المجتهد القائل بالانسداد
3- التقليد في موارد استناد المجتهد إلى الأمارات
الرجوع إلى المجتهد في موارد الاُصول العمليّة
4- حكم تعذّر الرجوع إلى المجتهد الجامع للشرائط
معنى العدالة
العدالة والصغائر
العدالة والمروّة
كاشفيّة حسن الظاهر عن العدالة
طرق ثبوت العدالة
زوال شروط المرجع
إذا قلّد من يحرِّم البقاء على تقليد الميِّت فمات وقلّد من يجوِّز البقاء
وجوب التعلّم
تعلّم مسائل الشك والسّهو
نسبة فسق تارك تعلّم الأحكام إلى الأنصاري (قدِّس سرِّه)
التقليد في المستحبّات والمكروهات
عدم جواز البقاء على رأي المجتهد مع تبدّل فتواه
حكم التقليد مع تساوي المجتهدين
التبعيض في التقليد
إذا قلّد شخصاً بتخيّل أ نّه زيد فبان عمراً
الفارق بين الداعي والتقييد
معنى الاشتراط
طرق ثبوت الفتوى
تقليد من ليس أهلاً للفتوى
تعذّر معرفة الأعلم
الشك في موت المجتهد أو في تبدّل رأيه
العمل بلا تقليد
شمول حديث لا تعاد للجاهل المقصِّر
دوران الفائت بين الأقل والأكثر
الشك في صحّة التقليد
إذا قلّد مجتهداً ثمّ شكّ في أ نّه جامع للشرائط أم لا
فتوى من لا أهليّة له للفتوى
قضاوة من لا أهليّة له للقضاء
اعتبار الاجتهاد في القاضي
عدم نفوذ حكم من لا أهليّة له للقضاء
المال المأخوذ بحكم من لا أهليّة له للحكم
اعتبار العدالة في القاضي
إذا مضت مدّة فشك في أنّ أعماله كانت عن تقليد صحيح أم لا
التقليد في مسألة تقليد الأعلم
إذا كان هناك مجتهدان أحدهما أعلم في مورد والآخر في مورد آخر
الخطأ في نقل الفتوى
ابتلاء المصلِّي بمسألة يجهل حكمها
وجوب الاحتياط في زمان الفحص عن المجتهد أو الأعلم
إنعزال الوكيل بموت المجتهد
البقاء على تقليد الميِّت بلا رجوع إلى الحيّ
إذا قلّد مجتهداً يخالف نظره فتوى من قلّده سابقاً
الوكيل في العمل عن الغير
إختلاف المتعاملين تقليداً أو اجتهاداً
تعيين الحاكم في المرافعات
نقض حكم الحاكم
تبدّل الرأي بعد نقل الفتوى
تعارض الناقلين في نقل الفتوى
إذا عرضت مسألة لا يعلم حكمها ولم يكن الأعلم حاضراً
تعاقب تقليد الأموات
ما هو المحقق للتقليد
أقسام الاحتياط في الرسائل العملية
التبعيض في التقليد
مورد التقليد ومحلّه
1- التقليد في اُصول الدين
2- التقليد في الموضوعات الصرفة
3- التقليد في الموضوعات المستنبطة
4- التقليد في مبادئ الاستنباط
5- التقليد في اُصول الفقه
عدم اعتبار الأعلميّة في المجتهد لغير التقليد
ولاية الفقيه المطلقة
أدلّة ولاية الفقيه
ولاية الفقيه في الاُمور الحسبيّة
اعتبار الأعلميّة في القاضي
إذا تبدّل رأي المجتهد هل يجب اعلام المقلدين
تقليد المجتهد غير العادل أو مجهول الحال
ثبوت الفتوى بالظنّ
فهرس الموضوعات
  ١- التنقيح في شرح العروة الوثقى - ج١ - ج1       م1  
التنقيح في شرح العروة الوثقى تقريرا لأبحاث الأستاذ الأعظم سماحة آية الله العظمى السيد ابوالقاسم الموسوي الخوئي (قدس سره) (1317-1413هـ) التقليد تأليف آية الله الشهيد الشيخ ميرزا علي الغروي
  ١- التنقيح في شرح العروة الوثقى - ج١ - ج1       م2  
جميع الحقوق محفوظه ومسجّلة لمؤسسة الخوئي الإسلامية الجزء: الأول الناشر: مؤسسة الخوئي الإسلامية تاريخ الطبع: 1434هـ، 2013 م الطبعة: الخامسة info@alkhoei.net www.alkhoei.net www.alkhoei.com
  ١- التنقيح في شرح العروة الوثقى - ج١ - ج1       م3  

كلمة المؤسسة


بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ كلمة المؤسسة
مؤسسة الخوئي الإسلامية هي مؤسسة فكرية ثقافية علمية تعنى بنشر الثقافة والفكر الإسلامي السمح تطبيقاً لمنهج رسول الرحمة محمد صلى الله عليه واله وأهل بيته؛ كان تأسيسها سنة 1417هجري ومن اهتماماتها الرئيس إحياء ونشر آثار الإمام الخوئي قدس سره الفكرية والعلمية وغيرها من جميع الجهات. يعرفُ الكل الإمام الخوئي قدس سره بلقب زعيم الحوزة العلمية وهذا اللقب جاء له من الإمام السيد محسن الحكيم قدس سره لأسباب من جملتها أنه أجتمع عند الإمام الخوئي قدس سره الآلاف من العلماء والفضلاء والمجتهدين فقرروا دروسه وألّفوا في ذلك العديد من المؤلفات – بالإضافة إلى ما سجّله قلمه الشريف – التي أصبحت تلك الكتب اليوم مصدراً ومدار البحث العلمي والتدريس في الحوزات العلمية الشيعية حيث لا يستغني عن مراجعتها أحد. مما فرض على مؤسسة الخوئي الإسلامية أن تنهض بإخراج هذه الآثار العلمية في مسلسلات فقهية وأصولية وتفسيرية – من أبحاث الإمام الخوئي قدس سره التي ألقاها على الفضلاء من طلاب الحوزة العلمية في النجف الأشرف – بتنسيق فريد ومزايا تليق بهذا المستوى من الآثار العلمية. وكان شروعه قدس سره بتدريس الفقه من فروع العروة الوثقى للسيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي رحمه الله في 27– ربيع الأول من سنة 1377هجري مبتدئاً بكتاب الاجتهاد والتقليد. كما كان شروعه قدس سره بتدريس علم الأصول في سنة 1352هجري. موسوعة الإمام الخوئي: تقدم المؤسسة موسوعة الإمام الخوئي في خمسين مجلداً من أبحاث فقهية وأصولية وتفسيرية ومجموعة من الرسائل العلمية في مجلدات مترابطة وهي كما يلي: 1- التنقيح في شرح العروة الوثقى: تقرير آية الله الشهيد الشيخ ميرزا علي الغروي رحمه الله في مجلد واحد يبحث عن الاجتهاد والتقليد وتسع مجلدات في الطهارة. 2- المستند في شرح العروة الوثقى: تقرير آية الله الشهيد الشيخ مرتضى البروجردي رحمه الله في عشر مجلدات تبحث عن الصلاة ومجلدان في الصوم ومجلدان في الزكاة ومجلد واحد في الخمس ومجلد واحد في الإجارة. 3- المعتمد في شرح العروة الوثقى وفي شرح المناسك: تقرير آية الله الشهيد السيد محمد رضا الموسوي الخلخالي رحمه الله في أربع مجلدات تبحث في الحج. 4- المباني في شرح العروة الوثقى: تقرير العلامة الشهيد حجة الإسلام والمسلمين السيد محمد تقي الخوئي رحمه الله في مجلدين تبحث في النكاح ومجلد واحد في المضاربة والمساقاة. 5- الفهارس العامة: في مجلد واحد وهي فهارس شرح العروة الوثقى من إخراج وتحقيق اللجنة العلمية. 6- مصباح الفقاهة: تقرير آية الله الشيخ ميرزا محمد علي التوحيدي رحمه الله مجلد واحد يبحث في المكاسب المحرمة. 7- التنقيح في شرح المكاسب: تقرير آية الله الشهيد الشيخ ميرزا علي الغروي رحمه الله في مجلدين يبحث البيع وثلاث مجلدات في الخيارات. 8- مباني تكملة المنهاج: وهو من تأليف الإمام الخوئي قدس سره يبحث في مجلدين شرح تكملة منهاج الصالحين في القضاء والشهادات والحدود والقصاص والديات. 9- محاضرات في أصول الفقه: تقرير آية الله الشيخ محمد اسحاق الفياض حفظه الله يبحث في أربع مجلدات مباحث أصول الفقه قسم الألفاظ. 10- مصباح الأصول: تقرير آية الله الشهيد السيد محمد سرور الواعظ البهسودي رحمه الله يبحث في مجلدين مباحث أصول الفقه قسم الحجج والأصول العملية. 11- مجمع الرسائل: تشتمل على ست رسائل علمية في مواضيع مختلفة وهي كالتالي: أ- رسالة في الرضاع: تقرير آية الله الشيخ محمد تقي الإيرواني رحمه الله وآية الله السيد محمد مهدي الموسوي الخلخالي حفظه الله. ب- رسالة في الأرث: تقرير العلامة حجة الإسلام والمسلمين الشيخ محمد الجواهري حفظه الله. ج- رسالة في الأمر بين الأمرين: تقرير آية الله الشيخ محمد تقي الجعفري رحمه الله يبحث في موضوع كلامي. د- رسالة في كليات علم الرجال: تأليف الإمام الخوئي قدس سره. و- رسالة في نفحات الإعجاز: تأليف الإمام الخوئي قدس سره. ي- رسالة في اللباس المشكوك: تأليف الإمام الخوئي قدس سره. 12- البيان في تفسير القرءآن: مدخل لعلوم القرءآن الكريم وتفسير سورة الفاتحة تأليف الإمام الخوئي قدس سره. وبهذه تتم موسوعة الإمام الخوئي في خمسين مجلداً. مزايا هذه الموسوعة: 1- بذل الجهد في تقويم المتن والشرح وضبطه وتصحيحه مع التحفظ والتحرز – مهما أمكن – على حفظ نصوص هذه الكتب وأسلوبها البياني. 2- تحديد النصوص وجعل العلامات المناسبة لها. 3- ضبظ وإلحاق تعليقات الإمام الخوئي قدس سره على حاشية العروة الوثقى. 4- تخريج الآيات القرءانية والأحاديث الشريفة والأقوال والآراء وغيرها وإرجاعها إلى مصادرها الأصلية. وتعيين ما أشير إليه في الكتب من صفحات حول: ( ما تقدم ) و( ما يأتي ) وما أحيل فيه إلى سائر الأبحاث الفقهية والأصولية والرجالية والتفسيرية وغيرها. 5- تنظيم فهارس عامة لمجلدات شرح العروة الوثقى تشمل أهم موضوعات الكتب ومصادرها وآياتها ورواياتها. هذا وقد قمنا بتشكيل لجان مختلفة للتحقيق والتنقيح؛ منها اللجنة العلمية ولجنة المقابلة ولجنة إستخراج المصادر ولجنة الطباعة ولجنة تقويم النص وغيرها من اللجان؛ وقد شاركنا في هذا المجهود العظيم والكبير عدة من فضلاء ومحققين وأساتذة الحوزة العلمية حيث لا يسعني إلا تقديم الشكر الجزيل والثناء العظيم لهم وأدعوا الله عزوجل أن يحفظهم جميعاً وجزاهم الله خير الجزاء. أرى من اللازم عليّ أن أخص بالشكر منهم سماحة العلامة حجة الإسلام والمسلمين الشيخ محمد صادق سيبويه حفظه الله حيث كان له الدور والمجهود الكبير في تحقيق وإخراج هذه الموسوعة بهذه الحلة الجديدة فلله دره وعليه أجره. وهناك نشاطات أخرى للمؤسسة نذكر جملة منها: 1- إعداد وتنظيم الأشرطة الصوتية لبحث الخارج للإمام الخوئي قدس سره لعلم الأصول الدورة السابعة وهي الأخيرة ولجملة من أبواب الفقه. 2- طبع كتب من جملتها: منهاج الصالحين بجزئيه؛ المسائل الشرعية بجزئيه، مناسك الحج مع بعض الملحقات، المسائل المنتخبة، رثاء القيم إرجوزة في الإمامة، توضيح المسائل؛ استفتاءات والأخيران باللغة الفارسية وكل هذه الكتب من تأليف الإمام الخوئي قدس سره. كما طبعنا بعض تقارير درسه الشريف لبعض طلابه التي لم نضعها في الموسوعة وهي: مصابيح الأصول تقرير آية الله الشهيد السيد علاء الدين بحر العلوم رحمه الله؛ في مجلد واحد من مباحث الألفاظ لعلم الأصول. جواهر الأصول تقرير آية الله الشيخ فخر الدين الزنجاني حفظه الله؛ 3- تأسيس موقع ألكتروني يحتوي على تراث الإمام الخوئي قدس سره العلمي والفكري والإجتماعي والمؤسساتي والسياسي وغيرها حيث بذلنا ما بوسعنا ليحتوي على كل مايتعلق بالإمام الخوئي قدس سره من نشاط؛ ويوجب سهولة الإستفادة من كل هذا التراث الكبير والكم الهائل من الكتب والأشرطة وغيرها. 4- الإجابة على الأسئلة الشرعية التي تردنا من مقلدي الإمام الخوئي قدس سره من أنحاء العالم بواسطة لجنة شرعية من أساتذة الحوزة العلمية. 5- المشاركة في المؤتمرات والندوات العلمية والفكرية التي تدعوا إلى الحوار بين الأديان والتقريب بين المذاهب الإسلامية وإشاعة روح التعايش والسلم؛ ترسيخاً لمنهج وفكر مدرسة الإمام الخوئي قدس سره ومدرسة النجف الأشرف. 6- تأسيس مركز دراسات وأرشفة حياة الإمام الخوئي قدس سره ونشاطاته وكل ما يتعلق به. هذا ولا يفوتنا التنبيه على أن هذه الطبعة الرابعة من موسوعة الإمام الخوئي مزوّدة بجدول الخطأ والصواب وتصحيح بعض الأخطاء السابقة مما زاغ عنه البصر. وفي الختام نسأل المولى العلي القدير أن يتقبل هذا الجهد منا ومن الجميع وان يسجّله في صحيفة أعمالنا آمين رب العالمين مؤسسة الخوئي الإسلامية جواد الخوئي 13/رجب/1430
  ١- التنقيح في شرح العروة الوثقى - ج١ - ج1       م4  

مقدمة موسوعة الإمام الخوئي


للعلامة السيد مرتضى الحكمي
المرجعيّة بدايتها ونهايتها. مقوّمات المرجعية ومراحلها. دعم مدرسة أهل البيت (عليهم السّلام). ركائز الحكم الإسلامي. مفهوم النيابة العامّة. مفهوم الولاية المطلقة. الولاية في القرآن. مناقشات حول الولاية المطلقة. ولاية الفقيه. المرجعيّة العُليا. مُعطيات مرجعيّة الإمام الخوئي العُليا. مسؤوليّات مرجعيّة الإمام الخوئي. بين الحكومة الإسلامية وحاكميّة الإسلام. حياته السياسيّة. خصائصه السلوكيّة والذاتيّة. سياسته الحوزويّة. سياسته الفتوائيّة. واقع الاجتهاد عند الإمام الخوئي. موقف الإمام الخوئي من الاجتهاد السياسي. الاتجاهات التجدّديّة. منهجيّة الإمام الخوئي في إحياء العلوم. إبداعاته في علوم القرآن. النهج التفسيري للإمام الخوئي. موضوع الناسخ والمنسوخ. إعجاز القرآن على مفهوم جديد. نزعة التعايش المذهبيّ في تفسيره. وجهات النظر حول تفسير البيان. تفاعلات حول القراءات والأحرف السبعة. مردودات الباحثين. اشادات المعنيِّين بعلوم القرآن. من إبداعاته في الأُصول. من إبداعاته في الفقه والقواعد الفقهيّة. من إبداعاته في الفلسفة الإسلامية. من إبداعاته في علم الرِّجال. خاتمة المطاف. عوداً على بدء.
  ١- التنقيح في شرح العروة الوثقى - ج١ - ج1       م5  
بسم اللََّه الرّحمََن الرّحيم
الإمام الخوئي قائداً للدِّين ورائداً للعلم(1)
الواقع: إنّ الإشادة بشخصيّة الإمام الخوئي الكفوءة، ذات الأبعاد الشاسعة، المشحونة بالروائع والأحداث، وملابسات الأُمور يصعب الإلمام بها، والبتّ فيها. فإن أوفى المتحدِّث عن تاريخ حياته العامّة، فإنّه يقصر عن الإيفاء بمكانته العلمية، وإن استطاع أن يلم بقدر من ذلك، فإنّه يذهل أمام بطولاته الجهادية والسياسية، ومجمل مواهبه، وميزاته، وعبقريّاته. والحق: أنّ حياة الإمام الخوئي كلّها مزايا علميّة، وجهاديّة، وسلوكيّة تفرّد بها، كما تفرّد بما اُوتي من إبداعات علميّة، كشفت عمّا وهبه اللََّه من قوّة الابتكار، وعمق التفكير، وتوقّد الذهن، ودقّة النظر، تلك العوامل التي كوّنت منه الشخصيّة الملهمة، وجمعت فيه عناصر النبوغ في العلوم العقليّة والنقليّة، على مستوى القمّة من العلم والإبداع. كان يتحلّى‏ََ بالجهد في رفع مستوى العلم والاجتهاد، تذوب زعامته في الجهاد العلمي والسياسي والاجتماعي، ودعم الصحوة الإسلاميّة بالرِّيادة والقيادة. تنزع شخصيّته إلى الوحدة الإسلاميّة، والتعايش المذهبيّ في توحيد ثقافة المسلمين، وعقيدتهم بالثوابت من الإسلام، حاول في كلّ ذلك بلورة العقائد الإسلامية المأثورة حتّى أصبح موئلاً للمسلمين.
_______________________________
(1) وُلِدَ عام 1317 هـ، وتوفِّي عام 1413 هـ.
