معهد الخوئي | Al-Khoei Institute

معهد الخوئي | Al-Khoei Institute
  • الإمام الخوئي
  • المكتبة المرئية
  • المكتبة الصوتية
  • المكتبة
  • الاستفتاءات

مؤتمر مونيخ

التاریخ : ٢٠١١/٠٩/١١

عقدت جمعية سانت إيجيديو الإيطالية بالتعاون مع أسقفية ميونيخ، مؤتمرها السنوي الخامس والعشرين بعنوان (العيش المشترك مصيرنا) في مدينة ميونيخ الألمانية بتاريخ ١١-١٣/ ٠٩/ ٢٠١١م، وأفتتح أعمال هذا المؤتمر الدولي كل من رئيس جمهورية ألمانيا الفدرالية والمستشارة الألمانية السيدة أنجلا ماركل وكبير أساقفة ميونيخ الكاردينال رين هارد ماركس والبروفسور انطونيو ريكاردي.


وقد تضمن هذا المؤتمر ندوات متزامنة ناقشت مواضيع متعددة تمس العيش المشترك بين أتباع الأديان في أنحاء العالم وقد شاركة نخبة من كبار مفكري وعلماء الأديان وأساتذة الجامعات،


وفي ندوة بعنوان ( زمن جديد للحوار الإسلامي - المسيحي ) 


قدم السيد جواد الخوئي بحثاً بعنوان ( النجف الأشرف حاضنة التسامح ومنار التعايش الديني


هذا النص :


 


النجف الاشرف حاضنة التسامح ومنار التعايش الديني


بسم الله الرحمن الرحيم


قال الله تعالى{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ  لِتَعَارَفُوا}


وقال تعالى ايضا { إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا . أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا . وَالَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا } .


سيداتي سادتي الحضور


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


نحن في النجف الأشرف عندما نزور يومياً مرقد وصي وخليفة رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام نبدأ الزيارة بالسلام ونقول :


السلام على ادم صفوة الله السلام على نوح نبي الله السلام على إبراهيم خليل الله السلام على موسى كليم الله السلام على عيسى روح الله السلام على محمد حبيب الله، الذي جاء بالحق من عنده وصدّق المرسلين، السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته. 


الإسلام الأصيل المتمثل في القرآن الكريم ومنهج أهل بيت النبي( صلى الله عليه واله وسلم) حريص كل الحرص على تقوية أواصر حسن الجوار مع المجتمعات والاديان الأخرى كافة ، كما يعتبر التسامح من خصائصه المهمة، وهذا ما يمكن ملاحظته من خلال التعاليم القرآنية الكريمة وسيرة أهل البيت عليهم السلام التي تؤكّد على ثقافة التسامح والتعامل بالتي هي احسن مع أتباع الأديان الأخرى وتنظيم روابط المسلمين فيما بينهم وغيرهم على أساس التعايش السلمي وقبول الآخر، لان الله اعتبرهم من الصالحين الذين يامرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات، حيث قال تعالى { مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آَيَاتِ اللَّهِ آَنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ . يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ . وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ } . ( سورة آل عمران ، الآيات 113 - 115 ).


والنجف الاشرف تمثل مركز الثقل للمسلمين الشيعة في العالم، إذ تحتضن أعرق وأقدم مؤسسة دينية شيعية بجوار الإمام الأول للمسلمين الشيعة أمير المؤمنين علي عليه السلام، ورغم إنها منذ تأسيسها على يد شيخ الطائفة محمد بن الحسن الطوسي (460 هـ) تحتفظ بمكانتها الدينية والفكرية والتاريخية والاجتماعية للشيعة، ولكنها في نفس الوقت تمثل حاضنة التسامح والتعايش الديني بين سائر الأديان والمذاهب. فلم يصدر أي حكم أو فتوى من أحد علمائها ضد أتباع سائر الأديان والمذاهب من النجف الاشرف في كل تاريخها العريق، بل هناك نماذج ومواقف كثيرة توضح بجلاء العلاقة الموضوعية، العلمية، المعرفية المبتنية على أساس التسامح والتعايش بين علمائها وأتباع الديانات الأخرى وهذا كله مستوحى من فكر النبي الأكرم وأهل بيته الأطهار.


ولضيق الوقت نكتفي هنا بذكر بعض النماذج  لهذا التعامل  الذي أمرنا به الاسلام :


قال الشيخ الأعظم مرتضى الأنصاري ( 1214 هـ – 1281 هـ) في كتابه فرائد الأصول رسالة الإستصحاب التنبيه الخامس: (بجواز استصحاب الحكم الشرعي القطعي من الأديان السماوية السابقة فيما لم يوجد حكمه في الشريعة الإسلامية ( أنه لا فرق في المستصحب بين أن يكون حكما ثابتا في هذه الشريعة أم حكما من أحكام الشريعة السابقة، إذ المقتضي موجود - وهو جريان دليل الاستصحاب - وعدم ما يصلح مانعا).


