معهد الخوئي | Al-Khoei Institute

معهد الخوئي | Al-Khoei Institute
  • الإمام الخوئي
  • المكتبة المرئية
  • المكتبة الصوتية
  • المكتبة
  • الاستفتاءات

مقاربة بین المواطنة والهوية الدينية

التاریخ : ٢٠١١

دعي السيد جواد من قبل جماعة سانت ايجيديو الكاثوليكية للمشاركة في ندوتهم السنوية حول الشرق الأوسط التي عقدت في العاصمة الايطالية، روما، تحت عنوان " جدول أعمال للعيش معا، المسيحيين والمسلمين من أجل مستقبل مشترك". وقد افتتح هذه الندوة وزير الخارجية الايطالي السيد فرانكو فراتيني الذي ذكر الحضور بمواقف ومحاولات الحكومة الايطالية المستمرة التي تهدف الى إخماد التحسس المتزايد بين أتباع الأديان الإبراهيمية في جميع أنحاء العالم وخصوصا في الشرق الأوسط لأنه موطن الأديان ومقرها المقدس.
 
كان من جملة المشاركين السيد طارق متري، الأسقف انطونيو أوده، السيد محمد السماك، الشيخ محمد الطهطاوي، الأسقف انطونيو نجيب، السيد محمد السلماني، السيد هاني فحص، الأسقف باسل جرجيس كسموسى، السيد رضوان السيد، السيد سمير فرجية، السيد حسن الشافعي والسيد صلاح الدين الجورشي.
 
وقد قدم السيد جواد مشاركته بعنوان " مقاربة بين المواطنة والهوية الدينية".


 


مقاربة بین المواطنة والهوية الدينية


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على جميع الأنبياء والمرسلين، سيما الرسول الخَاَتمَ النبیین محمد (ص)، وأهل بيته الأوصياء المعصومين (ع)، واصحابه المنتجبین، ومن تبعهم بإحسان إلى قيام يوم الدين .
قال الله تعالى فی محکم کتابه: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ } سورة الحجرات /13 .
أيها السادة الأفاضل السلام عليكم ورحمة الله وبركــــــاته.
أما بعد :
ابتداءً اتقدم بالشکر الجزيل والثناء الجميل علی السادة القائمين علی هذا المؤتمر البالغ الأهمية وأری لزاماً في بدء کلمتي هذه أن أشير الى أن بحثي ينطلق من وجهة نظر إسلامية شعیة ومن ثم اسعى لتحديد المعنی المراد من المفاهيم الواردة في عنوان بحثي والذي وسمته (مقاربة بين المواطنة والهوية الدينية)، من خلال بيان مفهوم المواطنة ومفهوم الهوية الدينية والرابطة والعلاقة بين المفهومين، ولأن هذين المفهومين متداخلين لا بد لنا من بيان منطقة تداخلهما وذلك بتوضيح مفهوم الدين فقد يكون أشمل وأوسع من مفهوم الوطن أحياناً، و أحيان أخرى يكون مفهوم الوطن أوسع حينما يضم في جوانبه ديانات كثيرة.
وللمواطنة معان لغوية وعرفية وشرعية، وکذلك الهوية الدينية، وقد أشار اليها الکثير من اللغويين والعلماء فی تضاعيف بحوثهم، وأکتفي هنا بذکر ما يناسب المقام.
أولاً: تعریف المواطنة:
المواطنة كلمة عربية استحدثت للتعبير بها عند تحديد الوضع الحقوقي والسياسي للفرد في المجتمع. والمواطن هو الإنسان الذي يستقر في بقعة ارض معينة وينتسب إليها، أي مكان الإقامة أو الإستقرار أو الولادة أو التربية. وهي على وزن مفاعلة، ومأخوذة من موطن على وزن (مفعل). والموطن والوطن بمعنى واحد. قال الجوهري: الوطن هو (المنزل الذي تقيم به)، وذهب بعضهم الآخر الی أنه: (موطن الإنسان ومحلّه)، وإذا كانت صيغة (المفاعلة) ــ لغة ًــ تفيد تفاعلا ً بين طرفين مثل مشاركة بين شريك وشريك، فإن المفاعلة ههنا بين المواطن والموطن أو الوطن. وبتعبير أخر فإن المواطنة تعني ما يتخلل المتوطن ووطنه من مشاعر اعتبارية - و لربما بعضها طبيعية تكوينية - تختلف بين شخص وآخر بإختلاف إعتبارات المواطن وبإختلاف شخصيته، روحيا ً أو عاطفيا ً أو ماديا ً أو تاريخيا ً، أو بأكثر من اعتبار وفق مستوى ثقافته ومقومات شخصيته.