  ١- التنقيح في شرح العروة الوثقى - ج١ - ج1       م6  
المرجعيّة ‫-‬ بدايتها ونهايتها:
بدأت المرجعيّة في الإسلام بالرجوع إلى النبيّ (صلّى اللََّه عليه وآله) والأئمّة (عليهم السّلام)، فيما شرّعه اللََّه في هذه الآيات‏ (فَلاََ وَرَبِّكَ لاََ يُؤْمِنُونَ حَتََّى يُحَكِّمُوكَ فِيمََا شَجَرَ بَيْنَهُمْ...) (1) (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى اَلرَّسُولِ وَإِلى‏ََ أُولِي اَلْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ اَلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ...) (2) لخلافتهم عن الرسول، وبما أودعهم من علم وقضاء وحكم، ثمّ إلى النوّاب الأربعة في النيابة الخاصّة في الغيبة الصغرى‏ََ، ثمّ إلى الأمثل من الفقهاء الذين حقّت أهليّتهم للنيابة العامّة في عصر الغيبة الكبرى. وبذلك يحقّ لنا أن نقول: بدأ الدِّين بالوحي والبلاغ، وانتهى إلى الفتوى والتقليد، وبتعبير آخر بدأ بالتمسّك بالرسالة الإلََهيّة، وخُتِمَ بالأخذ من الرسالة العمليّة للفقهاء.
مقوّمات المرجعية ومراحلها:
1- المرجعيّة الدينيّة: وتستلزم القدرة على الاجتهاد والإفتاء، وتيسير الأحكام للمكلّفين. 2- المرجعيّة العلميّة: وتتطلّب التأهّل لإدارة الحوزة العلمية، ورفع مستواها، ومحاولة تطوير العلوم الإسلامية، وتحويرها، بما يُلقى‏ََ عليها من دروس اجتهاديّة حرّة مستجدّة، في مباني الفقه والأُصول، والتفسير، والرِّجال وهي من معدّات الاجتهاد وبما يعدّ لها من أبحاث، ومجتهدين. 3- المرجعيّة العامّة: وتتحقّق بالتأهّل لتلك المقوّمات العلميّة والدينيّة، لتكون قاعدة صلدة، قادرة على أداء مسؤوليّاتها، في تقوية الدين والإيمان، والثّبات عليه. 4- المرجعيّة العُليا: وتستقر على ركائز القيادة العامّة، التي تميِّزها الأعلميّة، والاقتدار الفائق على حفظ رقعة الإسلام، وتحصّن المسلمين، في مختلف الأحداث العالميّة التي تهدِّدهم وتهدفهم، وتحاول الإطاحة بهم، وتعمل على نهب ثرواتهم، وسحق‏
_______________________________
(1) النساء: 65. (2) النساء: 83.
  ١- التنقيح في شرح العروة الوثقى - ج١ - ج1       م7  
مقدّساتهم، والتّلاعب بمقدّراتهم، كما تمكِّنهم من الوقوف صفّاً واحداً، ويداً واحدة على أعدائهم، بالتماسك، والنفر، والجهاد، والوقوف وراء هذه المرجعيّة العليا التي تميّزت بأفضل ما تميّزت به المرجعيّات الأُخرى‏ََ، وأن تعدّ لهم ما استطاعوا من قوّة، وفي مقدّماتها وحدة الكلمة ووحدة القيادة، والتمسّك بكلمة التوحيد. وعلى ذلك تدرّج الإمام الخوئي من مرحلة إلى أُخرى، حتّى حاز المرجعيّة العُليا، بجَدارة، وتفوّق، وحتّى قاد الثورة على الظلم والطّغيان. وهكذا تدرّج الإمام الخوئي، في نبوغه طالباً للعلم، ثمّ اُستاذاً للعلوم، ثمّ محقِّقاً يعدّ المجتهدين، ثمّ زعيماً يقود المسلمين في العالم الإسلامي. فكان السيد الخوئي في مرجعيّته العالميّة شديد الاحتياط في الدين، وشديد الحذر والتحفّظ في السياسة، وحديد النظر فيما يجري من أُمور، لا يقدم على شي‏ء يستغلّه الحكّام في مجرى السياسة وحركاتها. وبقي طيلة حياته؛ مدافعاً عن الإسلام والمسلمين، مُسانداً للحوزات العلميّة من أن تمتد إليها يد الاستعمار وأذنابه بالتحرّف.
دعم مدرسة أهل البيت:
ومن الثابت أنّ لأهل البيت (عليهم السّلام) مدرسة وطريقة، وليست مذهباً كسائر المذاهب التي نجمت عن اجتهاد المجتهدين، وما يُسمّى‏ََ بمذهب أهل البيت (عليهم السّلام) تجوّزاً ليس إلّا واقع الإسلام، واصلة الذي بنى‏ََ عليه الرسول رسالته التشريعيّة والاعتقاديّة. فإنّ أهل البيت (عليهم السّلام) ليسوا إلّا حملة الرسالة وحُماتها، لا يختلفون في أقوالهم وأفعالهم عمّا جاء به الرسول (صلّى اللََّه عليه وآله)، ولذلك اقتضت عصمتهم وإمامتهم بعد الرسول (صلّى اللََّه عليه وآله)، وكانوا أحد الثّقلين المتماثلين الّذين يجب التمسّك بهما. والواقع: انّهم ليسوا برواة كغيرهم بل هم يفرغون عن سنّة النبيّ (صلّى اللََّه عليه وآله)، تلك التي ضاعت بين السّنن، والمذاهب فأكّدوا عليها من غير رأي أو اجتهاد. وكان الإمام الخوئي يسعى‏ََ جاهداً في أداء ما مضى عليه أهل البيت (عليهم السّلام). وكان‏
  ١- التنقيح في شرح العروة الوثقى - ج١ - ج1       م8  
يتعامل مع هذه المسئولية على مستوى ما يتطلّبه عصره، من فهم وتحليل، وإبداع في العلوم الإسلامية، وقيام بالنيابة العامّة، كما أحيى بفقاهته فقه آل محمّد في عصره. ويصرِّح في عقيدته الولائية لأهل البيت (عليهم السّلام) عن عليّ وفاطمة وابنتهما (عليهم السّلام) بقوله: 1- عليّ بن أبي طالب: (انّه بمنزلة نفس الرسول الأكرم (صلّى اللََّه عليه وآله) وخليفته المنصوص عليه، في حديث الغدير، وغيره). 2- فاطمة الزهراء: (وهي معصومة بضرورة مذهبنا، ولو لا عليّ لما وجد لها كفؤ، لأنّها سيِّدة نساء العالمين، على ما نطقت به الروايات). 3- زينب: (انّها شريكة أخيها الحسين (عليه السّلام) في الذبّ عن الإسلام، والجهاد في سبيل اللََّه، لا تخضع عند الجبابرة...تقول حقّا وصِدقاً)(1). وانبرى الإمام الخوئي للإشادة بشيخ الأزهر الشريف على فتواه الشهيرة في جواز التعبّد بالمذهب الخامس الإماميّ، فقهاً وعقيدةً، دعماً للوحدة بين المسلمين، ولمدرسة أهل البيت (عليهم السّلام)، ولحقِّهم المُضاع.
ركائز الحكم الإسلامي:
وعلى ضوء انّ الدين الإسلامي دين خالد، كان ينبغي أن يؤزر بحجّة خالدة هما القرآن والعترة (عليهم السّلام)، ويعزّز بحكم إسلامي يرتكز على الإمامة والنيابة العامّة. ومن هذا المنطلق: يحقّ لنا أن نعرف: إنّ النيابة العامّة هي التي صدرت عن الإمام الغائب، وهي الّتي أعطت الولاية العامّة للنوّاب، وهي التي أوجدت المرجعيّة القائمة. ولهذا حقّ لنا أن نبحث عن أُمور ثلاثة على الترتيب: 1- النيابة العامّة 2- الولاية المطلقة 3- المرجعيّة العُليا.
_______________________________
(1) معجم رجال الحديث وطبقات الرّواة، بتقديم الكاتب، انظر تراجم رقم 7850 و15661 و15625.
  ١- التنقيح في شرح العروة الوثقى - ج١ - ج1       م9  
الأوّل - مفهوم النيابة العامّة:
ولا بدّ لنا من الخوض في تفصيل ذلك، من أن نطرح قبل كل شي‏ء موضوع النيابة العامّة التي نشأت عنها الولاية والمرجعيّة، واحدة تلو الأُخرى‏ََ. وعند انتهاء أمد النيابة الخاصّة بالنوّاب الأربع في الغيبة الصغرى‏ََ، وغياب الإمام المهدي الغيبة الكبرى لحكمة من اللََّه، ومصلحة للمسلمين:‏ «ما دامت دولة الدنيا للفاسقين»‏(1) حيث:‏ «لا يجد المؤمن ملجأً يلتجئ إليه من الظّلم، فيبعث اللََّه رجلاً من عترتي فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً، كما مُلئت ظلماً وجوراً»(2). فلم يقطع الإمام الغائب عن الأُمّة هدايته وإمامته في مختلف العصور، ولم يتركهم بلا راعٍ يرعاهم، ودون حجّة تأخذ بأيديهم، وهو الإمام الّذي‏: «يستضيئون بنوره، وينتفعون بولايته في غيبته كانتفاع الناس بالشّمس، وإن تجلّاها السّحاب»‏(3). وقد أناب عنه رواة أحاديثهم بهذه التصريحات: 1- «وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا، فإنّهم حجّتي عليكم وأنا حجّة اللََّه عليهم»‏(4)، ممّن يليق بهم أن يكونوا حجّة على الناس. وفي هذا النص دلالات واضحة لا يمكن الخروج عليها بحال من الأحوال: أ- إنّ هذه النيابة العامّة التي جعلت النوّاب حجّة على الناس، إنّما أعطوها من دون أصالة، أو استقلال. ب- وقد خصّوا بها بوصفهم رواة أحاديثهم، ليرجعوا إليها في تصريف الأمور، وتدبير الحوادث، ممّن يستطيعون أن يصلوا إلى أحكام اللََّه بالاجتهاد والفتوى‏ََ. ج- لم تكن هذه النيابة التي أعطتهم الولاية على الناس مطلقة حدّ الإطلاق الذي يغنيهم عن أن يكون الإمام الغائب حجّة عليهم، وأن لا يحرزوا رضاه، وهو
_______________________________
(1) بحار الأنوار 1/ 246. (2) المستدرك على الصحيحين 4/ 465. (3) تفسير البرهان 1/ 381. (4) وسائل الشيعة ج 18 باب 11 من صفات القاضي ح 9، وإكمال الدين 2/ 162.
  ١- التنقيح في شرح العروة الوثقى - ج١ - ج1       م10  
غائب عنهم. د- إنّ هذه الولاية لم تنتزع من المعصوم الولاية المطلقة التي تستدعي انتقال العصمة، والعلم بالغيب، والإعجاز، والخصائص الأُخرى الخارقة التي خوّلته الولاية المطلقة على حدّها. غير أنّه لا يمنع ذلك من انتقال هذه الولاية بحكم النيابة العامّة على مستوى الزّعامة الكبرى، وعلى حدّ مسؤوليّة الحكم وسعتها، ومختلف شؤونها(1) وأحوالها. وهذه الولاية، وإن كانت من الموضوعات، وليست من الأحكام، إلّا أنّه لا يمكن أن يكون هؤلاء الرّواة نقلة إلى غيرهم، وقد اُرجع إليهم بالذّات النّظر في الحوادث كلّها. ولذلك كان المقصود بهم المجتهدون من أصحاب الحكم والفتوى‏ََ، كما أنّ المقصود من الفقيه هو الأفقه في الدِّين والأبصر بمقدرات الأُمّة ومستلزماتها، ليصحّ الرجوع إليه دون غيره، ولأنه يشمله رجوع الجاهل إلى العالِم، باعتباره أوصل ممّن يجهل مبلغ علمه وفقاهته. 2- «مجاري الأُمور والأحكام على‏ََ أيدي العلماء باللََّه، الاُمناء على حلاله وحرامه»‏(2)، وقد أعطى الفقهاء مسؤوليّة الحكم، بما فيه التصدِّي للفتوى‏ََ، والأُمور العامّة التي تنتاب حياة المسلمين وبقاءهم. 3- «فأمّا من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مُخالفاً على هواه، مُطيعاً لأمر مولاه، فللعوام أن يُقلِّدوه»‏(3) هذا المنصب الخطير. ولا يعنينا سند ذلك‏(4)، لأنّ العقل يحكم بضرورة هذه المزايا والشروط، لمن يريد أن يحكم الناس بالنيابة وغيبة الإمام الغائب تقتضي أن يكون له نوّاب عامّون كما كان له نوّاب خاصّون. والدليل على وجود النوّاب الأربعة هو الدليل على وجود نوّاب آخرين بالنيابة العامّة، يُنتخبون بالوصف، لا بالاسم. فإذا لم يحرز رضاه بالحاكم القائم، أو إذنه له، فلا دليل على نيابته أبداً.
_______________________________
(1) الحاكمية في الإسلام، لآية اللََّه السيد محمّد مهدي الخلخالي/ 192. (2) مستدرك الوسائل 3/ 188 باب 11 من أبواب صفات القاضي ح 16، وتحف العقول/ 238. (3) وسائل الشيعة 18/ 94 ح 20. (4) راجع الحاكميّة في الإسلام، ملحق رقم 3.
  ١- التنقيح في شرح العروة الوثقى - ج١ - ج1       م11  
الثاني - مفهوم الولاية المطلقة:
وهل هناك اتجاه لبعض الفقهاء أن يساوي بين ولاية المعصوم نبيّاً كان أو إماماً وولاية الفقيه، المبسوط اليد على المسلمين، من دون أي تفاوت أو فرق بينهما، على أنّ منها ما تكون على مستوى النبوّة والإمامة، ومنها ما تكون على مستوى النيابة العامّة عن المعصوم (عليه السّلام). ومهما تكن هذه الولاية الممنوحة لهم، فإنّ إحداهما حجّة على الأُخرى‏ََ. إذ لا يمكن تصعيد النبوّة إلى مقام الربوبيّة في الولاية، ولا تصعيد الإمامة إلى منزله النبوّة فيها، كما لا يمكن تصعيد الفقاهة إلى‏ََ أيّة منزلة ولائيّة من هذه المنازل، حتّى ولو كانت مجاري الأُمور على أيدي العلماء، وحقٌّ للعوام أن يقلِّدوهم هذا المنصب الإلََهي. فالولاية التي تقوِّمها العصمة، والعلم بالغيب، والقدرة على الإعجاز لا تكون كالولاية التي تقوِّمها العدالة، وتبرِّرها النِّيابة العامّة هي نفسها التي أُعطيت للنبوّة والإمامة، لمكانة الشروط التي لا يمكن أن تؤتى‏ََ أحداً، والشروط التي يمكن أن تتأتّى‏ََ لكل أحد. وهذه المزايا التي أُعطيت للنبوّة أو الإمامة كانت تأهّلاً لهم لهذه الولاية التي اختصّوا بها. وما ينتقل من الولاية عن النبيّ (صلّى اللََّه عليه وآله) إلى الإمام (عليه السّلام)؛ عامله المشترك هو الإمامة التي تتواجد في النبيّ والإمام معاً. وأمّا ما ينتقل إلى الفقيه فلم تكن هذه الإمامة قاسمها المشترك بينهما؛ بل هو النيابة العامّة، وزعامة المسلمين، في مجاري الأُمور، وتصاريف الأحداث. وقد جعل اللََّه في النبوّة والإمامة الولاية التكوينيّة، دعماً لها، ودليلاً على صدقها وتثبيتها. وأمّا الفقيه فليس له أيّة ولاية تكوينيّة، أو تشريعيّة، بل له ولاية الفتوى‏ََ والحكم والزّعامة على قدر نيابته في قيادة الأُمّة وريادتها.الولاية في القرآن:
وقد فصّلت في هذه الآية (يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اَللََّهَ وَأَطِيعُوا اَلرَّسُولَ وَأُولِي اَلْأَمْرِ مِنْكُمْ) (1) الولاية بوضوح‏‪:‬
_______________________________
(1) النساء: 59.
  ١- التنقيح في شرح العروة الوثقى - ج١ - ج1       م12  
1- ولاية اللََّه‪:‬‏ (هُنََالِكَ اَلْوَلاََيَةُ لِلََّهِ اَلْحَقِّ) (1) وهي ولاية الإطاعة، التي تشمل العبوديّة المختصّة باللََّه. 2- ولاية النبيّ (صلّى اللََّه عليه وآله): (اَلنَّبِيُّ أَوْلى‏ََ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ) (2) ولاية تمتدّ إلى الإعراض والنّفوس والأموال. 3- ولاية الإمام (عليه السّلام): (وَأُولِي اَلْأَمْرِ مِنْكُمْ) (3) والتلازم بين هذه الولاية والإطاعة، واشتراكهما بين النبيّ والأئمة للمشاكلة في الولاية، والمسانخة بين النبيّ وبين خلفائه في العلم، والقدرة على الإعجاز بإذن اللََّه؛ وذلك تصديقاً للنبوّة، وتثبيتاً للإمامة، وشرط العصمة، باعتبارها القائمة على الرسالة على واقعها، والمحافظة لها. 4- ولاية الفقيه: فبإذن من الإمام الغائب الذي نصبهم نوّاباً عنه، ليكونوا حجّة على الناس، ويكون حجّة عليهم، وولاية الأفقه هو القدر المتيقّن من الفقهاء كما مرّ. وهكذا تتّسع الولاية المطلقة من غير حدود للََّه، وفي حد النبوّة والإمامة للنبيّ (صلّى اللََّه عليه وآله) والإمام (عليه السّلام)، وفي حد النيابة العامّة للفقيه الذي قد يُخطئ في فقاهته ويُصيب، وهو معذور في ذلك. أمّا النبيّ والإمام فهما النص الإلََهي الذي لا ريب فيه. وبسط يد الفقيه لا يجعله في مصاف الأنبياء والأئمّة في الحكم والتشريع. والولاية المطلقة لا يمكن انتقالها بإطلاقها إلى النيابة الخاصّة، فضلاً عن النيابة العامّة، إلّا على قدر الزّعامة، وبسط اليد والقدرة. ويفصِّل الإمام الصادق (عليه السّلام) الفارق بين مدارج هذه الولاية، واختصاصاتها في هذه الرواية: «إنّ اللََّه تبارك وتعالى أدّب نبيّه، فانتهى‏ََ إلى ما أراد، قال: وإنّك لعلى خلقٍ عظيم، ففوّض إليه دينه، فقال: ما آتاكم الرّسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا»(4). ومعنى ذلك أنّ هذه الولاية لا تنتقل بعينها إلى غيره؛ لأنّه يفقد هذا الخُلق العظيم في الدِّين.