وكذلك هناك تفسير لجدنا الإمام السيد أبو القاسم الخوئي (ت 1413هـ) حول المقصود بالمشرك في الآية القرآنية الكريمة {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} التوبة 9/28 حيث قال: ( أن الشرك له مراتب متعددة لا يخلو منها غير المعصومين وقليل من المؤمنين ومعه كيف يمكن الحكم بنجاسة المشرك بما له من المراتب المتعددة ؟ فان لازمه الحكم بنجاسة المسلم المرائي في عمله ، حيث إنّ الرياء في العمل من الشرك وهذا كما ترى لا يمكن الالتزام به فلا مناص من أن يراد بالمشرك مرتبة خاصة منه وهي ما يقابل أهل الكتاب .............. فالإنصاف أن الآية لا دلالة لها على نجاسة المشركين فضلاً عن دلالتها على نجاسة أهل الكتاب ). لتفصيل أكثر راجع موسوعة الإمام الخوئي ج 3 ص 38  كتاب الطهارة .


و من جهابذة المتأخرين العلامة الشيخ محمد جواد البلاغي (ت1352هـ) الذي له مؤلفات كثيرة حول الاديان ومنها كتاب (الرحلة المدرسية او المدرسة السيارة) إذ اهتم بقراءة النصوص المقدسة لسائر الأديان من مصادرها الأصلية واحيانا بلغاتها القديمة، وكانت له مراودات وعلاقات مباشرة مع اليهود والمسيحيين في مناطق مختلفة من العراق مثل مناطق: ذي ‌الكفل وبغداد و... واجتنب في مؤلفاته عن استخدام أي عبارة جارحة أو موهنة للآخر، بل التزم بالموضوعية والإنصاف العلمي.


كما يذهب المرجع الأعلى للمسلمين الشيعة في زماننا الحاضر سماحة السيد السيستاني في كتاب( منهاج الصالحين ج1 ص 139 التاسع ) وباقي مراجع الحوزة العلمية في النجف الاشرف الى طهارة أهل الكتاب وهذا هو الرأي المشهور عند المتأخرين من الفقهاء.


 وجميعهم انطلقوا من حكمة أمير المؤمنين علي عليه السلام حيث قال: الإنسان ( إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق)، وقد امرنا الله ان نتواصل مع الذين لا يحملون العداوة والبغضاء للاسلام والمسلمين كما في قوله تعالى: { لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين } فالتواصل ضرورة دينية اسلامية قبل أن تكون إنسانية وأخلاقية حيث تحث عليها كل الشرائع السماوية والوضعية، ولكي نكون بحق خلفاء الله في الأرض، {إني جاعلك في الأرض خليفة} نحتاج للمحبة والوئام والإخاء والسلام والتعايش بإيمان واعتقاد صادق.


والقرآن الكريم يحثنا على نصب اهتماننا على القواسم المشتركة بيننا وبين أتباع بقية الاديان وهي كثيرة جداً، بل هي في الأمور الأخلاقية الإنسانية الفطرية  متطابقة الى حد كبير، قال الله تعالى: { قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكمْ عَلَيْكمْ أَلاَّ تُشْرِكواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلاَ تَقْتُلُواْ اولادكم مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكمْ وَصَّاكمْ بِهِ لَعَلَّكمْ تَعْقِلُونَ (151) وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَاوفُواْ الْكيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللّهِ اوفُواْ ذَلِكمْ وَصَّاكم بِهِ لَعَلَّكمْ تَذَكرُونَ (152) وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكمْ وَصَّاكم بِهِ لَعَلَّكمْ تَتَّقُونَ} وهذه تتطابق كثيرا مع الوصايا العشر الموجودة في الكتاب المقدس التي ذكرت في سفرين من أسفار توراة موسى الخمسة (سفر الخروج 20: 1 ــ17 و سفر التثنية 5: 6 ــ 21).


وكذا الحال في الاصول العقدية الاساسية من الايمان بالله واليوم الآخر، قال تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ }. ولهذا نعتقد انه يجب التركيز على المشتركات الكثيرة بين الاديان بدل التأكيد على بعض الاختلافات الموجودة في احيان كثيرة بين مذاهب الدين الواحد، بل واحيانا كثيرة في المذهب الواحد، فهذه هي سنّة الحياة، ويمكن بالاستفادة من هذه الثقافة القرآنية إشاعة الحوار والبحث العلمي الذي يحترم الآخر ومقدساته، لكن ما نشاهده اليوم للأسف هو عكس هذه الثقافة بسبب بعض الجهلة والمتطرفين من مختلف الاديان والمذاهب.