ومن إختلاف الناس باختلاف ثقافاتهم واعتباراتهم تختلف - تبعا ً لذلك- مساحة مفهوم الوطن والموطن ومفهوم ما يشتق منهما.
ويعتبر تاريخ مفهوم المواطنة قديماً يعود إلی زمن الديمقراطية المباشرة الإغريقية التي تعتبر أساس ديمقراطية عالم اليوم ، حيث يرجع أصل استعمال مفهوم المواطنة الى الحضارتين اليونانية والرومانية، فقد استعملت الألفاظ civis ( المواطن ) civitas ( المواطنة ) في هاتين الحضارتين لتحديد الوضع القانوني والسياسي للفرد اليوناني والروماني وكانت الحكومة اليونانية في طابعها دولة مدنية، وكانت الروابط بين المواطنين فيها وثيقة بدرجة كبيرة بسب القرابة والصداقة والجيرة التي كانت تجمعهم ،واشتراكهم في الحياة العامة اليومية ، وكانت تجمعهم لغة واحدة ودين عام، وهذا كله أدى إلى أن يكون ولاء المواطن اليوناني لدولة المدينة وليس لمجموعة معينة أو لعائلته أو لعشيرته أو لبلدته ، وتطور مفهوم المواطنة بعد ذلك لتأثره بحدثين مهمين هما إعلان استقلال الولايات المتحدة في عام 1776م، وقيام الثورة الفرنسية في عام 1789م فكانا نقطة تحول تاريخية في مفهوم المواطنة من ان الناس جميعاً ولدوا متساويين وان لهم حقوقاً أصيلة منذ تم خلقهم، وان الشعب هو صاحب السيادة، فأصبح أساس مفهوم المواطنة مبني على فكرة الشعب صاحب السيادة، وفكرة وجود حقوق أساسية للفرد كأنسان أولاً وكمواطن من أبناء الشعب ثانياً. وبقي مفهوم المواطنة في تطور مستمر خلال القرون السابقة منذ نهاية القرن الثامن عشر الى وقتنا الحاضر، فأصبح مفهوم المواطنة حقاً غير منازع فيه، وتعددت أبعاد مفهوم المواطنة فشملت الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والبيئية ولم تقتصر على الجوانب السياسية والقانونية.
أما من الناحية الشرعية والدينية، فالقرآن الكريم لم يستعمل لفظ (وطن)، ولكن أستعمل لفظ (بلد). وهناك سورة في القرآن باسم سورة (البلد) يقول تعالى: { لاَ أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ. وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ } ، وكقوله تعالى: { بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ } .
وقد سمّی القرآن الكريم الوطن بالدار والديار أيضاً کما في قوله تعالى: { لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ } وجاء عن أمير المؤمنين علي بن ابي طالب قوله: (عمّرت البلدان بحب الأوطان) ، وقال أيضاً (عليه السلام): (من كرم المرء.. حنينه إلى أوطانه). وقد عرّف بعضهم الوطن الشرعي (المكان الذي يملك فيه الإنسان منزلا ً قد استوطنه ستة أشهر، بأن أقام فيها ستة أشهر عن قصدٍ ونيّة) ، وهو ماورد عن أئمة أهل البيت(ع).