_______________________________
(1) الكهف: 44. (2) الأحزاب: 6. (3) النساء: 59. (4) البحار 17/ 5 6.
  ١- التنقيح في شرح العروة الوثقى - ج١ - ج1       م13  
وكان يرى الإمام الخوئي: ولاية اللََّه مطلقة بإطلاق ذاته، وولاية الرّسول متّسعة باتِّساع نبوّته وخاتميّتها، وولاية الأئمّة المعصومين (عليهم السّلام) قائمة على مستوى إمامتهم، وولاية الفقيه محدّدة بحدود فقاهته ومسؤوليّته في الزّعامة. إلّا أنّه يفقد أُموراً فتقيّد بأمثال هذه الفوارق: 1- البداءة بالجهاد مختص بالإمام الأصل‏(1). 2- ليس للفقيه ولاية على الفقهاء الآخرين‏(2). 3- لا يعفو عن الحدود التي للََّه من هو دون الإمام (عليه السّلام)(3). 4- للنبيّ والإمام الولاية التكوينيّة(4). 5- وحقّ التصرّف في بعض الأحكام الإلََهيّة على أساس: (ولاية التفويض) كما مرّ. 6- إطلاق ولاية التصرّف في الأموال والنفوس للنبيّ والإمام دون غيرهم‏(5)، ونفي هذه الولاية للفقيه الجامع للشرائط(6). 7- لم يُعط الفقيه الولاية التكوينية، فإنّها مختصّة بالنبيّ تصديقاً للنبوّة، وبالإمام المعصوم تثبيتاً للإمامة. 8- وليس للفقيه ولاية التشريع، بل له ولاية الحكم والفتوى‏ََ، وهي أقلّ درجة من ولاية التفويض.
مناقشات حول الولاية المطلقة:
يذهب عامّة الفقهاء إلى أنّ ولاية النبيّ والأئمة ولاية مطلقة، تشمل التصرف في النفوس والأموال. إلّا أنّ بعضهم يشترط في ذلك مصلحة المسلمين‏(7).
_______________________________
(1) تحرير الوسيلة، للإمام الخميني 1/ 463 مسألة 2. (2) ولاية الفقيه، للإمام الخميني/ 66. (3) مباني تكملة المنهاج، للإمام الخوئي/ 177 و244. (4) الحاكميّة في الإسلام/ 61، نقلاً عن أُصول الكافي 1/ 265. (5) المكاسب المحرّمة، للشيخ الأعظم الأنصاري/ 153. (6) كتاب البيع، للإمام الخميني 2/ 489. (7) الحاكمية في الإسلام، موضوع ولاية التصرّف في النفوس والأموال، نقلاً عن المحقِّق الإيرواني في حاشية المكاسب/ 155.
  ١- التنقيح في شرح العروة الوثقى - ج١ - ج1       م14  
والواقع: انّ مقتضى النبوّة والإمامة: أن يتصرّف النبيّ والإمام في النفوس والأموال بكلّ ما هو من مصلحة المسلمين. على أنّ ولاية اللََّه المطلقة عدا ولاية العبوديّة هي التي انتقلت إليهم، فلا يمكن تحديدها، أو تقييد إطلاقها بشي‏ء من التضييق. ومن الغفلة عن مقام النبوّة والإمامة أن نتصرّف في ولايتهم، بمصلحة نقدِّرها نحن بعقولنا وإن أمكن من جهة أُخرى، إناطة ذلك بما هو الضروريّ من التصرّف. ومن المصلحة أن تكون ولايتهم نافذة على الأُمّة، من دون تصرّف منّا في إطلاقها وسعتها. ويفرِّق العلّامة بحر العلوم بين ولاية التصرّف بمعنى نفوذ تصرّف النبيّ والإمام في نفوس الرعيّة وأموالهم، فله ذلك، وبين أن تكون له أنحاء التصرف فيهم، حسبما تتعلّق به إرادته، لعدم نهوض الأدلّة عليه‏(1). وذلك بمعنى الفرق بين فعليّة النفوذ وشأنيّته، ولعلّه يشير بذلك إلى اقتضاء التصرّف وضرورته كما قلنا وحينئذٍ يلزمه إطاعته.
ولاية الفقيه:
أمّا عن الولاية المطلقة للفقيه الجامع للشرائط، فيجيب الإمام الخوئي على ذلك بقوله: (في ثبوت الولاية المطلقة للفقيه الجامع للشرائط خلاف، ومعظم فقهاء الإماميّة يقولون بعدم ثبوتها. وإنّما تثبت في الأُمور الحسبيّة فقط)(2). وهو وإن لم يرجِّح أحد القولين في هذا المقام، إلّا أنّه يوجب إقامة الحدود (حفظاً للنظام)، والحدود لا يمكن أن يقيمها إلّا الحاكم المبسوط اليد. ولا يتأتّى‏ََ ذلك بيسر إلّا بعد إقامة حكم إسلامي يقوى‏ََ على ذلك. ولهذا نعرف مدى رأيه في اتّساع الأُمور الحسبيّة، وولاية الفقيه. ففي كتاب القضاء يصرِّح: (القضاء واجب كفائيّ، وذلك لتوقّف حفظ النظام المادي والمعنوي عليه)(3).
_______________________________
(1) بلغة الفقيه 3/ 217. (2) مسائل وردود 1/ 5، فتاوى الإمام الخوئي وآراؤه. (3) مباني تكملة المنهاج 1/ 40.
  ١- التنقيح في شرح العروة الوثقى - ج١ - ج1       م15  
وفي مكان آخر يصرِّح أيضاً: (يجوز للحاكم الجامع للشرائط إقامة الحدود...إنّ إقامة الحدود إنّما شرّعت للمصلحة العامّة، دفعاً للفساد، وانتشار الفجور والطّغيان بين الناس. وهذا ينافي اختصاصه بزمان دون زمان. وليس لحضور الإمام دخل في ذلك قطعاً. فالحكمة المقتضية لتشريع الحدود تقتضي بإقامتها في زمان الغيبة، كما تقتضي بها زمان الحضور...)(1). وعلى هذا الاتساع في ولاية الأُمور الحسبيّة تفرّد الإمام الخوئي بالقول في عصرنا الحاضر بوجوب الجهاد الابتدائي في عصر الغيبة: (...إنّ الظاهر عدم سقوط وجوب الجهاد في عصر الغيبة، وثبوته في كافّة الأعصار لدى توفّر شروطه...إنّا لو قلنا بمشروعيّة أصل الجهاد في عصر الغيبة فهل يعتبر فيها إذن الفقيه الجامع للشرائط أو لا؟ يظهر من صاحب الجواهر (قدّس سرّه)، اعتباره بدعوى‏ََ عموم ولايته بمثل ذلك زمن الغيبة. وهذا كلام غير بعيد...فإنّه يتصدّى لتنفيذ هذا الأمر من باب الحسبة، على أساس أنّ تصدِّي غيره يوجب الهرج والمرج، ويؤدِّي إلى عدم تنفيذه بشكل مطلوب كامل)(2). وفي أهميّة حفظ النظام، وحتى في توقّفه على لزوم تعاطي حرفة الطبابة، يُفتي: (فإنّها وإن كانت واجبة بالعرض باعتبار توقّف النظام عليها، كسائر أنواع الحرف والصناعات الدخيلة في حفظ النظام...)(3)، يجوز أخذ الأُجرة على الطّبابة، وإن كانت من الواجبات الكفائيّة، ضماناً لحقوق الفرد والمجتمع، وذلك لاستتباب النظام. ثمّ على أساس شمول هذه الولاية الحسبيّة أيضاً جميع الأُمور العامّة للمسلمين، السياسيّة منها، والاجتماعيّة، والدينيّة والجهاديّة والقضائيّة: قام الإمام الخوئي فيما قام به من إصدار أحكام سياسيّة، عُرِفَ بها. وولاية الحسبة كما عرّفها تلميذه ومقرِّره في التعليق على أبحاثه في الاجتهاد والتقليد
_______________________________
(1) مباني تكملة المنهاج 1/ 224 مسألة 177. (2) منهاج الصالحين، للإمام الخوئي، ج 1، قسم العبادات، 365 366. (3) مستند العروة الوثقى‏ََ، كتاب الإجارة، باب أخذ الأُجرة على الطبابة، من تقريرات الأبحاث الفقهيّة للإمام الخوئي. رجعتُ إليها (سلسلة مفاهيم إسلامية) برقم (50) في كرّاسة (الملامح الأساسيّة لنظريّة السوق التجارية في الإسلام)/ 6.
  ١- التنقيح في شرح العروة الوثقى - ج١ - ج1       م16  
(هي بمعنى القربة المقصود منها التقرّب إلى اللََّه تعالى، وموردها هي: كلّ معروف علم إرادة وجوده في الخارج شرعاً من غير موجد معيّن)(1).
الثالث - المرجعيّة العُليا:
والحق: أنّ المرجعيّة العُليا تلك التي تمثِّل النيابة العامّة وإن لم تكن كالحكومة الإسلاميّة في بسط يدها، إلّا أنّها استطاعت طوال التاريخ أن تسعى لحاكميّة الإسلام في أعماق المجتمع الإسلامي. وكانت هذه المرجعيّة منذ عصر الغيبة الكبرى تنوب عن الإمامة، بالنيابة العامّة. فكان الكيان الديني الذي خلّفه الإمام الغائب، فأصدر توقيعه الشريف فيها: (وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى‏ََ رواة أحاديثنا فإنّهم حجّة عليكم، وأنا حجّة اللََّه عليكم)(2). وممّا يبعث على التفسير والتحليل أكثر فأكثر هو الإشعار بـ (الحوادث الواقعة التي لا بدّ وأن تكون الحوادث السياسيّة والاجتماعيّة، وهي من أهم ما ينتاب حياة المسلمين في كلّ عصر، وإلّا فإنّ أحكام العبادات مثلاً لا يعنيها هذا النص، كما أنّ الاشعار بقوله: (فارجعوا فيها) إليهم هو الذي ولّد لهم أرضيّة هذه المرجعيّة، فأطلق عليهم 17مبعد ذلك مراجع الدِّين، تسمية خاصّة بهم. فالمرجعيّة المتأصِّلة كانت ولا تزال هي الحافِظَة للإسلام وكيان المسلمين، تُدافع عن حقوقهم، وترعى‏ََ مصالحهم، وتدير الحوزات العلميّة، ومراكز التعليم والثفاقة، وتُعدّ الفقهاء، والنوّاب المأذونين، ومراجع التقليد، وقادة المسلمين الذين يقفون دون انهيارهم في الفكر والعقيدة، ويدعمهم باستقلال الرأي أمام المذاهب والتيّارات، وحيال السلطات الجائرة، والحكومات الظّالمة، يحكم فيهم بشرائع اللََّه وسننه، وهي التي تقيم لهم الحكومة الإسلامية العتيدة. وأمر التقليد في هذه المرجعية، كان العامل الجذري في هذه الحاكميّة، إذ لم تُقبل أفعال‏
_______________________________
(1) فقه الشيعة (الاجتهاد والتقليد)، تقرير آية اللََّه الخلخالي لأبحاث أُستاذه الإمام الخوئي. (2) وسائل الشيعة ج 18 باب 11 من أبواب صفات القاضي ح 9.
  ١- التنقيح في شرح العروة الوثقى - ج١ - ج1       م17  
المكلّفين إلّا بالتقليد، والرّجوع إلى الفقيه الجامع للشرائط، وهو معنى حاكميّة الإسلام على المسلمين، كما هو السبيل الأقوم إلى وحدة المسلمين تحت راية واحدة، وشدّهم إلى الإسلام. وهذه المرجعيّة منذ الغيبة الكبرى هي التي أُذِنَ لها أن تخلف الإمام الغائب، وتُباشر حاكميّة الإسلام، وتُفقِّه المسلمين، وتوعِّيهم بالدِّين. وقد عهد إلى المسلمين أن يستظلّوا بها، انقياداً للنيابة العامّة، في إطار المرجعيّة العُليا، التي وضع خطوطها وخيوطها الإمام الغائب (عليه السّلام)، فهي وإن لم تكن لتقيم الحكومة الإسلامية في أكثر أدوارها، إلّا أنّها كانت تُعنى‏ََ بحاكميّة الإسلام، وإعلاء كلمة المسلمين. والواقع: إنّ هذه المرجعيّة العُليا: هي التي أقامها الإمام الغائب لشيعته خلفاً له على المسلمين.
مُعطيات مرجعيّة الإمام الخوئي العُليا:
وعند ما انتهت إلى الإمام الخوئي هذه المرجعيّة العُليا بكل معضلاتها وثقلها في جيل مُثقل بالضغوط والإعصار والملابسات، أخذ يتابع في خطواته سيرة الأئمّة المجاهدين، وسياستهم في مختلف أدوار حياتهم وإمامتهم في إدارة هذه المرجعيّة، والنهوض بها، لهدف حاكميّة الإسلام ذاتها. فكان من الأئمّة من يُجاهد في سبيل اللََّه بالسيف، وكان منهم من يُصالح أعداء الإسلام ومناوئيه حقناً للدِّماء، وصلاحاً للمسلمين، وكان منهم من يشهر سلاح العلم والعقيدة، وكان آخرهم من جعل النيابة العامّة سبيلاً إلى إمامته حتّى ميعاد ظهوره وقيامه. وكان الإمام الخوئي -وهو عالم بزمانه-(1) يقيِّم هذه الأدوار التي عاشها، وقام بمسؤوليّاته فيها، قد تبنّى‏ََ كل ذلك، من دعم للجهاد، ونهوض بالعلم، واستجابة لحاجات المسلمين العقيديّة، والثقافيّة، والسياسيّة، والاجتماعيّة. كلّ ذلك في اطار هذه‏
_______________________________
(1) تحف العقول، للحرّاني/ 261.
  ١- التنقيح في شرح العروة الوثقى - ج١ - ج1       م18  
المرجعيّة، تلك التي اتّسعت أرجاء العالم، الذي يعيش فيه المسلمون، تحت وطأه مختلف الأنظمة والسّلطات الجائرة. وظلّ الإمام الخوئي المرجع الأعلى للمسلمين، يحتل صدارة المرجعيّة علماً وعملاً وجهاداً، وسيظلّ ما تركه من آثار لا تمحوها الأيّام، مناراً على قمّة الحوزات العلميّة الخالدة. وقد ألحق بها كثيراً من الجهد الاجتماعي والثقافي، يتّسع لمشاريع إنسانيّة ترعى مصالح المسلمين في أنحاء العالم. وكانت تتّسع مرجعيّة الإمام الخوئي ما اتّسع الإسلام من شموليّة وتعميم لكل الشؤون، في كل ما يرجع إلى نصرة الإسلام، في عامّة الميادين، ويتمثّل في: 1- الجهاد العلمي: فيما خلّف من آثار علميّة، أعدّ بها العلماء والمجتهدين، ومراجع الدِّين، وفيما خلّف من ابتكارات في الرأي والمبنى‏ََ، وإبداعات في العلوم الإسلامية وتطويرها. 2- الجهاد السياسي: في دعم الحركات الإسلاميّة، التي لاذت بالمرجعيّة، وانطلقت منها لصالح الإسلام والمسلمين. 3- الدّعم الثقافي: في إيجاد المؤسّسات الثقافية، والتعليميّة، ومكتبات عامّة، ومدارس مرحليّة، ودور للنّشر، ومراكز للعبادة في مختلف عواصم العالم. وفي المحتوى الثقافي أيضاً، أن أناط إلى أحد تلاميذه: أن يضع رسائل مشبعة في الأُصول الاعتقاديّة: من المبدأ والمعاد، والنبوّة، والإمامة، والعدل الإلََهي، وحياة المهدي المنتظر، بأسلوب عصري يلائم ثقافة الشباب المتطلِّع في البلاد الإسلامية. فتناولها الشباب الجامعي قبل غيرهم، بكل إعجاب وتقدير(1). 4- الدّعم الاجتماعي: في إيجاد مبرّات خيريّة، ومراكز صحيّة، وإمدادات اجتماعيّة، ومجتمعات سكنيّة انتشرت في عواصم العالَم‏(2).
_______________________________
(1) كتبها العلّامة الشيخ محمّد حسن آل ياسين، نجل آية اللََّه العظمى‏ََ شيخ الفقهاء الشيخ محمّد رضا آل ياسين، ووضع مقدّمتها الكاتب. (2) وأهم هذه المؤسّسات: مؤسّسة الإمام الخوئي المركزيّة في لندن، بنظارة نجليه الفاضلين الأستاذ السيِّد عبد الصاحب والعلّامة السيِّد عبد المجيد الخوئي.
  ١- التنقيح في شرح العروة الوثقى - ج١ - ج1       م19  
5- الدّعم الاقتصادي: في تدويل الأموال والوجوه الشرعيّة من الطّبقات المُتْرفة والمُرفّهة إلى الطّبقات المُعدمة والمُعسرة. والعمل على أن يكون بيت المال ثروة عامّة تجري في عروق المجتمع، وتدور في قلب الحوزات العلميّة، لتكون غنيّة عن سطوة السلطان، بعيدة عن نفوذه.