ومن هنا، فاني أود ان أعلن باننا نرحب في المراكز العلمية الدينية والاكاديمية في النجف الاشرف بالتبادل العلمي والدراسي مع جميع المراكز العلمية الدينية والاكاديمية في العالم ونؤكد على ضرورة التواصل العلمي والفكري والثقافي بعيداً عن السياسة، كما ندعوا للعمل جاد من خلال جميع الوسائل المتاحة لإشاعة ثقافة التعايش والمحبة بين جميع ابناء البشر بمعزل عن الدين او المذهب او القومية وما شاكل .


كما أتمنى أن نعيش تلك المرحلة من النضوج الفكري والعلمي بحيث نرفع الحواجز فيما بيننا و نمد جسور التواصل لمعرفة الآخر من خلال مصادره الاساسية والاصيلة الموثقة والمعتبرة لا مما كتب عنه من قبل الاخرين، كما انه يجب عدم الاخذ بلوازم بعض الاقوال التي لا يقول بها اصحابها لان  باب التأويل والتفسير مفتوح في كل الأديان، فلا يصح اخذ العبارات بإطلاقها وعمومها ونحكم بها على الاخرين، بل يجب ان نعرف مقصود اللفظ وتأويله من علمائهم، فالكثير من الآيات التي لم يفهم مقصودها فيها اجتهادات وتأويلات وناسخ ومنسوخ وعام وخاص ومطلق ومقيد وهذا ما نجده في كل الأديان، وأن نحسن الحوار والمناقشة العلمية الرصينة بعيدا عن الترهات والاراجيف والصاق التهم، لانها لا تؤدي الا الى الضغينة في نفوسنا، خصوصاً نعيش عصر العولمة والارتباط فلا يصعب على احدنا التواصل مع الأخر. 


كما أود ان أوكد على ضرورة نبذ التفرقة من خلال نبش التراث لإيجاد ثغرات وشطحات لتكون مسوغا للانتقاص من الأخر، بل أدعو الى التركيز على القواسم المشتركة لكي نكون جزء من الحل لا جزء من المشكلة.


ومن هذا المنطلق ولايماننا بضرورة نشر ثقافة الحوار والتعايش السلمي قامت مؤسسة الإمام الخوئي الخيرية ومؤسسة أطياف لتمنية الحوار بتفعيل عملي لهذه الثقافة في بلدنا الحبيب العراق من خلال تهيئة أجواء المحبة والعيش المشترك ضمن مشروع شامل لإجراء حوار عقلاني بين كل أطياف الشعب العراقي. وجاء هذا المشروع من خلال دراسة معمقة وطويلة للمشكلات الاجتماعية في مجال التعايش والتسامح في العراق، وهو مشروع فكري يهدف إلى تأسيس وتنمية هوية عراقية عقلانية جامعة لكافة أطيافها ومبتنية على أساس مبادئ التسامح والتعايش وقبول الآخر، ويتم عبر إيجاد منظومة واسعة من الاتصالات بين النخب الفكرية ذات الامتدادات الاجتماعية في المجتمع العراقي من بين كل أطياف هذا المجتمع ومناقشة المشاكل الرئيسية لهذا المجتمع عبر اجتماعات ولقاءات جادة لإعطاء حلول علمية واقعية عملية لمشاكل الإنسان العراقي بعيداً عن الإعلام والروتين، وكانت اول ثماره لقاء ودي وندوة أقيمت في النجف الاشرف في يوم الجمعة 582011 المصادف للرابع من شهر رمضان الكريم جمعت بين علماء ومفكرين من النجف الاشرف وقساوسة ومفكرين وعلماء مسيحيين قدموا من بغداد في أجواء أخوية حميمة وصادقة حيث تم تبادل الاراء وتقريب وجهات النظر من اجل تحقيق الهدف المرجو. وسيتبعها أنشالله اجتماع ثاني في بغداد يناقش من خلالهما إشكاليات التعايش الديني في العراق وما يواجهه من تحديات وما يقترح من حلول لذلك، ثم تقديم التوصيات للجهات المعنية لغرض تطبيقها على ارض الواقع ونشرها بين أتباع جميع الاديان والمذاهب. أشكر لكم حسن أصغائكم وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمينأ.


والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته


جواد الخوئي
مؤسسة الإمام الخوئي الخيرية
النجف الأشرف 


  • ٣٩٩٨
  •