معهد الخوئي | Al-Khoei Institute

معهد الخوئي | Al-Khoei Institute
  • الإمام الخوئي
  • المكتبة المرئية
  • المكتبة الصوتية
  • المكتبة
  • الاستفتاءات

رسالة سلام من النجف للعالم

التاریخ : ٢٠١٤/٠٢/١٩

ايمانا منها بالمسؤلية الملقاة على عاتقها من واقع المجتمع الذي تنتمي إليه، وترسيخا للمبادىء والقيم السامية التي نشأة عليها في مدينة الكرار علي أمير المؤمنين عليه السلام والوسط العلمي فيها، وضمن اهدافها المبنية على التربية الدينية والاخلاقية باحترام الآخر. مرة اخرى سعت مؤسسة الامام الخوئي الخيرية بايصال رسالتها لمد جسور المحبة بين اصحاب الاديان السماوية، وهذه المرة بين مدينة النجف الاشرف وروما، وبدعوة من مؤسسة سانت ايجيدو الايطالية في روما، حمل السيد جواد الخوئي ((رسالة سلام من النجف للعالم)) .. هي عنوان بحثه العلمي الذي القاه يوم الاربعاء ١٩/٠٢/٢٠١٤ في مؤتمر الدين والعنف بحضور نخب من مفكرين وعلماء اديان . وادناه النص الكامل للبحث :


 


رسالة سلام من النجف للعالم


تمثل النجف الأشرف المركز الدينيّ الأكبر للمسلمين الشيعة في العالم، وقد حاولت النجف طوال سنوات نشاطها الدينيّ والاجتماعيّ أن تنفتح أمام الجميع دون تمييز بين ديانة ومذهب. وقد وقفتْ بكلّ قواها السلمية أمام المشاريع المتطرّفة التي تستغلّ الدين لنشر العنف والكراهية.
إنّ الجذور التاريخية للمشروع الإنسانيّ لحوزة النجف ترجع إلى أصولها الفكرية المقتبسة من أهل بيت النبيّ (ع) الذين علّموا أتباعهم ودرّبوهم على حبّ الإنسان والإنسانية مع غضّ النظر عن انتماءاته الدينية والمذهبية والعرقية ، فقد علّمنا الإمام عليّ عليه السلام وهو أوّل أئمّتنا، أنّ الناس صنفان: "إمّا أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق". وهذا يعني أنّه يجب علينا احترام الجميع على أساس مبدأ الأخوّة والمساواة دون أيّ تمييز وبعيدا عن كلّ العصبيات الجاهلية.
وكانت النجف دائما تحمل رسالة السلام والمودّة والتعايش مع أتباع الديانات والمذاهب الأخرى، وكانت هناك وما زالتْ زيارات مكرّرة ومتبادلة من علماء الأديان الأخرى للنجف وبالعكس ، ومن باب النموذج كان إبراهيم الصابئ (ت٣٨٤هـ) وهو من رجال الدين في الديانة المندائية أعزّ أصدقاء السيّد الرضيّ (ت٤٠٦هـ) وهو أحد كبار علماء الشيعة في القرن الرابع وبداية الخامس، وجامع كتاب "نهج البلاغة" الذي تعدّه الشيعة أهمّ كتاب لها بعد القرآن ، وقد أدّت الصداقة الروحية العميقة بين الرجلين إلى مجموعة من الرسائل نشرتْ بعنوان "رسائل الصابئ والشريف الرضيّ". وقد رثا الشريف الرضيّ صديقه بعد مماته بثمانين بيتا ، يتحدّث في مطلعها المشهور عن فضائله الأخلاقية وصفاته الإنسانية دون النظر إلى اختلاف دينه مطلقا، يقول:



أعلمت منْ حملوا على الأعـواد      أ رأيت كيف خبا ضياء النادي
ما مات منْ جعل الزمان لسـانه      يتلــو مناقــب عـــوّدا وبــوادي
فاذهبْ كما ذهب الربيع وإثــره      بـــاق بكـــلّ خمائــــل ونجــــاد



وقد تحوّل سلوك الشريف الرضيّ إلى قاعدة عند علماء الشيعة ؛ إذ كان السيد عليّ بحر العلوم (ت ١٩٦٢) من كبار مراجع النجف آنذاك تربطه صداقة عميقة مع الشيخ الصابئيّ أبي بشير عنيسي ، وحين سأله بعض أصدقائه : "كيف تكون لك صداقة وطيدة بشيخ صابئيّ ؟ ردّ عليهم بالشعر:



بيني وبين أبي بشير صداقة       تبقـى مـدى الأيــام والأحقــاب
إنّي لأرجتتو الودّ يبقى بيننا        كوداد سيّدنا الرضيْ والصابي



وكان الشيخ محمّد حسين كاشف الغطاء يمتلك علاقات صداقة واسعة مع رجال الدين من مختلف الأديان في العراق ، وهو صاحب الشعر المعروف البالغ الذروة في الإنسانية :



بنـي آدم إنّــا جميـعــا بنــو أب         لحفــظ التــآخي بيننــا وبنـو أمّ
عهدْتكم شـتّى الحزازات بينكمْ         وما بينكمْ غير التضارب بالوهم



وقد تلمذ الشيخ محمد جواد البلاغيّ عند رجال الدين اليهود في العراق ليتعلم منهم العبرية وقراءة النصوص اليهودية، والأمثلة كثيرة جدّا ومما لا يمكن حصرها في هذه الورقة.
وقد كوّنتْ مرجعية النجف خطابا مدنيا في التعامل مع المجتمع العراقيّ ، فمن يتابعْ سيرة السيّد السيستانيّ يجدْه صمّام الأمان في الصراعات الطائفية التي هزّتْ ببلادنا في السنين الماضية ، وهو ما زال يبتعد عن كلّ أنواع الانحيازات الطائفية ولا يمثّل إلا الخطاب الانسانيّ الشامل الضامن لمصلحة كلّ العراقيين من مختلف انتماءاتهم، وهذا ما ورثه من أساتذته من كبار مراجع النجف من الأجيال السالفة ، وقد روّض تلامذته وأتباعه على ذلك أيضا.
فقد أكّد السيد السيستانيّ بكلّ صراحة أنّه يخالف تأسيس حكم دينيّ في العراق، بل كلّ ما يطمح إليه هو حكم مدنيّ ديمقراطيّ ٥تعدّديّ يحترم الخصوصيّات الثقافية لجميع مكوّنات البلد وليس أكثر من ذلك ، ومن يتابعْ خطب الجمعة للمتحدّثين باسم السيستانيّ يشاهدْ أنّ هناك خطّا مستمرا من تأكيد المطالب المدنية واحترام الأقلّيات والمكوّنات الدينية والعرقية المختلفة في البلد ، بل أيضا وقفت المرجعية أمام المحاولات لاستغلال الدين من قبل تيّارات الإسلام السياسيّ وأيّ مشروع آخر من شأنه أن يثير الفتنة الطائفية في البلد ويؤثّر سلبا في حقوق المكوّنات الأخرى والأقلّيات الدينية.
أما في جانب اللقاءات مع رجال الدين من الديانات الأخرى فهناك زيارات مستمرّة ومتبادلة للنجف ، فقد زار الكاردينال عمانوئل دلي، كبير رجال الدين المسيحيّين في العراق، النجف مرّتين والتقى كلّ مرة و سماحة السيّد السيستانيّ ، وقد زار ممثلو مؤسّسة سانت اجیدیو النجف الأشرف والتقوا خلال الزيارة و السيد السيستانيّ وتبادلوا رسائل المحبّة والسلام ، وهناك لقاءات مستمرة بين نخب من رجال الدين من مختلف الديانات في النجف يتمّ فيها النقاش والحوار البنّاء حول مختلف القضايا المرتبطة بالعلاقات الودّية بين الديانات العراقية ، وقد انتهى أخيرا إلى تأسيس المجلس العراقيّ لحوار الأديان ، وقد تجاوز المجلس أسلوب المجاملات والبيانات الضبابية و دخل مباشرة في صميم المشاكل بين أتباع الأديان متبنّيا منطلقات حقوق الإنسان العالمية والمساواة التامّة وفي كلّ الجهات لجميع الأديان والمذاهب دون تفريق وتأويل ، مما يجعله قابلا للتعويل عليه وقادرا على تحقيق أهدافه وخاصّة أنّه يتضمّن شخصيّات ذات نفوذ اجتماعيّ واسع النطاق من مختلف الديانات العراقية.
وقد أفتى أحد كبار علماء الشيعة، ابن طاووس (ت٦٦٤هـ) بتفضيل الحاكم العادل الكافر على المسلم الجائر، كما أفتى المرجع الكبير آية الله السيد محسن الحكيم بتفضيل الحاكم العادل السنّيّ على الحاكم الشيعيّ الظالم، وهذا كلّه يدلّ على أنّ النجف بعيدة تماما عن الأجندة الطائفية ، وما يهمّها هو المعايير الإنسانية في التعامل مع الآخر ، وعليه فقد وقف مراجع النجف الكبار مع المطالب المشروعة للشعبين السوريّ والبحرينيّ معا دون تفريق بين هذا وذاك على أساس الانتماءات المذهبية المختلفة ، وقد أفتى مراجع النجف بحرمة الذهاب للقتال في سوريا ، وترك الأمر إلى الشعب السوريّ نفسه وما يختاره ويريده لنفسه.   
ويحاول المجلس العراقيّ لحوار الأديان أن يوفّر إطارا يكون من خلاله للزعماء الدينيين بالشراكة مع المجتمع المدنيّ دور مهمّ من خلال العمل المشترك في دعم وتعزيز التسامح الدينيّ عن طريق التأكيد الواضح على أهمّية الحقّ في (حرّية الدين أو المعتقد) لكلّ شخص وبجميع أبعادها.
وقد أخذ حوار الأديان لدينا بعدا أشدّ حيوية مع مشاركة منظّمات المجتمع المدنيّ، وانخراطها في مبادرات تستجيب لتحدّيات الواقع العراقيّ المتحرّك ، وكتعبير جماعيّ عن  تأسيس أطر لحوار الأديان بين رجال دين وقادة مدنيين،  ولعلّ أبرز مثال هو قيامنا بتأسيس  "مبادرة الحوار الإسلاميّ المسيحيّ" وهي إطار مدنيّ أسّس بمبادرة مشتركة من مؤسّسة الإمام الخوئيّ الخيرية ورهبنة الآباء الدومنيكان في العراق ومؤسّسة مسارات للتنمية الثقافية والإعلامية ،  والتي انطلقتْ بعد الحادث الإجراميّ في كنيسة سيّدة النجاة في ٣١-١٠-٢٠١٠.  
ويعمل المجلس حاليا في اتّجاهات مختلفة منها: إصلاح المناهج التعليمية بشكل أن تكون داعية للوفاق والسلام والتعايش وتبتعد عن كلّ أنواع الإقصاء والتهميش ضدّ الآخر.