مسؤوليّات مرجعيّة الإمام الخوئي:
وكان الإمام الخوئي: زعيماً حكيماً، حديد النظر، عالماً بزمانه، يترسّم خطى الأئمّة الهداة (عليهم السّلام) واحداً بعد آخر، فيما يشبه زمانه بزمانهم، يتصرّف في الأُمور وفق تصرّفهم حراسةً على حياة المسلمين العقليّة والثقافيّة والعقيديّة. كما كان يرى‏ََ: أنّ الحوزة العلميّة حصناً للإسلام، ومنطلقاً للصمود، باعتبارها وديعة الإمام الغائب، على امتداد الغيبة الكبرى. كان يرى‏ََ أنّ المرجعيّة هي المسئولة عن المسلمين، وهي ترعى واقعيّتين: 1- واقعيّة مكنونة: (وَيَكُونَ اَلدِّينُ كُلُّهُ لِلََّهِ) (1) واللََّه هو الحافظ لها (إِنََّا نَحْنُ نَزَّلْنَا اَلذِّكْرَ وَإِنََّا لَهُ لَحََافِظُونَ) (2) وقد أوعد أنّه يحفظه بحراسته وصيانته. 2- واقعيّة اعتقاديّة: وهي التي ينبغي للناس أن يحافظوا هم عليها (إِنَّ اَللََّهَ لاََ يُغَيِّرُ مََا بِقَوْمٍ حَتََّى يُغَيِّرُوا مََا بِأَنْفُسِهِمْ) (3). فإنّ ما يداهم الناس من إخطار على الدِّين فهي على ما عند الناس من دين وإيمان وعقيدة. وأمّا ما هو الحجّة عليهم، فلا تناله الأخطار: (لاََ يَأْتِيهِ اَلْبََاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاََ مِنْ خَلْفِهِ) (4)، وإنّما يأتي الباطل من كلّ حدب وصوب على ما عند الناس من دين وإيمان.
_______________________________
(1) الأنفال: 39. (2) الحجر: 9. (3) الرّعد: 11. (4) فصِّلت: 42.
  ١- التنقيح في شرح العروة الوثقى - ج١ - ج1       م20  
وقد أدرك الإمام الخوئي هذه الأخطار فأقدم على دعم الدِّين على صعيدين: 1- صعيد الكتاب والسنّة بما أحيى من علوم القرآن، وبما بنى‏ََ على الكتاب والسنّة من أحكام. 2- وعلى صعيد الدعوة إلى الإسلام، ونصرة الدِّين وإعزازه، ونصرة المسلمين وحمايتهم.
بين الحكومة الإسلاميّة وحاكميّة الإسلام:
كانت ولا تزال هذه المرجعيّة العُليا تستهدف حاكميّة الإسلام في أوساط المسلمين. ومن هذا المنطلق: يظهر أنّ هناك فرقاً بين الحكومة الإسلاميّة، كدولة ذات سيادة واستقلال، وبين حاكميّة الإسلام، كعقيدة ومبدأ يعتنقه المسلمون، ويتعبّدون به. وعلى أساس هذا الفارق، فأيّتهما تكون: الهدف والغاية وأيّتهما تكون الوسيلة والطريق: 1- البُنية الشكليّة: وهي التي تتقوّم بالسلطات التنفيذيّة، والأنظمة الإداريّة، والطّاقات البشريّة، المجنّدة لها. 2- البُنية التحتيّة: وتتقوّم بالرسالة الإسلاميّة، المتمثِّلة في التشريعات الإلََهيّة، والأحكام الدينيّة، والمفاهيم الاعتقاديّة. وفي الحقيقة: إنّ البنية الأُولى‏ََ: هي الوسيلة والطريق، والبنية الثانية هي الهدف والغاية. وكلّما كانت الوسيلة أتقن وأقوم كان الوصول إلى الهدف أقرب إلى المستوي المنشود. ثمّ إنّه قد لا تتوقّف حاكميّة الإسلام ونفوذه الواقعي على إقامة حكومة إسلاميّة ذات بنية شكليّة، عند ما تتعذّر إقامتها، شأن جميع الأديان السماويّة، التي فقدت شكليّة الحكم في عمل الأنبياء، خلافاً للدين الإسلامي، الذي كُتِبَ له الخلود، فاقتضى‏ََ ذلك إقامة خلافة إلََهيّة تحكم المسلمين، كما تحكمهم الرسالة الإسلامية نفسها. ومن المسلّم: أنّ محتوى الرسالة الإسلامية يبتني على‏ََ ثلاثة أُمور: 1- العقائد الأُصول، وما نشأ عنها من الفلسفة الإسلاميّة (علم الكلام) وهي تبتني‏
  ١- التنقيح في شرح العروة الوثقى - ج١ - ج1       م21  
على محاسبات العقل‏(1)، ومأثورات النقل المُعتبر. 2- الفقه الإسلامي، و أساسه شرائع اللََّه، وما يتفرّع عنها من أحكام عامّة تنتظم بها الحياة العمليّة للناس. 3- الأخلاق الدينيّة، وهي المناهج السلوكيّة، والمثل التربويّة، تلك التي تعمل على تهذيب النفس وتكاملها: «إنّما بُعِثتُ لاُتمِّم مكارم الأخلاق»‏(2). ومن يدّعي التضلّع في معرفة الإسلام، وليس له أدنى اختصاص بتلك المحتويات، فلا يمكن أخذ الإسلام على واقعة عنه. وتلك هي أُسس الرسالة الإسلامية ومحتواها، ورسالة الإسلام بكل أبعادها هي التي تبعث على مكارم الأخلاق. وفرائضها هي التي تنمِّي هذه المكارم، فتكوِّن خُلقاً ينطوي عليه الإنسان. والواقع: أنّ الشريعة الإسلامية هي التي جاءت لتقويم السلوك الإنساني مع الإنسان الآخر، ومع نفسه، ومع اللََّه، بما شرح له من وظائف سلوكيّة، وآداب اجتماعيّة، وتكاليف عباديّة. وإنّ الإنسان المسلم لا يمكنه أن يرتبط مع اللََّه، ويكون ظالماً لنفسه، أو لأحد من عباده، أو أن يكون ظالماً للََّه بالشرك والجحود (إِنَّ اَلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) (3). ومن هذا المنطلق يمكن أن توجد حاكميّة إسلاميّة، دون أن تكون هناك حكومة إسلاميّة أو حاكم إسلامي، كما يمكن أن تكون بالفعل دولة إسلاميّة، ولا تكون للإسلام فيها مصداقيّة، أو واقعيّة، تغطِّي حياة المسلمين وشؤونهم، كما كان الأمر في أكثر الحكومات الإسلاميّة الحاضرة والبائدة. ثمّ انّه ما قيمة تلك الحكومات الإسلامية التي تفقد حاكميّة الإسلام وسلطانها، كأكثر أدوار الخلافة الإسلامية التي اتُّخِذَ الإسلام فيها دعماً لها، دون أن يُتّخذ الإسلام‏
_______________________________
(1) راجع (دراسة علميّة) لكتاب دلائل الصِّدق للإمام الشيخ محمّد حسن المظفّر ج 2، ط دار العلم بالقاهرة، بقلم الكاتب. (2) مكارم الأخلاق، للطبرسي/ 8. (3) لقمان: 13.
  ١- التنقيح في شرح العروة الوثقى - ج١ - ج1       م22  
هدفاً يتحقّق في حياة المسلمين. وأكثر الحكومات الإسلامية، كانت تصرف جلّ اهتماماتها وقدراتها للإبقاء على أنفسها، في مختلف شؤونها السياسية والإداريّة ما كانت تستنزف الجهد المضني في سبيل تركّزها، ودعم حاكميّتها. وانطلاقاً من إحساس الأُمّة الإسلاميّة في سلفها بضرورة الحكم الإسلامي الذي بدأه النبيّ، واستغلّت بعد ذلك بالإجماع الذي رضخ له المسلمون، واختلفوا أيضاً في مفهومه ومغزاه: 1- الإجماع-عند الإماميّة-مجراه في فروع الأحكام الفقهيّة، الكاشف عن قول المعصوم (عليه السّلام)، ووجوده فيه، ورضاه به، وذلك بقاعدة اللّطف الإلََهي، وهو دليل حجّيّته، فهو إجماع فقهي ذو حجّة شرعيّة ينجز العمل به. 2- الإجماع عند السنّة والمراد به طاعة الأُمراء، وترك الخروج عليهم. ودليل حجّيّته الآيات والروايات‏(1) اللّاتي اُقحمت فيه، وهو إجماع سياسي، بوصفه مستنداً للخلافة، وتولِّي الأُمور. وفي واقع الأمر هو دليل نفسه، لضعف الاستدلال بما استدلّ عليه. وقد عاش الإمام الخوئي ظروفاً عصيبة، متشعِّبة الاتجاهات والنّزعات، وهو يريد للأُمّة عزّتها، ومنعتها، وعودتها إلى نهجها الإسلامي القويم، لتكون كلمة اللََّه هي العُليا. على‏ََ أنّ الإسلام: لم يفقد أُسلوب الحكم السياسي، والضّمان الاجتماعي الأفضل، والمذهب الاقتصادي العادل والشامل.
حياته السياسيّة:
وتطالعنا حياته الكريمة بمؤشِّرات، ونماذج من الجهاد السياسي، فيما قام به من مناهضات على مستوى الجهاد الديني. وكان ينظر إلى عالم السياسة بالنظرة الدينيّة. ويرى عرض السياسة على الدِّين، وهو
_______________________________
(1) الأُصول العامّة للفقه المقارن، للعلّامة السيد محمّد تقي الحكيم/ 257 و261.
  ١- التنقيح في شرح العروة الوثقى - ج١ - ج1       م23  
المحكِّم فيهما. ولم ينس المسلمون خروجه على السياسات الاستعمارية القائمة في إيران وغيرها، وطعنه في مشروعيّتها، وشجب سياساتها، والتألّب عليها في تصريحات خطيرة، قال فيها: (...نحن نقف إلى جانب الشعوب الإسلامية في صراعها مع الحكومات الجائرة. إنّنا ننشد الخير والصّلاح لاُمّتنا. وقد نهضنا للوقوف مع الحق، وصد تيّار الظلم والخيانة. ونشتدّ في كفاحنا إذا اشتدّ الخطر المحدق بنا. إنّنا لا نتصوّر حكماً أسوأ من التغلغل اليهودي في إيران. إنّنا لا نطالب بدماء الأبرياء بقدر ما نطالب بالأهداف التي قُتِلوا من أجلها. إنّ العلماء الأعلام لا يمكنهم أن يتخلّفوا عن كفاح الأُمّة الإيرانيّة، أو يعزلوا أنفسهم عن مآسيها. إنّ اليهود لم يتمكّنوا من السيطرة الاقتصاديّة، إلّا بعد أن أشاعوا في الشعب الإيراني التحلّل والانشقاق. إنّ أبشع صور الكبت هو مصادرة الحريّات الدينيّة لشعب متديِّن. إنّ الحكومات التي لا تقوى‏ََ على حلّ مشاكل الناس، تجد الحل الحاسم في رفع شعارات الحديد والنار. إنّ الشعب الإيراني يهدف إلى حكم يضمن حرِّيّته، وإلى حياة تتّسم بالخير والرّخاء. إنّ تنازلنا عن هذه الأهداف معناه توافقنا على هذا الحكم الجائر)(1). وقد خاض الإمام الخوئي معارك إعلاميّة كثيرة في مناهضة الحكم الملكي القائم في إيران، وادّى مسؤوليّته في خلق أرضيّة لقيام حكومة إسلاميّة فيها، تضمن بعث الإسلام من جديد، وإحياء سننه، وأحكامه، وحدوده، والأخذ بنظمه الاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصاديّة. وكان يرى‏ََ: أنّ من أهم مسؤوليّاته في هذه المرجعيّة: التصدِّي للأحداث التي تنتاب حياة المسلمين، وتعترض سبيلهم. يناضل خصوم الإسلام، ويدعم الحركات الإسلامية السليمة التي تؤمن بالمرجعيّة، وتلوذ بها. كما شدّد النكير على السياسات المناوِئة في العراق قياماً بالولاية الحسبيّة، ومسؤوليّات النيابة العامّة، تلك التي أوجبت عليه هذه الحماية في الثورة الشعبانيّة، التي أعلن عنها: (لا شكّ أنّ الحفاظ على بيضة الإسلام، ومراعاة مقدّساته، واجب على كل مسلم، وأهيب بكم أن تكونوا مثالاً صالحاً للقيم‏
_______________________________
(1) التصريحات الخطيرة حول التغلغل اليهودي في إيران، للإمام الخوئي، تقرير الكاتب.
  ١- التنقيح في شرح العروة الوثقى - ج١ - ج1       م24  
الإسلامية الرفيعة، فعليكم الحفاظ على ممتلكات الناس وأموالهم وأعراضهم. وكذلك جميع المؤسّسات العامّة، لأنّها ملك الجميع في 18 شعبان المعظّم سنة 1411 هـ النجف الأشرف الخوئي)(1). وقام أيضاً بإصدار حكم سياسي ثوري وتنظيمي لتنصيب هيئة تنفيذية عُليا من العلماء يمثِّلون المرجعيّة الجهادية، بما نصّ عليه: (فانّ البلاد تمرّ هذه الأيّام بمرحلة عصيبة، تحتاج فيها إلى حفظ النظام، واستتباب الأمن والاستقرار، والإشراف على الأُمور العامّة، والشؤون الدينيّة، والاجتماعيّة، تحاشياً من خروج المصالح العامّة من الإدارة الصحيحة إلى التسيّب والضّياع. من أجل ذلك نجد أنّ المصلحة العامّة للجميع تقتضي منّا تعيين لجنة عُليا تقوم بالإشراف على إدارة الشؤون كلّها، بحيث يمثِّل رأيها رأينا...فعلى أبنائنا المؤمنين اتّباعهم والانصياع إلى أوامرهم، وإرشاداتهم، ومساعدتهم في إنجاز هذه المهمّة في 21 شهر شعبان المعظّم سنة 1411 هـ النجف الأشرف الخوئي)(2). وقد أشاد بمواقفه السياسية في إيران والعراق قائد الثورة الإسلاميّة آية اللََّه الخامنئي في بيانه الصادر عقب وفاته ما ترجمته: (كان هذا الرّجل العظيم ممّن يعمل منذ بدء النهضة الإسلامية في إيران بقيادة الإمام الخميني على توجّهات الحوزة العلمية في النجف إلى حوادث إيران، إذ كان يسعى‏ََ جاهداً مواكبة هذه الحركة العظيمة لرجال الدِّين والشّعب المسلم، كما كان في الثورة الدمويّة في رمضان 1413 هـ قطب رحى النهضة الإسلامية، ومركز صدور الحكم بالقيام الإسلامي في العراق)(3). ومن الخلفيّات السياسية لهذه الحركة أن اغتيل نجله الشهيد، انتقاماً منه في حادث مفتعل، بعد رحلة الإمام الخوئي بعامين‏(4). وكان الإسلام لم يفقد عنده أُسلوب الحكم السياسي، والضمان الاجتماعي‏
_______________________________
(1) مجلّة الموسم اللبنانية، العدد 11، المجلّد الثالث، سنة 1412/ 998 999. (2) مجلّة الموسم اللبنانية، العدد 11، المجلّد الثالث، سنة 1412/ 998 999. (3) البيانيّة الرسميّة الصادرة عن سماحته. (4) ذكرى السيِّد محمّد تقي الخوئي/ 51.
  ١- التنقيح في شرح العروة الوثقى - ج١ - ج1       م25  
الأفضل، والمذهب الاقتصادي السليم والعادل. والاعتقاد بأنّ السياسة لا تجتمع مع الدِّين خطأ محض وفرية على الدِّين، ما دام الدِّين هو السياسة الإلََهيّة في خلقه. ثمّ انّ المرجعيّة هي التي تعطى الأُمّة الوعي السياسي، لما يدور حولها، والوعي الثقافي والاعتقادي، وكانت الحافظة عليها بمدادها وجهادها، وبقائها عبر الأجيال. ولم ينس المسلمون أيضاً مناهضته للشيوعيّة العالميّة، بفتواه الخالدة: (الانتماء إلى فلسفة الشيوعيّة كفر والانتماء إلى مبادئها الاقتصاديّة فسق). خصائصه السلوكيّة والذاتيّة: كان يترفّع عن طلب الجاه، وحبّ الرئاسة، لا يستسيغ لنفسه أن يجري وراء الزّعامة، تلك التي انتهت إليه، وأتته منقادة طائعة، وهو راغب عنها، تعشّقاً للعلم، وتفرّغاً للعبادة، وتقشّفاً في العيش، وزهداً في الحياة، وإيثاراً للناس. وهكذا عرفته الأوساط العلميّة نادرةً من نوادر العلم والتقوى والإيثار، وقائداً فذّاً من قادة الرأي، يمتاز بقوّة الابتكار، وعمق التفكير، وتوقّد الذِّهن، ودقّة الإحساس، وهي العوامل التي كوّنت منه الشخصية الموهوبة، والزّعيم الملهَم كما أسلفنا. وكان عَلَماً من أعلام الإسلام يخفق على‏ََ قمة الحوزة العلميّة في النجف الأشرف، تدور على حوزته الدراسيّة رحى التحصيل، فكان صاحب الآراء القيِّمة، والنظريّات العلميّة الحديثة. سياسته الحوزويّة: والحديث عن حوزته العلميّة، وما تميّزت به من كفاءات في صياغة أجيال من الفقهاء والمجتهدين، الذين فقّههم في الدِّين، وأعدّهم أقطاباً للعلم، وأبطالاً للحركة، وقادة للمرجعيّة، ذلك لأنّه كانت براعته في تطوير العلوم الإسلامية التي خاضها؛ هي التي أمكنته من أن يحدث فيها تفتّحاً علميّاً عميقاً، درج عليه العلماء من تلامذته، وهم يفتحون بدورهم آفاقاً علميّة جديدة في مختلف العلوم الإسلاميّة، ومعارفها.