أما المواطنة بلحاظ مفهومها السياسي، فقد ذکرت لها تعاريف کثيرة منها ما ذکرته دائرة المعارف البريطانية من أن المواطنة ( citizenship ) هي (علاقة بين الفرد والدولة كما يحددها قانون تلك الدولة وبما تتضمنه تلك العلاقة من واجبات وحقوق في تلك الدولة، والمواطنة تدل ضمناً على مرتبة من الحرية مع ما يصاحبها من مسؤوليات، وهي على وجه العموم تسبغ على المواطنة حقوقاً سياسيةً مثل حق الانتخاب وتولي المناصب العامة). وعرفت موسوعة الكتاب الدولي المواطنه بأنها ( عضوية كاملة في دولة او في بعض وحدات الحكم، وان المواطنين لديهم بعض الحقوق، مثل حق التصويت وحق تولي المناصب العامة وكذلك عليهم بعض الواجبات مثل واجب دفع الضرائب والدفاع عن بلدهم)
وهذا التعريف وإن حافظ على بعض العناصر في المعنى اللغوي وفي بعض الأعراف الخاصة لمعنى المواطنة، كالمكان الذي يقيم به الإنسان وهو مدلول الوطن والموطن لغةً واصطلاحاً، والتفاعل بين المتوطن ووطنه وهو مدلول صيغة المواطنة، إلا أنه فارق جميع تلك المعاني بحجم المكان، وبكونه مقامة عليه دولة، وبنوع التفاعل وما يترتب عليه من حقوق وواجبات متبادلة وموثقة بنظام وقانون. وذهب صنف من القانونیین إلى أن المواطنة ليست فقط هي العلاقة بين الفرد والدولة ، وإنما هي : (ممارسة سلوكية تنعكس على المواطنين جميعا ً، بموجبها يدرك الجميع أهمية جميع المواطنين على قدم المساواة ، دون تمييز بينهم بسبب الدين والمذهب والعرق والجنس).
فالمواطنة بموجب هذا التحديد ممارسة عملية للتفاعل بين المواطنين في دولة المساواة، وليست علاقة قانونية فقط، إذ يبقی عنصر الانتماء هو المعنى الحقيقي لمفهوم المواطنه وبدونه لا قيمة للمواطنة التي تبقى مجرد جنسية تمنح حقوقاً وتفرض واجبات ولا تعبر إلا عن التابعية ووثيقة سفر لإجتياز الحدود.
ثانیا: تعریف الهوية الدينیة:
أن مفهوم الهوية يمکن القول أنه قريب من مفهوم الانسانية، وبذلك يکون أوسع من مفهوم الدين، لأنه يشمل الجنس والعرق والدين واللغة والوطن، وأحيانا يستعيض عن مفهوم الهوية الدينية بالأمة الدينية، وقد يعتبر البعض ذلك تقليص لمفهوم الهوية بمعناه العام إذ يصبح الفرد الذي لا ينتمى لهذا الدين من الدرجة الثانية، لأن هويته بهذا المنظور هوية منتقصة أو حتى منعدمة، ويصبح بالتالي خارج هذه المنظومة الأممية.
وأری إرجاع الهوية الإنسانية للدين كمكان للهوية، فيه إشکالية في الرؤى والممارسة لأن الهوية الإنسانية ترى أن -الفرد- كإنسان، سيظل إنساناً أيا كان دينه أو إيمانه، لكن في الهوية الدينية ترى أن الانسان يكتمل وجوده فى الدين فقط وليس فى كونه إنسان. والتناقض فى الممارسة هو فى رفض مفهوم المواطنة، لأن معياريته ليست فى الدين، بل في الإنسانية، فى ظل الوجود داخل إطار الدولة بمعناها الحديث، وهذا ليس معناه التنصل عن الهوية الدينية اطلاقاً، فالانسان بلا أنتماء هو انسان فاقد للحياة، ولکن بمعنی الانحصار في قبول الهوية الدينية داخل إطار المجتمع والدولة والذي يثير هکذا أشکالية، وتؤدي الی بروز التناحر والتنازع في المجتمع الانساني من أصغر تشکيلاته وهي الأسرة الی أکمل مصاديقه وهو المجتمع البشري بأسره.