  ١- التنقيح في شرح العروة الوثقى - ج١ - ج1       م26  
وقد أحدث الإمام الخوئي في الحوزة العلميّة حركة علميّة جبّارة، دفع بأمثال العلّامة المظفّر إلى أن يضع في أُصول الفقه كتاباً يقارب فيه بين الدراسة على مستوى السطوح، وبين خارجها، ينشد فيه الإبداع والتجدّد. ولذلك عرض عامّة الجزء الأوّل من كتابه (أُصول الفقه) على الإمام الخوئي. وكان يلاحظ عليه ما يساعده على إدخال التقارب بين الدراسات الأُصوليّة المختلفة المراحل. وقد أشاد الإمام الخوئي في مقدّمة الكتاب بقوله: (إنّ الكتب الأُصوليّة التي نسخ كثير من مسائلها، وأقوالها، هي التي يدرسها الطالب المبتدئ والمتوسِّط اليوم، ولذلك فإنّ الطالب حينما يصل إلى الدرس العالي، يجد أنّه لا علاقة بين ما تعلّمه، وبين ما يتعلّمه. وكنتُ منذ زمن بعيد أرغب أن يؤلّف كتاب في هذا العلم تلائم أبحاثه الأبحاث العالية، ويعمّم تدريسه على طلّاب العلوم الدينيّة، حتّى قدّم العلّامة الحجّة الشيخ محمّد رضا المظفّر دامت تأييداته ما رتّبه من مباحث أُصوليّة في القسم الأوّل من كتابه (مبادئ علم الأُصول) ترتيباً جميلاً، فألفيته بحمد اللََّه وافياً بالمقصود، وجامعاً لموجز من القواعد والأُصول، التي تدور عليها الأبحاث في عصرنا الحاضر. وجدير بطالب العلم أن يدرس هذا الكتاب، ليتهيّأ بذلك للانفتاح على الدراسات العالية. ونسأل اللََّه أن يوفِّق المؤلِّف دام فضله لإنجاز القسم الثاني من كتابه. واللََّه وليّ التوفيق حرّره في الليلة الحادية عشر من شهر ربيع الأوّل سنة 1377 هـ الخوئي)(1). على أنّ الكتاب الذي أشاد به، وأوصى طلّاب العلم بدراسته، لا يمثِّل كلّه وجهة نظر الإمام الخوئي في علم الأُصول، وما أبدع فيه من تجديد حرفاً بحرف. ولأُستاذنا الحجّة المظفّر مختارات في الأُصول لم يتخلّ عنها بحال من الأحوال. ومن المسلّم: أنّه تخرّج على يديه العشرات من الفضلاء المبرزين، الذين بلغ كثير منهم درجة الاجتهاد، ولتكاثر حوزته، واتّساع المهاجرين إليها، لم يعد من المقدور عدّهم وإحصاؤهم، عدا الأعلام منهم، ممّن اشتهروا بآثارهم، وعُرِفوا بمكانتهم في الأوساط العلميّة والمرجعيّة الدينيّة، وإدارة الحوزات العلميّة.
_______________________________
(1) أُصول الفقه، للعلّامة الشيخ محمَّد رضا المظفّر، مقدّمة الطبعة الاُولى‏ََ، وكان ذلك بخط الكاتب.
  ١- التنقيح في شرح العروة الوثقى - ج١ - ج1       م27  
ويوعز كلّ ذلك إلى منهجيّة الإمام الخوئي في التدريس، وطريقته في أعداد الفحول من العلماء. فقد اجتهد في تطعيمهم بالمباني العلمية، بما يستدر أفهامهم، ويُضاعف من تفتّحهم، وحرصهم على التزوّد من العلم. وكان سماحته أهم مصادر الحركة العلمية في النجف الأشرف. ومن الأعلام الذين أشادوا بشخصيّته العلمية والتعليميّة، فقيه أهل بيت العصمة، بقوله، (فكم ربِّي بها أعلاماً، نمّى‏ََ جوانب عالية في طاقاتهم الراقية، فرجعوا إلى مقاعدهم المشيّدة، مبشِّرين ومنذرين بحقائق الشّرع، وتعليم جوامع الفروع، أو بقوا إلى حين مدرِّسين في جوامع الحوزة، أو مصابيح رواق الروضة)(1). وقد ألمح إلى شخصيّته أحد الأعلام من تلامذته: (وكان أعلى اللََّه مقامه نموذج السّلف الصالح، لعبقريّته الفذّة، ومواهبه الكثيرة، وملكاته الشريفة، التي أهّلته لأن يعدّ من الطليعة من علماء الإمامية، الذين كرّسوا حياتهم لنصرة الدِّين والمذهب)(2). وقد قدّر أحد تلامذته النابهين وهو السيِّد الشهيد الصّدر مكانة أُستاذه، قائلاً: في علاقاته الرّوحية معه: (...هي من أشرف وأطهر وأقدس العلاقات في حياتي...هذا الأُستاذ الذي بصرت نور العلم في حوزته، وذقتُ معنى المعرفة على يده. وإنّ أعظم ما ينعم اللََّه على الإنسان بعد الإيمان العلم، ولئن كنتُ قد حصلتُ على‏ََ شي‏ء من هذه النعمة، فإنّ فضل ذلك يعود إليه. فلستُ إلّا ثمرة من ثمرات جهوده، وفيضه الشريف، وولداً من أولاده الروحيين)(3).
_______________________________
(1) مجلّة النور، العدد 17، السنة 1413 هـ، من بيان آية اللََّه العظمى السيِّد البهشتي. (2) نفس المصدر، آية اللََّه العظمى السيِّد السيستاني، وهو اليوم من أشهر المراجع في العالم الإسلامي. (3) مجلّة الموسم اللبنانية، العدد 11، سنة 1412/ 996. ورأيت ذلك بخطّ يده، وفيه إضافات منها: (...إنِّي أتعامل مع السيِّد الخوئي دام ظلّه وسأظلّ كذلك كما يتعامل الابن مع أبيه، والتلميذ مع أُستاذه، والطّالب مع مرجعه. ولا يجوز مسّ مقام المرجعيّة العُليا...إنِّي أبتهل إلى المولى سبحانه وتعالى أن يمتِّعنا بدوام وجود السيِّد الأُستاذ والاستظلال بظلّه الوارف والقيام بواجب البنوّة له).
  ١- التنقيح في شرح العروة الوثقى - ج١ - ج1       م28  
وممّن تحدّث عن شخصيّته من أعلام المدرِّسين، إذ قال: (وكان في عنفوان شبابه يمتاز بالنّبوغ والذّكاء، وقوّة الابتكار، وكانت هذه المزايا هي التي جعلته يبدأ بتدريس الخارج سنة 1350 هـ وكان من تلاميذه البارزين آية اللََّه بهجت)(1). وتحدّث عن مقالاته العلمية والتعليمية أُستاذ جامعي وحوزوي، حيث قال: (...فمنذ وصولي إلى النجف الأشرف حضرتُ أبحاث عدد كبير منهم، إلى أن وُفقتُ بعد جهد واختبار طويلين أن أختار أوحدهم، وأعمقهم، وأدقّهم، وأكثرهم فائدة، العالِم الذي استفدتُ منه كثيراً...ويمكنني القول أنّ شطراً كبيراً من علومي في الفقه والأُصول وغيرهما يعود الفضل فيها إليه...أنّه آية اللََّه العظمى السيِّد أبو القاسم الموسوي الخوئي)(2). وقد أعطي ستّة إجازات علميّة تشهد باجتهاده المبكِّر، من أعاظم العلماء، وجهابذة الأساتذة، وهم: آيات اللََّه النائيني، والإصفهاني، والعراقي، وميرزا علي آقا الشيرازي، والسيِّد أبو الحسن الأصفهاني، والشيخ جواد البلاغي، ترجع تواريخها إلى سنة 1350 1352 هجريّة، وهي في غاية الوصف وبالغ التعظيم‏(3). سياسته الفتوائيّة: كان في سياسته الفتوائية: أن يتحرّز عن الإفتاء بالأحكام الثانويّة، لأنّه يرى‏ََ كفاية الأحكام الأوّلية، بما سار عليه الرسول الأعظم (صلّى اللََّه عليه وآله) في إصلاح المجتمع الجاهلي المتردِّي، من دون أن يلجأ إلى غيرها من الأحكام الاضطرارية. غير أنّ الإمام الخوئي يرى‏ََ أنّ الأحكام الثانوية البديلة إنّما تكون في ظروفها النادرة بقوّة الأحكام الأوّلية، من حيث الفعلية والتنجيز، ولا يتحقّق ذلك إلّا بتبدّل الموضوع إلى موضوع جديد، وتبدّل الأحكام بتبعه.
_______________________________
(1) ذكرى الامام الخوئي (يادنامه آية اللََّه العظمى خوئى)/ 35، بقلم آية اللََّه السبحاني، وهو من أعلام المدرِّسين. (2) دائرة المعارف الإسلامية، قسم التحقيقات الإسلامية/ 204، وهو الأُستاذ الدكتور الشيخ أبو القاسم الكرجي، أُستاذ في جامعة طهران. (3) كتاب (مشهد الامام عليّ)، ترجمة شخصيّة الإمام الخوئي، بقلم الكاتب.
  ١- التنقيح في شرح العروة الوثقى - ج١ - ج1       م29  
واقع الاجتهاد عند الإمام الخوئي: كان يرى‏ََ: أنّ الاجتهاد يتّسع نطاقه لكل ما يصلح أن يكون من معدّات الاجتهاد ومقوّماته من قريب أو بعيد. اجتهاداً في الفقه والأُصول على مستوى التهذيب والتشذيب، والإبداع، واجتهاداً في التفسير، وخاصّة منها آيات الأحكام، واجتهاداً في الرِّجال، بما يخرجها عن حدّ الجمود والتقليد. ولو قُدِّر لمجتهد أن يقلِّد فقيهاً في قاعدة من القواعد الفقهيّة، أو في مبنى من المباني الأُصوليّة، أو يتابع رجاليّاً اجتهد في توثيق من التوثيقات، أو يتعبّد بمذهب من مذاهب المفسِّرين وأقوالهم، لكان في نهاية الأمر مقلِّداً لغيره في أحكامه واستنباطاته وفتواه، إلّا فيما هو ضروري أو ثابت. بل لا بدّ لكل مجتهد مطلق الاجتهاد من أن يختار أُصوله ومبانيه، وعامّة ما تسعه رقعة الاجتهاد، ليصحّ له أن يجتهد من دون تقليد، ويكون حكمه حكم اللََّه الذي ينبغي أن لا يُردّ. وهكذا كان الإمام الخوئي مجتهداً، بنى اجتهاده على أُصولٍ ومبانٍ جديدة مختارة، حتّى في معدّات الاجتهاد ومقدّماته، لئلّا يكون مقلِّداً في شي‏ء من ذلك، إلّا ما هو تعبُّديّ من الدِّين، أو توقيفي من العلم، كما ظهر ذلك في ممارسته للعلوم الإسلامية، التي تناولها من جذورها بالبحث والتدريس، والعرض الشامل على الطلّاب. ولهذا استطاع أن يكون صاحب مدرسة في الاجتهاد، ونهج في عرض العلوم الإسلامية، بكلّ دقّة وتفوّق. موقف الإمام الخوئي من الاجتهاد السياسي: أنّ الاجتهاد على ضوء السياسة إنّما يرتكز على تغليب السياسة على الدِّين، وهو من أخطر أنواع الاجتهاد في مقابل النص، وهو ما كان يأباه الإمام الخوئي. على أنّ الشيعة لم تكن لتفصل الدِّين عن السياسة في أئمّتها (عليهم السّلام) وقادتها وفقهائها في فقه الإمامة والسياسة. وكان للتشيّع منذ فجر التاريخ الإسلامي رؤية سياسيّة مستقلّة مناهضة لكل السياسات التي تتاجر بالدِّين، وهي لا تستند إلى ركن ركين. ويرى أنّ في الدين سياسات كفوءة، قادرة على أن تقود المسلمين إلى حياة حرّة كريمة تغنيهم عن
  ١- التنقيح في شرح العروة الوثقى - ج١ - ج1       م30  
الانصهار في سياسات واردة غير مشروعة. وإذا كان الاجتهاد على ضوء السياسة، ممّا يدفع إلى الاستقلال، ومقارعة الطّغاة ومناهضة أعداء الدِّين، في دعاياتهم وسياساتهم، أو تبرير حكمهم، فانّ هذه السياسة هي ما وُصِفَ به الأئمة الهداة من أنّهم‏ «ساسة العباد وأركان البلاد»(1). والعقيدة الشيعيّة لم تر أن تحكّم السياسة على الدِّين، بل ترى أن تحتكم في أمر السياسة إلى الدِّين. ولم تكن لتغلّب المتغيِّرات السياسية على ثوابت الإسلام، ومسلّمات أُصوله. وفي رؤية الإمام الخوئي أن يكون الدِّين هو الحكم في السياسة، والمرجع لها، حتى تجري السياسة وراء الدين، ولا يجري وراءها تبعاً لها. والعقيدة الشيعيّة ترفض الاجتهاد من أجل السياسة، المتّخذة لصالح الحكّام، ولتبرير حكمهم. على أنّها كانت ولا تزال تجتهد في السياسة نفسها على ضوء الدِّين، وتتعرّف على ما يحيط بها من ملابسات الأُمور، «العالِم بزمانه لا تهجم عليه اللّوابس»‏(2). الاتجاهات التجدّديّة: كانت شخصيّته ذات نزعة تجدّديّة خارقة، ترعى المستجدّات العلميّة والفكريّة، ويطفو عليها، بما كان يدرك من أنّ الدِّين كلّه ثورة على الأوضاع كلّها. ومن هذا المنطلق، وجد أنّ أفضل الجهاد في سبيل اللََّه أن يبدأه بالعلم والعقيدة، فألهبت فيه تلك النزعة حركة الجهاد في العلم، والعمل الجهادي الدائب. وقد استطاع أن يحقِّق بذلك الثورة العلميّة في أروقة العلم والمعرفة. منهجيّة الإمام الخوئي في إحياء العلوم: كانت منهجيّته في مختلف العلوم الإسلامية التي مارسها، وأودعها في الحوزة العلمية، هي نزعة التحقيق والابتكار، والخروج عن الجمود والسلفيّة مهما أمكن.
_______________________________
(1) زيارة الإمام الهادي. (2) تحف العقول، للحرّاني/ 261.
  ١- التنقيح في شرح العروة الوثقى - ج١ - ج1       م31  
إبداعاته في علوم القرآن: وفي الوقت الذي كان يسعى‏ََ جاهداً للحفاظ على مقدّرات الحوزة العلميّة، ومتطلّباتها، وإصلاح مناهجها، كان يطرح فيها أُمّهات العلوم الإسلامية، تنشيطاً لحركتها ورسالتها العلميّة والإسلامية، وفي مقدّمتها دراسته للقرآن الكريم، والإنارة بعلومه، في حين كانت الحوزة العلميّة عازفة عن الاهتمام بها، بما فيها آيات الأحكام الجانب الفقهي في القرآن وكانت تتّجه فيها إلى نزعة التقليد، وفي علم الحديث والرِّجال أيضاً، وكل ذلك من ركائز الاجتهاد وأركانه. فحفّز الامام الخوئي الحوزة العلميّة على أن تتّجه إلى هذه العلوم، فكان قدوة لها، وكان من ثمار ذلك، وامثولتها، كتاب (البيان في تفسير القرآن) الذي ألقى الكثير من بحوثها على الفضلاء من طلّابه، ليتدرّجوا على أسلوبها ومناهجها، وكتاب (معجم رجال الحديث وطبقات الرّواة). كما عقد العزم على إعداد حقل آخر من العلوم الإسلامية، وهو فقه الخلاف المقارن، وخاصّة في (فقه القرآن على المذاهب الخمس)(1). إلاّ أنّه لم تواته ذلك للظروف العصيبة، غير الملائمة، من تمزّق الحوزة، وإجلاء الفضلاء المبرّزين، ممّن يستطيعون أن يعوا دقائق هذه العلوم، ويهتدوا إلى لبابها. المنهج التفسيري للإمام الخوئي: كان الإمام الخوئي، وآية اللََّه الطباطبائي مؤلِّف (الميزان في تفسير القرآن) زميلي دراسة في علوم القرآن عند آية اللََّه البلاغي في النجف الأشرف، وهو إمام المفسِّرين في عصره، وقد وصفه الإمام الخوئي بـ (بطل العلم المجاهد)(2). وقد غلب في بعض الأبحاث الجانب الفلسفي في كتاب (الميزان)، وغلب على (البيان) الجانب الفقهي فيها. (...وعلى ما أعهد، فإنّه كان محيطاً بالأبحاث الفلسفيّة، إذ كلّما دعت المناسبة ضمن‏
_______________________________
(1) لاحظ مقدّمة البيان (بين يدي الكتاب)، للسيد الحكمي. (2) البيان في تفسير القرآن، للإمام الخوئي/ 119.
  ١- التنقيح في شرح العروة الوثقى - ج١ - ج1       م32  
أبحاثه إلى الإشارة إلى المباحث العقليّة، فإنّه يبدي رأيه فيها كخبير مُضْطلع...)(1). ومن خصائص تفسيره انّه أنكر النّسخ في آيات الأحكام، تلك التي ادّعي نسخها. وقد عالجها آية آية من الناحية التفسيرية والفقهية، وأرجع موضوعاتها، إلى التقييد والتخصيص، وإخراج الخاص والمقيّد من شمول العام والمطلق، فيما يصطلح عليه أيضاً بالنّسخ الجزئي، إلّا في مورد واحد من نسخ الحكم بين آيتين: 1- الناسخ: آية الإشفاق‏(2). 2- المنسوخ: آية النجوى‏(3). موضوع الناسخ والمنسوخ: وقد وقع النسخ الثابت في القرآن في مورد واحد بين آيتي النجوى والإشفاق، إلّا أنّ مفسِّري أهل السنّة اتّسعوا في هذا النّسخ، وعدّوا أقسامه إلى ثلاثة: 1- نسخ التلاوة دون الحكم: وهو ما أتى به عمر، وادّعى‏ََ أنّه من القرآن، فلم يُقبل منه: (إذا زنى‏ََ الشيخ والشيخة فارجموهما البتّة (نَكََالاً مِنَ اَللََّهِ. وَاَللََّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) )(4). وليس هذا من النّسخ في شي‏ء. أ- لم يثبت أنّه آية من القرآن، ولم يدخل في المصحف، حتّى يخرج منه. وما هو مرفوض أن يكون من القرآن لا يسمّى‏ََ نسخاً. وقد ذكر الإمام الخوئي في صيانة القرآن من التحريف: (إنّ القول بنسخ التلاوة، وهو بعينه القول بالتحريف)(5).
_______________________________
(1) ذكرى الامام الخوئي (يادنامه آية اللََّه العظمى خوئى)/ 185، بيان الدكتور السيِّد جعفر الشهيدي، من الأساتذة والمحقِّقين في جامعة طهران، وهو من تلاميذ حوزة الإمام الخوئي في النجف الأشرف. (2) المجادلة: 13. (3) المجادلة: 15. (4) البيان في تفسير القرآن/ 220 و304 305. (5) نفس المصدر/ 219.
  ١- التنقيح في شرح العروة الوثقى - ج١ - ج1       م33  
ب- وحكم الرّجم إنّما ثبت بالسنّة، فلم يكن حكماً قرآنيّاً، حتّى تنسخ تلاوته ويبقى حكمه. 2- نسخ التلاوة والحكم: ويستدلّ على ذلك ينسخ الرّضعات العشر بالرّضعات الخمس التي جاءت بها عائشة. وادّعت أنّ ناسخها ومنسوخها كلاهما من القرآن: (عشر رضعات معلومات)(1)، رُويت عن عائشة أنّها قالت: كان في القرآن أنّ ما يحرم من الرضاع عشر رضعات، ثمّ نسخ ونزل أنّ ما يحرم خمس رضعات). وعلى رأي الامام الخوئي أنّ هََذين القسمين، يعدّان من القول بتحريف القرآن تلاوة وحكماً(2). وقد علّق الامام الخوئي ردّا على هذا النّسخ: (ومن هنا ذهب إلى كل منهما طائفة فإنّه بعد الاعتراف بنسخ التحديد بالعشر، ونزول التحديد بالخمس كيف يسوغ الإفتاء بأنّ الحد هو العشر استناداً إلى القرآن المنسوخ) كما لا يجوز الإفتاء بخمس رضعات ولا بالعشر لعدم وجود هذا النسخ في القرآن‏(3). ونسخ التلاوة للآية القرآنية بعد نسخ حكمها أمر محال في التشريع، كما هو الأمر في آيتي النجوى والإشفاق. إذ أنّ الأحكام هي التي تُنسخ، فتُرفع عن كاهل العباد، دون تلاوة الآيات المرفوع حكمها، ليبقى الناسخ والمنسوخ كلاهما من حيث دلالتيهما على النسخ الواقع في القرآن. 3- نسخ الحكم دون التلاوة: ومن أهم ما يستند إلى ذلك، هو آية النجوى، وآية الإشفاق. وعلى ما قدّمنا لم يبق من أنواع النسخ في القرآن إلّا نوع واحد، وهو نسخ الحكم دون التلاوة.
_______________________________
(1) البيان في تفسير القرآن/ 223 و304. (2) نفس المصدر/ 304. (3) أحكام الرِّضاع في فقه الشيعة، تقرير آيتي اللََّه الإيرواني والخلخالي/ 120، وهو من أبحاث الامام الخوئي، وفي مقدّمة الكتاب بقلم: الكاتب/ 10.
  ١- التنقيح في شرح العروة الوثقى - ج١ - ج1       م34  
وذكر مؤلِّف كتاب (النسخ في القرآن) شقّاً آخر من النّسخ، وهو: (النسخ قبل دخول الوقت) بقوله: (ثمّة واقعة خامسة يستدلّون بها، هي الإجماع على أنّ اللََّه تعالى أمرنا بالصّوم عاما، جاز أن ينسخه بعد شهر واحد، وذلك نسخ للصوم في باقي العام قبل دخول وقته). ثمّ قال: (بقيت واقعة وحيدة يُروى منها أقوى أدلّتهم، وهي الصّلوات الخمس المكتوبات للخمسين التي فُرِضَت ليلة المعراج على ما هو مشهور في الأحاديث الصِّحاح التي ذكرت قضيّة المعراج، وما كان فيها من لقاء محمّد (صلّى اللََّه عليه وآله) لموسى‏ََ (عليه السّلام)، واستتبعه هذا اللِّقاء من تكرار التوجّه إلى اللََّه بطلب التخفيف حتّى أصبحت خمساً، وكانت خمسين. وجعل أجرهنّ مع ذلك أجر خمسين...إنّ الحديث يُروى عن اللََّه عزّ وجلّ، بعد النسخ إلى خمس. أنّه قال‏ هي خمس وهي خمسون لا يُبدّل القول لديّ‏ )(1). ونقل مثل ذلك: صاحب البحار عن الصادق (عليه السّلام) قال: (جزى اللََّه موسى عن هذه الأُمّة خيراً)(2). وهذا هو معنى البداء الذي تقول به الشيعة، ويعبِّر عنه القرآن بالمحو والإثبات‏ (يَمْحُوا اَللََّهُ مََا يَشََاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ اَلْكِتََابِ) و هو إثبات تقدير، ومحوه بتقدير آخر، قبل نزوله ووقوعه‏(3). ويمكن أن يُناقش هذا الفرض من النسخ بأنّه لم تنزل به آية ليتحقّق النّسخ. وقد حدّد الإمام الخوئي معنى النّسخ وعرّفه بقوله: (هو رفع أمر ثابت في الشريعة الإسلامية بارتفاع أمده وزمانه...وإنّما قيّدناه بالرّفع بالأمر الثابت في الشريعة ليخرج به ارتفاع الحكم بسبب ارتفاع موضوعه، كارتفاع وجوب الصّوم بانتهاء رمضان)(4).
_______________________________
(1) النسخ في القرآن، للدكتور مصطفى زيد 1/ 186 187. (2) البحار 18/ 330 331. (3) البيان في تفسير القرآن/ 407، راجع تفاصيل موضوع البداء. (4) البيان في تفسير القرآن/ 296.
  ١- التنقيح في شرح العروة الوثقى - ج١ - ج1       م35  
إعجاز القرآن على مفهوم جديد: وحين تحدّى القرآن بلغاء العرب، وخفّف عليهم ثقل المعارضة (فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَاُدْعُوا شُهَدََاءَكُمْ مِنْ دُونِ اَللََّهِ...) (1)، ودعاهم إلى صنع ما عرض عليهم من نماذج قرآنيّة ليسهل عليهم معارضته ومشاكلته. فالمعنى الجديد في إعجاز القرآن هو إثبات استغناء القرآن عن كل ثقافة، وحاجتها هي إليه، وهو فوق الفكر البشريّ وانّه من عالم العلم الإلََهيّ المطلق‏(2). نزعة التعايش المذهبي في تفسيره: نهج هذا النهج الوحدوي في جميع آيات الأحكام التي نسخها المفسِّرون. وقد بدأ بإزالة هذا الاختلاف من رحاب القرآن، وهو كتاب الهداية والتوحيد. فوضع اطروحته في صيانة القرآن، وعصمته من التحريف زيادة ونقصاناً وقد نهج في التقارب بين المذاهب الإسلامية، والتخفيف من حدّة التوتّر بينها. وحاول التعايش والوحدة بين طوائف المسلمين، بالرجوع إلى أصل الإسلام، وعصر الرسول. وقد عالج هذه الوحدة بتوحيد عقائد الأُمّة وثقافتها من خلال الكتاب العزيز، وطرح ذلك من زاويتين: الاُولى‏ََ: ما ألقاه خصوم الإسلام من التخرّصات والشبهات حول القرآن، وقد أكّد في هذا العرض على إعجاز القرآن في حقائقه وتشريعاته وهداياته. الثانية: ما أصاب الكتاب العزيز من انطباعات المفسِّرين للآيات التي بدأ لهم النسخ فيها، من دون تمييز بين النسخ الجزئي، والنسخ الكلِّي. فإن كان النّسخ صحيحاً عندهم كان من شأنه تعطيل كثير من الأحكام القرآنيّة، وسقوطها عن العمل بها، وإن يكن هذا النّسخ غير صحيح، فتبقى‏ََ آياتها متعارضة، ومختلفة فيما بينها من دون تخريج. وقد عالج الإمام الخوئي تلك الآيات، ورفع عنها التعارض والتناسخ. وأدلى بعاصميّة القرآن من هذا النّسخ المدّعى‏ََ.
_______________________________
(1) البقرة: 23. (2) راجع مقدّمة البيان (بين يدي الكتاب)، للكاتب.
  ١- التنقيح في شرح العروة الوثقى - ج١ - ج1       م36  
وجهات النّظر حول تفسير البيان: 1- (وسيجد القارئ أيضاً أنّ كثيراً ما أستعين بالآية على فهم أُختها، واسترشد القرآن إلى إدراك معاني القرآن، ثمّ اجعل الأثر المرويّ مرشداً إلى هذه الاستفادة)(1). 2- (وإنِّي أسأل اللََّه أن ينفع بكم، وأن يجعل لكم جهداً مذكوراً، في جمع الشّمل، وإنارة الطّريق أمام عامّة المسلمين، تظلّهم نعمة الاُخوّة، ويستأنفوا أداء رسالتهم الكبرى، في إسعاد أهل الأرض، وتحقيق قوله تعالى‏ (وَمََا أَرْسَلْنََاكَ إِلاََّ رَحْمَةً لِلْعََالَمِينَ) )(2). 3- (وإذا لم يكن الكتاب فريداً في موضوعاته، فإنّه يقدِّم للقارئ وجهة نظر المؤلِّف الذي عرف مَن هو، وما هي مكانته كما يحمله من حيث يشعر ولا يشعر على الإيمان بأنّ طبيعة الإسلام لا تنفكّ عن العلم والعقل. وهنا تكن قيمة الكتاب، وفائدته العلميّة والعمليّة)(3). 4- (ويمتاز هذا الكتاب أيضاً بمحاولة إسلامية يستهدفها وينشدها، تلك هي مناهضته للمنازعات المذهبيّة التي جعلت من القرآن مسرحاً لها. ومع أنّ آياته الباهرات جاءت هدىً للناس ورحمة، تدعوهم إلى التوحيد والتماسك، وتوجِّههم إلى حياة عقليّة واحدة، تؤطِّر المسلمين، وتجمعهم على شريعة واحدة، لئلّا تفرِّق بهم السّبل، أو تمزِّقهم الأهواء)(4). تفاعلات حول القراءات والأحرف السّبعة: وقد أحدثت منهجيّته هذه في التفسير تفاعلات حول الأحرف السّبعة والقراءات،
_______________________________
(1) البيان في تفسير القرآن/ 22، وصف المؤلِّف لتفسيره. (2) نفس المصدر/ 13، إشادة العالم الأزهري: أحمد حسن الباقوري في مقدّمة (بين يدي الكتاب)، للكاتب. (3) نفس المصدر/ 16، إشادة العلّامة الشيخ محمّد جواد مغنية في مقدّمة (بين يدي الكتاب)، للكاتب. (4) نفس المصدر/ 13، من مقدّمة البيان للسيّد الحكمي.
  ١- التنقيح في شرح العروة الوثقى - ج١ - ج1       م37  
ورفض أن تكون متواترة عن الرّسول، قياساً على تواتر القرآن. وقد ناقش الإمام الخوئي أدلّة القائلين بتواتر القراءات، واستخلص إلى القول: (بأنّ تواتر القرآن لا يستلزم تواتر القراءات، لأنّ الاختلاف في كيفيّة الكلمة لا تنافي الاتفاق على أصلها...وانّ الواصل إلينا بتوسّط القرّاء إنّما هو خصوصيّات قراءاتهم. أمّا أصل القرآن فهو واصل إلينا بالتواتر بين المسلمين)(1). ورضى‏ََ في ذلك بأقوال المعنيين بعلوم القرآن، من أمثال الزركشي في البرهان: (القرآن والقراءات حقيقتان متغايرتان، فالقرآن هو الوحي الإلََهي المنزل على محمّد (صلّى اللََّه عليه وآله) للبيان والإعجاز، والقراءات اختلاف ألفاظ الوحي في الحروف...والتحقيق أنّها متواترة عن الأئمة السبعة. أمّا تواترها عن النبيّ (صلّى اللََّه عليه وآله)، ففيه نظر)(2). وأنكر الإمام الخوئي حجّيّة القراءات، واستدلّ على ذلك بقوله: (إنّ كلّ واحد من هؤلاء القرّاء يحتمل فيه الغلط والاشتباه، ولم يرد دليل من العقل، ولا من الشّرع على وجوب اتِّباع قارئ منهم بالخصوص). وفي جواز القراءة بها في الصّلاة، قال: (والحق أنّ الذي تقتضيه القاعدة الأوّليّة هو عدم جواز القراءة في الصّلاة بكل قراءة لم تثبت القراءة أنّها من النبيّ الأكرم (صلّى اللََّه عليه وآله) أو من أحد من المعصومين (عليهم السّلام) لأنّ الواجب في الصّلاة قراءة القرآن، فلا تكفي قراءة شي‏ء لم يحرز كونه قرآناً)(3)، بل قد تبطل الصّلاة به. قال الإمام الخوئي: (وقد يتخيّل أنّ الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن هي القراءات السّبع، فيتمسّك لإثبات كونها من القرآن بالروايات التي دلّت على أنّ القرآن نزل على سبعة أحرف)(4).
_______________________________
(1) البيان في تفسير القرآن/ 173 174. (2) نفس المصدر. (3) نفس المصدر/ 183. (4) نفس المصدر/ 176.
  ١- التنقيح في شرح العروة الوثقى - ج١ - ج1       م38  
مردودات الباحثين: وقد ناقش الامام الخوئي فيما ذهب إليه باحث مصري‏(1) بقوله: ويمثِّل رأي الشيعة الإماميّة طرفاً آخر في قضيّة الأحرف السبعة. قد عبّر عن رأيهم في تفصيل ووضوح السيِّد أبو القاسم الخوئي، في كتابه (البيان في تفسير القرآن) تناقضات الرواة الواردة عن الأحرف السبعة، وقال: (قال الصادق أنّ القرآن واحد، نزل من عند الواحد، ولكن الاختلاف يجي‏ء من قِبَل الرّواة. وقال أيضاً انّ الصادق (عليه السّلام) حكم بكذب الرواية المشهورة بين الناس: نزل القرآن بسبعة أحرف، ولكنّه نزل على حرف واحد من عند الواحد. وقريب من هذا أيضاً ما رواه ابن أبي داود، عن ابن مسعود، حين أعلن رضاه عن جمع عثمان للمصحف)(2). واستطرد القول: (أمّا الأساس الذي بنى‏ََ عليه الشيعة موقفهم من هذا الحديث وغيره هو أنّ المرجع بعد النبيّ (صلّى اللََّه عليه وآله) في أُمور الدِّين إنّما هو كتاب اللََّه، وأهل البيت الذين أذهب اللََّه عنهم الرِّجس وطهّرهم تطهيرا)(3). وعلّق على ذلك بقوله: (وهذا القول لم يسلم أيضاً من التناقض، فالمعروف أنّ ترتيب المراجع في أُمور الدِّين يجعلها هكذا: القرآن، ثمّ السنّة، ولكنّه جعل النبيّ أوّلاً، ثمّ القرآن، ثمّ أهل البيت. وعلى أيّة حال، فإنّ لكل جماعة مسوغاتها في تقرير آرائها)(4). وقد فات الباحث: أنّ النبي (صلّى اللََّه عليه وآله) هو القائل‏ إنِّي تارك فيكم الثِّقلين: كتاب اللََّه وأهل بيتي‏ (5)، وفي هذا الحديث أيضاً تقديم النبيّ (صلّى اللََّه عليه وآله) على القرآن. فأمّا سنّة النبيّ (صلّى اللََّه عليه وآله) عند الإماميّة، فهي كل ما أثر منها عن أهل البيت (عليهم السّلام). وعقّب أيضاً على القول بتناقضات الروايات التي فصّلها الامام الخوئي بقوله: (لا تعدو أن تكون ملاحظات شكليّة، ما دامت نتيجة المواقف دائماً الأمر، أو
_______________________________
(1) تاريخ القرآن/ 30، للدكتور عبد الصبور شاهين. (2) نفس المصدر. (3) نفس المصدر. (4) نفس المصدر. (5) مناقب عليّ بن أبي طالب، لابن المغازلي الشافعي/ 234.
  ١- التنقيح في شرح العروة الوثقى - ج١ - ج1       م39  
الإخبار، أو الترخيص بالقراءة على سبعة أحرف. وإنّما يهوّن شأن هذه الشكليّات كثرة الطّرق التي انتقل بها هذا الحديث، فلا معنى لهذه الكثرة ما لم توجد اختلافات يسيرة، تنتهي دائماً نهاية واحدة، فالثابت المتواتر في نظرها هو هذه النهاية التي أجمع هذا الجمهور من الرواة والأسانيد)(1). ولم يلاحظ مؤلِّف تاريخ القرآن ما أورده الإمام الخوئي من تصريحات نفاة تواتر القراءات، من أئمة الحديث، والتفسير، وعلوم القرآن، وما أورده من تضعيف القرّاء عن طرقهم. ويهون عليه التناقض، وهو من القضايا العقليّة الضرورية التي تنتهي إليها بديهيّات الأُمور. وتواتر هذه التناقضات هو الذي يفنِّد تواتر كل واحد من أطراف هذه الأحاديث، وتناقضات الروايات هو عين اختلاف النصوص في ألفاظها. وذلك هو الذي يهون في شكليّات الأحاديث. ومضى‏ََ في انتقاده أن قال: (وأخطر قضيّة في هذا النصّ بعد نفي الأحرف الستّة القول: بأنّ الاختلاف قد جاء من قِبَل الرواة، وهي لازمة لنفي الأحرف. ومقتضى ذلك القول بعدم التوقيف، واعتبار ما ورد من القراءات والأوجه في القرآن تحريف وعبث من الرواة. ومعاذ اللََّه أن يُقال هذا بحق أصحاب القرآن، فهم هم ورعاً وضبطاً في الرواية والآراء...)(2). ويمكن التعليق على أقواله بأُمور: 1- لم يتّفق القوم على معنى محدّد ومحصل للأحرف السبعة ليكون يسراً للأُمّة. 2- أنّ الاختلافات في مصداقها، قد أورثت البلبلة، وجعل الأُمّة في حيرة من أمرها. 3- إنّ النبيّ (صلّى اللََّه عليه وآله) قد أورث عترته مسؤوليّة الحفاظ على القرآن: (في كلّ خلف من أُمّتي عدول من أهل بيتي ينفون عن هذا الدِّين تحريف الضّالِّين، وتأويل‏
_______________________________
(1) تاريخ القرآن/ 31. (2) نفس المصدر/ 25 26.