والمطلع على أحكام الإسلام وقوانينه من حيث المساواة أو التمييز بين الناس على إختلاف عناوينهم: مسلمين على مذاهب مختلفة، وغير المسلمين على ملل متنوعة من كتابيين ومشركين، وذوي ديانات غير سماوية، وقوميات متعددة، وأوطان مختلفة وما إلى ذلك من تنويع وتصنيف، يری إن الاسلام کمنظومة عقدية وفکرية وسلوکية أجتماعية تأبی أي نوع من التمييز بل وتعتبره مخالفة وخروجا عن الأطار الاسلامي العام، والآية التي افتتحت بها مقالتي خير دليل علی هذا المدعی، وکذلك عهد الإمام علي بن ابي طالب (ع) لواليه على مصر (مالك الأشتر) ومما جاء فيه وصيته له: ( ..... وَأشْعر قَلْبَكَ الرَّحْمَة لِلرَّعِيَّةِ، وَالْمَحَبَّةَ لَهُم، وَالُّلطْفَ بِهِم، وَلاَ تَكُونَنَّ عَلَيْهِم سَبُعاً ضَارِياً تَغْتَنِم أُكُلهم، فَإنَّهُم صِنْفَان: إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ، أَوْ نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ..) ، وهذا ما دفع بعض المفکرين غير المسلمين بوصفه رجل العدالة الانسانية.
فالمواطنة في المنظومة الإسلامية لها مکانتها المميزة، فالمسلم المواطن في بلاد الأکثرية والدولة فيها غير مسلمة يجب عليه من حيث حكمه الفقهي الشرعي لدى أغلب فقهاء الشيعة الإمامية الإلتزام بقوانين الوطن الذي توطنه بإكتساب وثيقة التجنس أو إذن الإقامة وهويتها، فيجب تطبيق القوانين النافذة في تلك الدول والإلتزام بها مع غض النظر عن دين الدولة أو مواطنيها .
أن المعنى الحقيقي للمواطنة يعتمد على إنتماء الفرد وولائه لوطنه، وهذا يحتم ان تكون المواطنه قائمة على أساسين جوهرين هما المشاركة في الحكم من خلال العملية الديمقراطية و المساواة بين جميع المواطنين واعتبار جميع السكان الذين يتمتعون بجنسية الدولة مواطنين متساوين في الحقوق والواجبات، يتمتع كل فرد منهم بحقوق والتزامات مدنية وقانونية واجتماعية واقتصادية وبيئية متساوية، بالاضافة الى المساواة بين المواطنين امام القانون كل ذلك بدون الأخذ بعين الاعتبار الوضع الاجتماعي او المركز الاقتصادي او العقيدة السياسية او العرق او الدين او الجنس او غيرها من الاعتبارات، فتحقيق مفهوم المواطنة ومعناها مرتبط بشكل وثيق بهذين الأساسين، ومن خلالهما يتحقق انتماء المواطن وولاؤه لوطنه وتفاعله الإيجابي مع مواطنيه، نتيجة القدرة على المشاركة الفعلية والشعور بالإنصاف وارتفاع الروح الوطنية لديه عند أداء واجباته في الدفاع عن الوطن ودفع الضرائب واطاعة القوانين والأنظمة .
المواطنة فی الفکر الاسلامي:
نعتقد في الفکر الإسلامي أن مشيئة الرب فی خلقه لهذه الدنيا تجسدت فی التنوع والإختلاف في اللون والقومية واللغة و... { لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً 
وَمِنْهَاجاً } لحکمة اقتضاها، ولو شاء لما كان هناك اختلاف بين بني البشر قال الله سبحانه {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً}، وهنا يأتي السؤال: هل يمكن أن تتعدَّد الثقافات مع الإنتماء إلى وطن واحد؟ وهل يمكن أن يوجد وطن واحد يتعايش على أرضه في وئام ذوو ثقافات متعدِّدة؟
يحاول هذا البحث أن يجيب عن هذا السؤال من وجهة نظر الفكر الإسلامي الشيعي، فنقول إن الله تعالى أودع في هذا الإنسان غرائز وميول ورغبات، وبهذه الغرائز والميول يشق الإنسان طريقه في هذه الحياة، وحب الإنسان لوطنه وشعوره بالإنتماء والحنين إليه، نابعٌ نتيجة لألفة المكان وتذكُّر مرابع الصبا ومآرب الشباب، وهو حبٌ وانتماءٌ غريزيان، يشترك فيهما الإنسان والحيوان على حدٍ سواء. بالإضافة الی ذلك فللوطن معنى فكري مذهبي، هو أعمق من أن تكون المواطنة مجرد نزعة شعورية، وميلاً فطرياً طبعياً إلى المكان الذي ولد فيه الإنسان، ونشأ على أرضه، إذ حوَّلت المذهبية الفلسفية المواطنة إلى نزعة فكرية مذهبية، لها مبادئها العامة، وطقوسها السلوكية، تزرع في نفوس الناس، ويُنشَّأ عليها ناشئة المجتمع، وتحاكم مواقف أتباعها عليها، ويُنظر إلى الآخرين من خلالها. لکن يبقی حب الوطن حب فطري يبدأ بالمهد ويكبر مع الفرد في صحن الدار ومن ثم الزقاق فالحارة فالأقليم، وذلك الحب الفطري يمتلك مقومات تكوينية لا يمكن الانتقاص منها او التلاعب فيها، ولکنه بالرغم من کل ذلك لا يمتلك اي نوع من انواع القدسية عند أغلب الناس المتدينين، لأن القدسية عندهم خاصة بالله تعالى حصراً.
إذا كان الأتجاه المذهبي عمل على ربط معنى الوطنية بالأرض والوطن، فإن الإسلام لا يتنكَّر لفطرة حب الوطن، ولا يعدُّه مناقضاً له، فقد جاء في الحديث الشريف ((حب الوطن من الإيمان)) لذا فقد ذهب بعض المفکرين الإسلاميين الی القول (قد يظنُّ بعض الناس أن الدين ينافي الوطنية، أو أن الدعوة إلى الدين ليست من الوطنية في شيء، ولكني أرى أن الدين والوطنية توءمان متلازمان، وأن الرجل الذي يتمكَّن الدين من فؤاده يحب وطنه حباً صادقاً) ، ذلك أن الإسلام نظر إليه على أنه ميلٌ فطريٌّ راسخٌ في النفس، فلم يقيِّده بمضامين أي نزعة من النزعات ذات المنحى العنصري، بل ربط بينه وبين الدين، وعمل على إدماج البشرية بعضهم ببعض دون تمييز على أساس الحدود الجغرافية، فمدَّ بذلك مفهوم الوطن على امتداد العقيدة، ووسَّع مفهوم الوطنية لتكون انتماءً فطريّاً إلى الأرض، وموالاةً دينيةً لعقيدة الإسلام ومبادئه وقيمه.
إن انسجام الدين والوطنية وامتزاجهما معاً، بحيث تكون الوطنية متشربةً للإسلام، ويكون الوطن داراً له، هو الذي جعل للوطنية هذا المعنى الواسع الذي يتجاوز الحدود الإقليمية والمعنى المحصور في الأرض، ليرقى به من الأرض والموقع الجغرافي، إلى القيمة والمكانة والحُرمة، ويقرنه بالمبادئ والقيم التي يؤمن بها من يقيم على هذا الوطن، لقد أظهر الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم) هذا المعنى حينما هاجر إلى المدينة، وأقام المجتمع الإسلامي هناك، عمل صحيفة معروفة في السير والتاريخ (بصحيفة المدينة)، الصحيفة التي تحدثت عن علاقة المسلمين فيما بينهم، ثم عن علاقتهم بغير المسلمين المقيمين معهم في الوطن من بطون اليهود ، ومما جاء في تلك الوثيقة الصحيفة :
((بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من محمد النبي بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب، ومن تبعهم، فلحق بهم، وجاهد معهم إنهم أمة واحدة من دون الناس... وانه من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة غير مظلومين ولا متناصرين عليهم... وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين، وأن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم... وإن ليهود بني النجار مثل ما ليهود بني عوف، وإن ليهود بني الحارث مثل ما ليهود بني عوف، وإن ليهود بني ساعدة مثل ما ليهود بني عوف، وإن ليهود بني جُشَم مثل ما ليهود بني عوف، وإن ليهود بني الأوس مثل ما ليهود بني عوف، وإن ليهود بني ثعلبة مثل ما ليهود بني عوف، إلا من ظلم وأثم، فإنه لا يُوتغ إلا نفسه وأهل بيته... وإن على اليهود نفقتهم، وعلى المسلمين نفقتهم، وأن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وأن بينهم النصح والنصيحة، والبر دون الإثم، وإنه لم يأثم امرؤ بحليفه، وإن النصر للمظلوم، وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين، وإن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة، وإن الجار كالنفس غير مضار ولا آثم...)) .