  ١- التنقيح في شرح العروة الوثقى - ج١ - ج1       م40  
الجاهلين)(1). ولم يعط هذه المسئولية لأي صحابي، أو تابعي لهم. 4- لم يتناقض كل راوية من الصحابة مع نفسه، ليتّهموا بالتحلّل من الضّبط، وإنّما اختلف أحدهم مع الآخر. ومحاكمة الأحاديث ونقدها وتمحيصها، هو غير محاكمة الرّواة وتضعيفهم، والطّعن فيهم. على أنّه ليس ذلك ببدع في كتب الرِّجال، كما مرّ في حقل (أضواء على القرّاء) وتضعيفهم عن طرقهم‏(2). 5- وليس أبدع، ولا أكثر طبيعيّة من هذا القول: (نزل القرآن على حرف واحد من عند الواحد، وهو معنى قوله تعالى‏ (وَلَوْ كََانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اَللََّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اِخْتِلاََفاً كَثِيراً) (3) ). 6- وإنّ عثمان لم يعد يتحمّل اختلاف النسخ للقرآن، فأحرقها إلّا نسخة واحدة، خوفاً من الاختلاف، ولم يكن هذا الأمر طعناً في الصحابة ولا في القراءات السبعة، ولا تعريضاً بأهل القرآن ورواة الأحاديث، وهو أقوى دلالة ودراية من روايات الصادقين (عليهما السّلام) تلك التي أوردها الإمام الخوئي. وقد نقل الدكتور نفسه آنفاً: (وقريب من هذا ما رواه ابن أبي داود، عن ابن مسعود، حين أعلن رضاه عن جمع عثمان للمصحف)(4). وقد تمسّك الإمام الخوئي بأقوال أهل البيت (عليهم السّلام)(الّذين لا يُقاس بهم أحد وهم موضع سرّه، ولجأ أمره، وعيبة علمه، وموئل حكمه)(5)، بينما تمسّك الدكتور بنقول الصحابة في مقابل ذلك. اشادات المعنيِّين بعلوم القرآن: 1- أشاد مؤلِّف كتاب تاريخ القرآن في مكان آخر من هذا البحث، بالإمام الخوئي، فقال: (وهذه الأوجه السّبعة هي التي صنّفها من قَبل الإمام ابن قتيبة بنصّها، وإن كان‏
_______________________________
(1) الصواعق المحرقة، لابن حجر العسقلاني/ 90. (2) البيان في تفسير القرآن. (3) النساء: 62. (4) تاريخ القرآن/ 30. (5) نهج البلاغة: الخطبة 2.
  ١- التنقيح في شرح العروة الوثقى - ج١ - ج1       م41  
ابن الجزري يؤكِّد أنّ ذلك عنده من محض معاناته وإمعانه. وقد علّق الخوئي على هذا الحصر للأحرف السّبعة، فيما قرّره ابن قتيبة، وابن الجزري تعليقاً منطقيّاً ذكيّاً، فات الأقدمين ملاحظته، قال: إنّ كثيراً من القرآن موضع اتّفاق بين القرّاء، وليس مورداً للاختلاف. فإذا أضفنا موضع الاتفاق إلى موارد الاختلاف بلغ ثمانية. ومعنى هذا أنّ القرآن نزل على ثمانية أحرف. وهذا احتمال لم يأخذه القدماء في اعتبارهم، حين حصروا وجوه الاختلاف)(1). واحتجّ صاحب تاريخ القرآن برأي الإمام الخوئي في صيانة القرآن وعاصميّته من التحريف بالزيادة والنقصان، وما ورد من إشادات في القرآن لفضائل عليّ (عليه السّلام)، قال: (وبحسبنا في دفع هذه الروايات أن نعيد هنا ذكر ما قاله أحد مجتهدي الشيعة المعاصرين، وهو السيد الخوئي في أثناء حديثه عمّا قيل من أنّ عليّاً (عليه السّلام) كان له مصحف غير المصحف الموجود، وأنّه كان مشتملاً على ألفاظ ليست موجودة في القرآن الذي هو بين أيدينا كهذه الأبعاض الموضوعة وغيرها ممّا سوف نعرض له قال: إنّ الصحيح أنّ تلك الزيادات كانت تفسيراً بعنوان التأويل)(2). 2- وقد أشاد بمنهج الامام الخوئي في التفسير صاحب كتاب (القرآن والتفسير) تحت عنوان (منهج الخوئي في التفسير)، بقوله: (لقد كانت اُولى علامات المنهج عند السيد الخوئي أنّه بعد أن عرّف التفسير بأنّه: (إيضاح مراد اللََّه تعالى في كتابه العزيز)، قال: (فلا يجوز الاعتماد فيه على الظّنون والاستحسان، ولا على‏ََ شي‏ء لم يثبت انّه حجّة من طريق العقل، أو من طريق الشّرع، للنهي عن اتِّباع الظنّ، وحرمة إسناد شي‏ء إلى اللََّه بغير إذنه، قال تعالى‏ (قُلْ آللََّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اَللََّهِ تَفْتَرُونَ) و قال تعالى‏ (وَلاََ تَقْفُ مََا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) ، إلى غير ذلك من الآيات والروايات الناهية عن العمل بغير العلم والروايات الناهية عن التفسير بالرأي). وتحت عنوان (تمسّكه بظاهر القرآن والفرق بينه وبين الرأي) نقل عنه قوله: وقال‏
_______________________________
(1) تاريخ القرآن/ 38. (2) نفس المصدر/ 171، نقلاً عن البيان في تفسير القرآن/ 172 173.
  ١- التنقيح في شرح العروة الوثقى - ج١ - ج1       م42  
لا بدّ للمفسِّر من أن يتبع الظواهر التي يفهمها العربي الصحيح، وقد أقام الأدلّة في البحث الذي خصّصه لحجّيّة ظواهر الكتاب ص281 وما بعدها من القرآن والسنّة المتواترة، والعقل، وأبطل في هذا البحث حجج الذين منعوا من العمل بالظاهر. وهو في هذا البحث فرّق بين التفسير بالرأي المنهيّ عنه، والتفسير بالظاهر. وذلك لأنّ الظاهر هو التفسير بما يفهمه العرب من اللّفظ، أو بما تدلّ عليه القرائن المتّصلة والمنفصلة، فان حمل اللّفظ على ظاهره بعد الفحص عن القرائن المتّصلة والمنفصلة من الكتاب والسنّة، أو الدليل العقلي لا يُعدّ من التفسير بالرأي. بل ولا من التفسير نفسه؛ لأنّ التفسير هو كشف القناع، فلا يكون حمل اللّفظ على ظاهره تفسيراً، لأنّه ليس بمستور حتى يُكشف. إذن فهو يرفض التفسير بالرأي، ولكنّه يقبل التفسير بالظاهر لهذا الفرق بينهما، الذي يتلخّص في أنّ التفسير بالرأي هو العمل بالعمومات، أو المطلقات من غير فحص عن المخصّص أو المقيّد، بينما التفسير بالظاهر أخذ بظاهر اللّفظ ولكن بعد الفحص عن المخصّص أو المقيّد. وأدام البحث أيضاً تحت عنوان: (تفسير القرآن بالقرآن) بما صرّح به الإمام الخوئي، وسيجد القاري أنّ كثيراً ما أستعين بالآية على فهم أختها، واسترشد بالقرآن إلى إدراك معاني القرآن، ثّم أجعل الأثر المروي مرشداً إلى هذه الاستفادة، ونجد هذا المنهج شائعاً في تفسيره‏(1). وكمثل عليه أنّه ينقل عن الطبري وتفسير البرهان للسيد هاشم البحراني في كلمة الرّحمََن الرّحيم: انّ بعض الروايات تقول: الرّحمََن اسم خاص معناه عام والرّحيم اسم عام ومعناه خاص، وانّه مختص بالآخرة أو المؤمنين. فردّ هذه الروايات مستدلّاً باستعمال القرآن لفظ الرّحيم من غير اختصاص بالمؤمنين، أو بالآخرة، مثل‏ (فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصََانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) ، ومثل‏ (نَبِّئْ عِبََادِي أَنِّي أَنَا اَلْغَفُورُ اَلرَّحِيمُ) ، وأمثالها ممّا يدلّ على عدم اختصاص الرّحيم بالمؤمنين، كذلك فانّ كثيراً من الروايات والأدعية تقول رحمََن الدّنيا والآخرة ورحيمهما.
_______________________________
(1) القرآن والتفسير/ للدكتور عبد اللََّه محمود شحاته/ 221.
  ١- التنقيح في شرح العروة الوثقى - ج١ - ج1       م43  
وانتهى إلى البحث تحت عنوان (اعتماده السنّة الصحيحة): (وهو يعتمد في تفسيره على السنّة الصحيحة عن النبي (صلّى اللََّه عليه وآله) أو عن أهل بيته (عليهم السّلام) الّذي أوصى‏ََ النبيّ (صلّى اللََّه عليه وآله) بوجوب التمسّك بهم، فقال‏ إنِّي تارِكٌ فيكم الثّقلين، كتاب اللََّه وعترتي أهل بيتي ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا أبداً... مسند أحمد 3/ 12، 17، 26، 59. ولا فرق عنده في السنّة الثابتة بين المتواتر منها، والآحاد، فهو يذهب إلى حجّيّة الخبر الواحد الثقة، ص423)(1). وتحت عنوان: (اعتماد حكم العقل)، فقال في هذا الباب: (ويتبع المفسِّر ما حكم به العقل الفطري الصحيح، فإنّه حجّة من الداخل، كما أنّ النبيّ (صلّى اللََّه عليه وآله) حجّة من الخارج، ص422). وهذا الذي قاله عن الدليل العقلي هو ما التزم به الشيعة الإماميّة في ذهابهم إلى: حجّيّة العقل، وجعل الأدلّة عندهم أربعة: الكتاب والسنّة، والإجماع، والعقل. وشواهد أدلّة العقل في تفسيره، والاحتكام إلى العقل الفطري السليم أكثر من أن تخص، ولا حاجة لضرب الأمثال لها، فإنّ أكثر أدلّته عقليّة)(2). وهكذا اختار الإمام الخوئي هذا الاتجاه في التفسير، خلافاً لما اختاره المفسِّرون من أن يوسعوا آفاق القرآن بآرائهم، واستحسانهم، تاركين ألفاظه للََّه، ومعانيه لأنفسهم، وفاتهم أنّ التصرّف في معنى القرآن تصرّف في الوحي بتحريفه عن أكمل وجوه اعجازه، وبالتالي هبوطه إلى مستوى الفكر البشري القاصر، وإقصائه عن المسحة الإلََهيّة. فكان من الطبيعي أن يختار هذا المنهج في التفسير، جرياً وراء إعجاز القرآن وخصائص الوحي‏(3). وقد سُئل الإمام الخوئي عن تفسير القرآن بالقرآن، فأفتى‏ََ: (أحسن التفسير تفسير
_______________________________
(1) نفس المصدر/ 222. (2) القرآن والتفسير/ 220 223، نقلاً عن البيان. (3) راجع مقدّمة (قبس من تفسير القرآن) للحجّة الشهيد السيّد محمّد تقي الخوئي بقلم السيد الحكمي.
  ١- التنقيح في شرح العروة الوثقى - ج١ - ج1       م44  
القرآن بالقرآن، حيث فهم الآية من خلال آيات اُخرى‏ََ)(1). من إبداعاته في الأُصول: ولقد أجال النظر في هذا العلم، سواء فيما يرجع إلى تنسيقه من الخلط والفوضى‏ََ، أو ما يرجع إلى تحريره من الحشو والزّوائد. تبنّى‏ََ فيه مباني بلور حقائقها وأدلّتها حتى انتهى‏ََ بها إلى غاية ما وصل إليه هذا العلم من تقدّم وتجديد. وكان منها هذه النماذج: أ- الوضع: وهذا التلازم بين اللّفظ والمعنى‏ََ، يتم ذلك بالنطق من جهة، والقصد من جهة أُخرى. وعلى أساس هذا الوضع تكون الدلالة الحاصلة بينهما دلالة تصديقيّة، غير تصوّريّة. ويتعهّد المتكلِّم بها عند النّطق بالألفاظ. بدء نشوء اللّغة وفي نشوء اللّغة في صحّة الوضع أشاد الدكتور الفضليّ بالنظريّة التجريبيّة للإمام الخوئي، وتفضيلها على نظرية (جسبرسن) الاستقرائية، من إلماحه إلى عزل الأطفال، قبل تعليم اللّغة من أُسرهم ومحيطهم، واختراعهم لغة خاصّة بهم‏(2). والحقيقة: انّه يوم خلق اللََّه آدم وحوّاء، وأسكنهما الجنّة، في رغد من العيش، بعيداً عن معاناة الحياة وملابساتها، كان لا بدّ من أن ينطقهما، كما أنطق اللََّه كلّ شي‏ء. (أَنْطَقَنَا اَللََّهُ اَلَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ) (3)، بل علّمه البيان بمجرّد خلقه‏ (اَلرَّحْمََنُ. عَلَّمَ اَلْقُرْآنَ. خَلَقَ اَلْإِنْسََانَ. عَلَّمَهُ اَلْبَيََانَ) (4). ويبدو أنّ هذه المعرفة الحياتية، قد حصل عليها آدم وحوّاء، واتّسعت بعد ذلك-
_______________________________
(1) مسائل وردود 1/ 144. (2) مجلّة النور اللّندنيّة، السنة الثالثة، العدد 29، السنة 1413 هـ/ 28. والشيخ عبد الهادي الفضلي من أساتذة الجامعات السعوديّة، وهو من تلاميذ الإمام الخوئي في حوزته العلميّة بالنجف الأشرف. (3) فصِّلت: 21. (4) الرحمََن: 1 4.
  ١- التنقيح في شرح العروة الوثقى - ج١ - ج1       م45  
في أبنائهما وسلالتهما، على مستوى ما اتّسعت الحياة ومتشابكاتها، فكان واضع اللّغة وملهمها هو اللََّه، بادئ ذي بدء، ويُؤثر أنّ آدم انّما سُمِّي بآدم، لأنّه خُلِقَ مِن أديم الأرض. وقد ساعد على ذلك ما أنطق اللََّه الأحجار حين انحدارها من الجبال لطقطقتها، والأشجار حين اشتدّت بها الرِّيح بحفيفها، والمياه حين تلاطمت بخريرها، وكذلك الطيور بزغردتها، والعجماوات بخوارها، وعوائها، وزئيرها، والرّعد برعديده، وما إلى ذلك من الأصوات التي صنعت منها أسماء الأصوات التي تحاكيها. ومن جهة أُخرى، إذا كانت أصوات الطبيعة وضجيجها هي الباعث في كلّ لغة ساعدت على وضع كثير من مفرداتها لكانت لغة واحدة، إلّا أنّها كانت ولا تزال مختلفة. ولو أنّها كانت موضوعة على غير انسجام، لم تكن لها كل تلك الخصائص التي جمعتها على نسق واحد، ذات هيئات لصيغها المختلفة، صيغة الماضي والمضارع والأمر، وصيغ لاسم الزمان، والظروف المكانيّة، وأسماء الآلات في أوزان مختلفة، تختصّ بها دون غيرها. ولذلك وُجِدَت منسجمة، ومتّسقة غير عشوائيّة. فيها أسرار لغويّة وبلاغية مطردة. وهكذا كان المعلِّم الأوّل، هو اللََّه، والملقِّن هو الطّبيعة المستعان بها، وواضعها قبل ذلك هو الحكيم العالِم. ثمّ استطاع الإنسان أن يجد المعاني المجرّدة، يتلقّى أسماءها، كالتعبير عن العقل والعلم والفهم والشعور والإدراك، وهي من الذخائر النفيسة الدفينة، الوادعة، التي لا جلبة لها، ولا ضوضاء. ولذلك: فكان من المسلّم أن تكون هناك إمدادات غيبيّة مجرّدة، فُطِرَ عليها الإنسان. وقد وصل في ذلك إلى وضع لغات غليظة للقوّة الغصبيّة، باعتبار آثارها من الزمجرة والهياج، ولصفة الشجاعة، وما ينشأ عنها من تفاعلات.
  ١- التنقيح في شرح العروة الوثقى - ج١ - ج1       م46  
وكان احتكاك الشعوب بعضها ببعض، وتعارفها واختلاطها، وتعاملها فيما بينها، قد أحدثت التطوّر السريع. ولا بدّ لنا أن نقول بارتباط اللّغة بالهندسة الفكريّة، والوعي الإنساني، واستطلاعاته، وإلّا لما كانت مثلاً للّغة العربيّة كلّ هذه الضوابط المطردَة، والقواعد العامّة التي لا تخلو عامّتها من حكمة وتعقّل وتجريد. علاقة اللّفظ بالمعنى‏ وهناك اتجاهات أُصوليّة، تعرّض لها علماء الأُصول، في الترابط بين المعنى واللّفظ، وتتلخّص في هذه الموارد: 1- اختصاص اللّفظ بالمعنى بعد الوضع والتخصيص‏(1). 2- جعل اللّفظ علامة على إرادة المعنى‏ََ(2). 3- علاقة اللّفظ بالجعل والاعتبار، على أساس واقع خارجي‏(3). 4- الاتحاد بين اللّفظ والمعنى في عالم الاعتبار(4). 5- العلقة الحاصلة بين اللّفظ والمعنى بواسطة جعل اللّفظ(5). 6- الرّبط بالملازمة والعلقة الحاصلة بين اللّفظ والمعنى‏ََ بالجعل‏(6). إلّا أنّه ليست مشكلة البحث ممّا تقتصر على الترابط بين اللّفظ والمعنى‏ََ، بعد الاطِّلاع عليها، بقدر ما تكون المشكلة فيمن وضعها، وأوجد فيها هذه العلقة والترابط. أمّا بعد الوضع، فلا بدّ وأن يكون بينهما هذا الترابط الدائم، والعلقة التصوريّة
_______________________________
(1) كفاية الأُصول. (2) الأصفهاني. (3) العراقي. (4) البجنوردي. (5) المشكيني. (6) الخوئي.