كما أن الإسلام جعل الوطنية حقاً من حقوق الشعوب، والمحافظة عليه حياة لها بين الأمم، فلا معنى لحياة أمة وهي تفقد حق استقلالها في أرضها وبلادها، وتعيش تحت هيمنة عدوِّها وحُكمه، فتلك أمَّة ميتة وإن كانت في حكم الأحياء، لذا يجب على الإنسان إذا ما تعرض وطنه وبلده إلى الاعتداء، أن يتحمل كامل المسئولية في الدفاع وإذا قتل دون ماله وعرضه ووطنه مات شهيداً، وإذا لم يدافع عن بلده ووطنه فمن الذي يدافع عنه؟ وقد أشار الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) لهذا المعنی في حديث يخاطب أولئك المتخاذلين عن الدفاع عن ديارهم وبلدانهم فيقول: ((أي دار بعد داركم تمنعون))، فاللازم أن يكون شعورنا واحداً تجاه من يشتركون معنا في وطن واحد، مبنياً على التعاون الذي من شأنه أن يرفع عزة أوطاننا وبلداننا. فالوطن للجميع، والمصالح واحدة، والخطر مشترك، والوطن كالسفينة الواحدة التي إذا تعرضت لأي خطر فالخطر على الجميع والنجاة للجميع.
بل أعتقد أن الثقافة الإسلامية تضطلع بوظيفة مؤثرة ورائدة في بناء الهوية الوطنية، وصياغتها وفق تعاليم الإسلام، وقيمه السامية، فبالرغم من كون الثقافة الإسلامية تمثل هوية الأمة الإسلامية، إلا أنها واقعية في نظرتها إلى الثقافات، فهي ترى أنها متولدة عن سنّة الاختلاف بين بني البشر، كما قال - تعالى {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} ، إذ الاختلاف کما ذکرنا آنفاً سنّة من سنن الله تعالى في المجتمعات، ومادام الأمر كذلك فلابد إذاً من استصحاب هذه الحقيقة الواقعية، ومراعاتها في مجال التعامل مع الثقافات الأخرى.
والثقافة الإسلامية كذلك على وعي تام بالثقافات الأخرى، وهذا يعود إلى كونها ثقافة إنسانية تحترم الإنسان وتكرمه، حيث قال تعالى في القرآن الكريم{ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خلقنا تفضیلا } وتحتفل بالمثل العليا، والوحدة الإنسانية، تعنى بالاتصال بالشعوب ومحاورتها على أساس من العلم والحق، وتهتم بمخاطبة الثقافات الأخرى على أساس من الاحترام المتبادل { ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ 
وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ }، كما أنها تشاركها في حماية القيم وإرساء المبادئ الإنسانية، فهي ثقافة ذات نزعة إنسانية واضحة في كل جانب من جوانبها، وهي لا تمانع من تفاعل الثقافات، وتقاربها في الجوانب العلمية والتطبيقية والحضارية، على أن يكون ذلك مبنياً على الاحترام المتبادل في جو سلمي بعيد عن الروح العدائية، والتعصب ضد الثقافات الأخرى.
ومع کل الذي قلناه يجب الالتفات الی إن محافظة كل أمة على ثقافتها لا ينافي قبول تعدديَّة الثقافات، وإن رفض التعايش الثقافي المؤدي إلى إلغاء الهوية الثقافية لكل أمة لا يعني الأخذ بأحادية الثقافة، وإنما الأحادية الخطيرة تكمن في سلوك منهج إلغاء الثقافات الأخرى وإنكارها وحصر الحق والنجاة لفئة خاصة، وفرض ثقافة معينة عليها، إن الثقافة الإسلامية تمتلك خطاباً وسطياً بعيداً عن الغلو، والتفريط، والتنفير في الأسلوب والمضمون وتسعى إلى تأليف القلوب، والابتعاد عن كل ما يؤجج مشاعر العداء لدى الآخر، والعمل على تضييق دائرة الخلاف معه تجنباً لكل ما يؤدي إلى القطيعة كما ترعى في تعاملها مع الآخرين منهج العدل، والإنصاف في جميع الأحوال عملاً بأمر الله تعالى للمؤمنين: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} والمجتمعات الإسلامية أقدر من غيرها على تحقيق هذه المعادلة بين الطوائف والمذاهب والأديان، وهذا ما يؤيده تاريخنا الإسلامي الذي احتضن أروع صورة من صور هذا التعايش في ظل قوميات متباعدة، ولغات متباينة، وبين شعوب متنافسة. وهذا لا يعني أن بعض ممن قادة المسلمين قد ظلموا الإسلام والمسلمين وغيرهم والإسلام بريء منهم لأنهم شوهوا صورة الإسلام.
ويبقی فصل القول في كل ذلك من أن المواطنة والهوية الوطنية هي أمتداد لمفهوم الهوية الدينية، وتقنين العدالة والمساواة بين المسلمين وغير المسلمين من أبناء الوطن في الحقوق والواجبات دون اعتبار للدين والعرق أو اللسان، فالدين والعقل يدعوان للتعاون ولتضافر الجهود من أجل الخير، كما يدعوان أيضاً إلى التوحد والوحدة، ما دام هناك سبب مشترك، وحتى لو لم يكن هناك عقيدة كاملة مشتركة في كل التفاصيل، فالاشتراك في الأرض الواحدة والوطن الواحد لابد أن يخلق علاقة طيبة وإيجابية.
وأيضاً يجب التأکيد علی إن الحكومات الواعية المخلصة لمصلحة الوطن ووحدته، هي التي يجب أن تعزز من شأن التعاون والوحدة بين المواطنين، تدعيما لأمن الوطن من الخلافات الداخلية، ولاستقراره الدائم، الذي ينعكس على عزة ونمو البلد ورفعته وتقدمه، ومانشاهده اليوم في وطننا الحبيب العراق مهد الحضارات وارض الانبياء من أخطار تواجه المسيحية وأتباع الأديان الأخرى وإستهدافها المباشر من أصولية إرهابية تكفيرية إلغائية حيث أستهدت أولاً المسلمين عموماً والشيعة خصوصاً فهي ليست برأيي إستهداف للمسيحيين فقط، بل هو إستهداف لمشاكل سياسية قائمة في البلاد، وكما يتبّين من الواقع المسیحی فی العراق فإن إستهداف المسيحيین وضرب هذه الفئة من مكونات الشعب العراقي هو الأسهل ، والهدف السیاسی من وراءها انها تصبح ظاهرة تلفت أنظار العالم وعندها تصبح مشكلة سياسية ویتم من خلال هذا الاستهداف ممارسة ضغوط سیاسیة علی الدولة العراقیة، إذاً لم يكن إستهداف المسيحيين فقط لأنهم مسيحيون، بل كان الإستهداف الرئيسي إستهدافاً سياسياً، وهو ما يعانيه الشعب العراقي بکل طوائفه وقومياته، ومع کل هذه الجرائم المروعة بحقهم کان هناك تعاطف کبير من قبل جميع أطياف الشعب العراقي وأستنکار واسع لهذه الهجمات التي لا يرتضيها أي دين سماوي وضمير انسان حر، والتصريحات المنددة بالاعتداءات التي صدرت بشكل واسع عن المرجعيات الدينية الإسلامية من حوزة النجف الأشرف وغیرها، كوصف المرجع الديني الأعلى الإمام السيستاني لها بأنها "أعمال إجرامية"، کلها فيها دلالة واضحة علی إن الاسلام کدين وکمنظومة عقدية ترفض تهديد أي أنسان يعيش في وطنه علی أساس قومي او عرقي أو ديني أو مذهبي.
والسلام علیکم ورحمة الله وبرکاته



جواد الخوئي
مؤسسة الإمام الخوئي الخيرية
النجف الأشرف


 

  • ٧٧٠٤
  •