  ١- التنقيح في شرح العروة الوثقى - ج١ - ج1       م47  
والارتكازية أوّلاً، ثمّ العلقة التصديقية المتقنة، بمجرّد تصوّر اللّفظ، وتداعي المعنى‏ََ من مرحلة التصوّر إلى التصديق. ب- جواز التمسّك بالشبهات المصداقيّة في العام، بضمّ الوجدان إلى الأصل، ولو باستصحاب العدم الأزليّ. ج- الشهرة غير جابرة للخبر الضّعيف، إذ لا يمكن لغير الحجّة أن يجعل الغير حجّة، إلّا في الموارد التي تكون هذه الشهرة جابرة لنقاط الضّعف، أو تكون مؤثِّرة على اختلاف مواردها. من إبداعاته في الفقه والقواعد الفقهيّة: أ- يرى‏ََ أنّ المكره على القتل لم يتعلّق به القصاص، بل يجب عليه إعطاء الدية(1). ب- ضمان العاقلة في دفع الدية حكمه تكليفي، وهو لا يختلف عن وجوب نفقة الأقارب. أمّا الحكم الوضعي فعلى الجاني نفسه. ج- يرى‏ََ عدم إطلاق قاعدة: «الحدود تدرأ الشبهات» وتختص بمورد معيّن: (المراد بالشبهة عن قصور أو تقصير في المقدّمات الموجبة لسقوط الحد هو الجهل مع اعتقاد الحلِّيّة(2). د- موضوع رؤية الهلال: يرى أنّ بداية الشهر القمري بداية واحدة، لا يمكن أن يكون حلول الشهر القمري حلولاً نسبيّاً يختلف فيه أُفق عن أُفق، بل يكون خروجه عن المحاق، ودخوله فيه دفعي غير تدريجي، حتى يُقاس على مشارق الشمس ومغاربها. وأمّا القمر فإن يدخل في المحاق فهو نهاية شهر منصرم، وإن يخرج منه فهو بداية شهر جديد ومُقبِل‏(3). هـ- عدم تنجيس المتنجِّس.
_______________________________
(1) مباني تكملة المنهاج، ج 1، مسألة 17/ 13. (2) نفس المصدر، ج 1 مسألة 134 و169. (3) منهاج الصالحين، قسم العبادات/ 278، نقلاً بالمضمون والاختصار.
  ١- التنقيح في شرح العروة الوثقى - ج١ - ج1       م48  
و- وعدم تحريم الموسيقى بقول مطلق، بل بتفصيل يرجع إلى إيقاعها، وسماعها، واستعمال آلاتها، وبيعها واقتنائها، فأفتى‏ََ: (تختلف الآلات الموسيقيّة: بعضها لَهويّة، فلا يجوز استعمالها ولا بيعها ولا شراؤها، وبعضها الآخر غير لَهوي، فلا بأس ببيعه وشرائه، والنوع اللّهوي يرجع وصفه إلى أهل الخبرة من العُرْف. كما ذكرنا سابقاً الموسيقى المحرّمة هي الأغاني التي تناسب حفلات اللّهو والرّقص مثلاً، ويستعمل لها. وأمّا الألحان غير اللّهويّة فليست محرّمة، كالتي تُستعمل في العزاء، أو الحرب، أو ما شاكلها)(1). ز- الإفتاء بحرمة التدخين، مع الإضرار الموجب لحرمته، وتأثيره على الجنين‏(2). ح- ومسائل ترجع إلى البنوك والشركات، من المسائل التي تواكب الحياة الحضارية، ممّا أدّى إلى رفع الحيرة عن المسلمين‏(3). ط- تطبيقات فقهيّة لقاعدة الإلزام. فلو التزم قوم أو طائفة بقاعدة من القواعد الشرعيّة فإنّ لغيرهم إلزامهم بها(4). وقد تطرّق في المسائل المستحدثة إلى أعقد المسائل الفقهيّة التي يواجهها الجيل الحاضر: كالتلقيح الصناعي، والتشريح، والترقيع، والعقم المؤقّت، وعدم اعتبار الاختبارات الطبيّة في إلحاق النّسب، والأدوية الممزوجة بمادّة الكحول، وحكم الشطرنج، ونقض حكم الحاكم. وإحساساً منه بمتطلّبات العصر الحاضر وضروراتها وقيام الحكومات الإسلامية، والتزام بعضها بإجراء الحدود والتعزيرات، ألّف كتاب (تكملة المنهاج) في القضاء المستدلّ. ومن القواعد الفقهيّة التي نظر إليها قاعدة (لا ضرر ولا ضِرار)، واعتبر أنّ قصّة سمرة ابن جندب لا تستند إلى هذه القاعدة بقوله: (فانّ ما يستفاد من الرواية الواردة أمران‏
_______________________________
(1) منية السائل (استفتاءات الإمام الخوئي)/ 171 173. (2) نفس المصدر/ 206. (3) المصدر السابق. (4) مسائل وردود، ج 1، وكتاب منية السائل (فتاوى الإمام الخوئي).
  ١- التنقيح في شرح العروة الوثقى - ج١ - ج1       م49  
أحدهما: عدم جواز دخول سمرة على الأنصاري بغير استئذان. ثانيهما: حكمه بقلع العذق. والإشكال المذكور مبني على أن يكون الحكم الثاني بخصوصه، أو منضمّاً إلى الحكم الأوّل مستنداً إلى نفي الضّرر. وكان الحكم الثاني الناشئ عن ولايته على أموال الأُمّة وأنفسهم، دفعاً لمادّة الفساد، أو تأديباً له لقيامه معه مقام العناد واللّجاج، كما يدلّ عليه قوله: (اقلعها وارمِ بها وجهه)، وقوله لسمرة: (فاغرسها حيث شئت)، مع أنّ الظاهر واللََّه العالم سقوط العذق بعد القلع عن الإثمار، وعدم الانتفاع بغرسه في مكان آخر، فهذان الكلامان ظاهران في غضبه على سمرة، وكونه في مقام التأديب كما هو في محلّه لمعاملته معه معاملة المعاند، التارك للدّنيا والآخرة، وللإطاعة والأدب معاً، كما يظهر من مراجعة القضيّة بتفصيلها. فتلخّص: أنّ حكمه بقلع العذق لم يكن مستنداً إلى قاعدة نفي الضّرر)(1). ويعتقد أنّه أُبيح للنبي ذلك، منعاً لإيذائه، والتمرّد عليه، إلى حدّ أن يكون سمرة مهدور المال في هذه الشجرة، ومسلوب الملكيّة لها. من إبداعاته في الفلسفة الإسلاميّة: كان الإمام الخوئي يحسن الفلسفة، ويأخذ بها دعماً للدِّين، ودحضاً للشّبهات، وقد قرّر عنه أحد تلاميذه موضوع (الأمر بين الأمرين)(2) وهو من مدرسة أهل البيت التي تفرّدت بها، كما تطرّق إلى أكثر الفلسفات التي عنى‏ََ بها القرآن، من أمثال مسؤولية العباد عن أفعالهم، وعقيدة المحو والإثبات (البداء)، وأقسام القضاء المحتوم والمعلّق، وصفات اللََّه الكماليّة والجلاليّة والذاتيّة والأفعاليّة، تبعاً لما جاء في القرآن‏(3).
_______________________________
(1) مصباح الأُصول 2/ 32، تقرير العلّامة البهبودي. (2) الأُستاذ الجعفري، صاحب الآراء والدراسات الفلسفية العالية. (3) البيان في تفسير القرآن/ 110، 407، 440، 548، 549، 565، 566، قسم التعليقات.
  ١- التنقيح في شرح العروة الوثقى - ج١ - ج1       م50  
من إبداعاته في علم الرِّجال: قد يبدو أنّ التحدّث عن رجال الحديث من الحقول الاختصاصية التي لا يمكن أن يتدارسها إلّا النزر من ذوي الخبرة والاختصاص، والمتمرِّسين بالمعرفة الرجالية القدامى، الذين اسبغوا على هذا العلم التوقيفية والتعبّد، أُولئك الذين ظلّت خبراتهم، ودراياتهم حجّة قاطعة على من تخلّف عنهم بينما ظلّت أقوال المتأخِّرين، وخبراتهم حجّة اجتهاديّة، يمكن مناقشتها، والنّظر فيها، والحكم لها أو عليها. علم الرِّجال بين النصّ والاجتهاد: ويمكن أن تكون الحجّة في الأخذ بما ركّز عليه الروّاد الأوائل في الكتب الأُصول، كأساس موثوق به، وهو قرب عهدهم بالأئمة والرِّجال، وبمناهج الحديث، وطبقات المحدِّثين بالمصادر التي مكّنتهم من المعرفة الخاصّة بأحوالهم. كما يمكن أن تكون الحجّة في إمكانيّة النظر والاجتهاد في كلّ ما جاؤوا به من مبانٍ وأحكام على مصاير الرجال، فيما أمكن لموضوعات هذا العلم من أن تنسلخ عن إطار أُصولها، وقواعدها التقليدية الموروثة، ونطاق نصوصها، وأحكامها التوقيفيّة، وما أمكن أيضاً لتفريعاته ولواحقه من أن تدخل في عِداد المسائل الاجتهاديّة لهذا العلم، كان ذلك هو الجانب الرِّجالي الذي ظلّت دراسته، والنظر فيه من مقوّمات الأخذ بالتشريع الإسلامي، الذي يعتمده المجتهدون في ممارستهم لعمليّات الاجتهاد والإفتاء. وما أثبته الرجاليّون القدامى من الترجمة الرجاليّة في حقّ المحدِّثين والرّواة، فأمر موثوق به، لا ملزم إلى مناقشته والنّظر فيه. إلّا أنّ ما وضعوه من القواعد الرِّجاليّة التي استندوا إليها في مجال التعديل والتوثيق فهو أمر يمكن مؤاخذته، والنقض عليه، فإنّ هذا الجانب إنّما يستند إلى الرأي والاجتهاد، ويقع ضمن قاعدة، أو مبنى‏ََ رجالي، لا يتبنّاه الرِّجاليّون المحدِّثون، أوقد يسعهم مناقشته، والطّعن في حجّيّته. ولا بدّ من أن ندرك أنّ مصادر التشريع وأُصوله التي تستند إليه أحكام الفقه الإسلامي، وإن اختلفت أو تعدّدت، إلّا أنّ غالبيّة هذه الأحكام التفصيلية إنّما تستند في تشريعها واستنباطها على مصدر واحد، يتّسع دوره ونطاقه هو السنّة المرويّة، فإنّ
  ١- التنقيح في شرح العروة الوثقى - ج١ - ج1       م51  
الأخذ بها لا بدّ من أن يتوفّر فيها الدليل المؤمن الذي يضمن سلامتها من الضّعف والدّس، وصيانتها من الوضع والاختلاق. وعلى هذا الأساس من الحذر والحيطة نشأ البحث على معيار يمكن أن يركن إليه في التأكّد من سلامة سند الحديث ومسلسلاته، ليضمن حكماً أو بعض حكم من التشريع الإسلامي المطلوب. ومن هنا نتبيّن مهمّة هذا العلم وعطاءاته. وقد استطاع الإمام الخوئي أن يطوِّر هذا العلم، ويجلي الصّدأ عنه، ويبني قواعد رجاليّة مستجدّة كالتوثيق الجماعي. وقد أقصى من الحجّيّة قواعد مألوفة كالتوثيق بالوكالة الماليّة ومسائل اُخرى كانت من اجتهادات الرجاليين، يمكن نقضها والخروج عليها. كما استطاع أن يبعث على دراسته في الأوساط العلميّة من جديد لعامِلَين: 1- خلوّ الدراسات الحوزويّة من هذا الاختصاص، والإعراض عنه. 2- الإحساس بضرورة دراسته على أُسس جديدة فيما لم يكن توقيفيّاً، بل اجتهاديّاً منهم. وبهذا استطاع أن يكون صاحب نهج مستقلّ في علم الرِّجال، أو فيمن يروون، أو روي عنهم. وناقش جملة من القواعد الرجاليّة، التي استند إليها الرِّجاليّون في تقرير مصاير الرِّجال‏(1). وقد أحدث ذلك هزّة علميّة حول الرِّجال في أروقة العلم، وخاصّة بين طلّابه الذين استدرجهم إلى ممارسة هذا العلم النافع، فظهرت دراسات رجاليّة جديدة في كتب مستقلّة لطلّابه، وأهمّها: 1- تهذيب المقال في تنقيح كتاب الرِّجال، لآية اللََّه الأبطحيّ. 2- ثقات الرّواة، لآية اللََّه السيِّد حسن الموسوي الأصفهاني. 3- الثقات في أسانيد كامل الزيارات، لآية اللََّه الشيخ غلام رضا عرفانيان.
_______________________________
(1) راجع الكتاب الأوّل والمدخل، وما قدّم له بعنوان (على أعتاب الكتاب)، للكاتب.
  ١- التنقيح في شرح العروة الوثقى - ج١ - ج1       م52  
وبهذا دفع بهذا العلم إلى أجيال علميّة مستقبليّة. خاتمة المطاف: لقد اتّخذ كبار الفقهاء المتأخِّرين، من عصر الفقيه الأعظم السيِّد الطباطبائي اليزدي العروة الوثقى‏ََ مداراً للأبحاث الاجتهادية في الفقه، تعليقاً عليها، أو شرحاً لها، وهي التي استوعبت أكثر الكتب الفقهيّة من تقريرات الإمام الخوئي في هذه الموسوعة من آثاره، مارس فيها فقاهته ومهارته وأعلميّته بأعلى المستويات بقوّة الاستدلال وعمق البحث والمناقشة والاجتهاد، تلك التي أعدّ بها الفقهاء والمراجع، ممّن درجوا عليها من تلامذته، الذين كتب لتقريراتهم بعد ملاحظة ما تيسّر منها تقاريظ تليق بشأنهم. إلّا أنّ لزعيم الحوزة العلمية ومبدعها، أبحاث فقهيّة تقريرية اُخرى‏ََ، تدور حول (المكاسب المحرّمة) للشيخ الأعظم الأنصاري، وهي على‏ََ قمة من الدقّة والتحقيق، والدراسة، والشرح المستوفى‏ََ بتقرير آية اللََّه المرحوم الشيخ التوحيدي. وكان حصيلة جهاده العلميّ والتعليمي طيلة حياته أن أصبح جلّ مراجع التقليد المُعلن عنهم من تلاميذه: 1- سيِّد الفقهاء والمجتهدين آية اللََّه العظمى السيستاني، من مراجع التقليد المشهورين في العالم الإسلامي. 2- شيخ الفقهاء والمحدِّثين آية اللََّه العظمى بهجت، من مراجع التقليد في قم المشرّفة. 3- المرجع آية اللََّه العظمى الشيخ وحيد الخراساني، في قم المشرّفة. 4- المرجع آية اللََّه العظمى الشيخ ميرزا جواد التبريزي، في قم المقدّسة. وكان يرى الامام كاشف الغطاء انّه أعلم معاصريه، وهو أصغرهم سنّاً، وأكبرهم حوزةً، وذلك في بيان صدر بتوقيعه في مدرسته العلمية بالنجف الأشرف.
  ١- التنقيح في شرح العروة الوثقى - ج١ - ج1       م53  
عوداً على بدء: وكان الإمام الخوئي على قمّة المرجعيّة العُليا، ذات النيابة العامّة، التي خوّلته أن يحمل راية الإسلام، ورسالته في العلم والجهاد، والعقيدة والسياسة، وفي الجهد الثقافي والاجتماعي، على نحو مشاريع عامّة حقّقت متطلّبات المسلمين في أنحاء العالم جهد المُستطاع. وكانت وفاته ثلمة في الإسلام لا يسدّها شي‏ء، وإن بقيت آثاره خالدة لا تمحوها الأيّام. وقد وقعت عليه ظلامات كثيرة، وقضى نحبه وهو مظلوم. واللََّه نسأل أن يجزيه عن الإسلام الجزاء الأوفى‏ََ. وقد قامت‏ مؤسّسة إحياء آثار الإمام الخوئي‏ بتنسيق هذه الآثار في مسلسل موسوعي تميّز بالتحقيق والضّبط، والتخريج، وتصحيح الأخطاء، وإخراجها بصورة فنيّة، وطباعة حديثة أنيقة، وفهارس عامّة. وكان الباعث على هذه الفكرة حفيد الإمام الخوئي‏(1)، نجل الشهيد السعيد السيِّد محمّد تقي الخوئي. ويستحقّ هذا الجهد العظيم الذي نهض بأعبائه الأفاضل المحقِّقون، وبذلوا قصارى‏ََ جهدهم كلّ شكر وأجر وتقدير. ومن اللََّه نستمد العون، ونرجو من وليّه الإمام الغائب (عج) القبول والرِّضا. واللََّه من وراء القصد. مرتضى الحكمي طهران 1/ ذي الحجّة الحرام/ 1417 هـ
_______________________________
(1) فضيلة السيِّد جواد الخوئي.
  ١- التنقيح في شرح العروة الوثقى - ج١ - ج1       م54  
صفحة فارغة (مطابق للمطبوع)
  ١- التنقيح في شرح العروة الوثقى - ج١ - ج1       م55  
نسخةخطية
  ١- التنقيح في شرح العروة الوثقى - ج١ - ج1       م56  
صفحة فارغة (مطابق للمطبوع)
  ١- التنقيح في شرح العروة الوثقى - ج١ - ج1       م57  
بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ‏ الحمد للََّه ربّ العالمين والصّلاة والسّلام على أشرف الأوّلين والآخرين محمّد، وآله الطيِّبين الطّاهرين واللّعن الدائم على أعدائهم إلى يوم الدين. وبعد، فقد سبق أن وعدنا روّاد العلم الشريف المعاودة إلى تحرير مسائل الاجتهاد والتقليد من كتاب «العروة الوثقى‏ََ» للإمام الفقيه محمّد كاظم الطباطبائي طاب رمسه. وبعد أن فرغنا من تنسيقها وإعدادها منذ عهد غير بعيد عزمنا على طبعها إجابة للطلب المتواصل من جمٍّ غفير من رجال العلم وحملة الفقه دامت تأييداتهم غير أنّ الاهتمام والانصراف إلى نشر كتابنا «التنقيح» أجزاء متتالية حال دون ذلك. ولمّا أن تكرّر الطّلب من شتّى الجهات الذي ظلّ يحفِّزنا على إخراجها آونة بعد اُخرى، بادرنا إلى نشرها قبل إصدار الجزء الرابع مُتّكلين في ذلك على اللََّه سبحانه ومستمدِّين من تأييداته، إنّه نعم الوهّاب. المؤلف.
  ١- التنقيح في شرح العروة الوثقى - ج١ - ج1       م58  
صفحة فارغة (مطابق للمطبوع)
  ١- التنقيح في شرح العروة الوثقى - ج١ - ج1       م59  
كتاب الاجتهاد والتقليد
  ١- التنقيح في شرح العروة الوثقى - ج١ - ج1       م60  
صفحة فارغة (مطابق للمطبوع)