وخلال عملنا في المجلس العراقيّ لحوار الأديان وزيارة الأعضاء لمدن عراقية مختلفة لإلقاء محاضرات وإجراء ورش كنّا نواجه الجهل بالآخر الّذي تحوّل إلى حالة سائدة ، والرغبة في الوقت نفسه للتعرّف على الآخر من خلال إنشاء منهج دراسيّ شامل للتعرّف على التعدّدية الدينية والقومية للبلاد.
ومن مشاريع المجلس أيضا العمل على صياغة مسوّدة قانونية تضمن حقوق الأقلّيات وتقدّم لها حماية خاصّة وتكفل لها مزيدا من المشاركة في الحياة العامّة ، وذلك لضمان حقوقها والتعويض عن عقود طويلة من التمييز والإقصاء ، وأيضا من خلال تقديم ضمانات حكوميّة لتلك الأقلّيات تتمثّل بتشريع قوانين خاصّة واللجوء إلى محاكم خاصّة تعنى بالجرائم المرتكبة بحقّها أو إلى أيّ إجراء خاصّ آخر يمنع بروز أيّ نوع من الاضطهاد والتمييز ضدّها.
ويعمل المجلس بالتعاون مع دائرة وسيعة من الناشطين المدنيين لترسيخ قواعد المواطنة في المجتمع وترصينه بالمتطلّبات الضرورية للحدّ من الصراع الطائفيّ المتصاعد، وايجاد وتوسيع شبكة اجتماعية واسعة ومتواصلة لتقف أمام توسيع الهوّة القائمة بين مكوّنات الشعب ، وبهذا الهدف أسهم المجلس العراقيّ لحوار الأديان في مشروع سفراء المواطنة الذي هو تأسيس مجموعات شبابية في مختلف مناطق العراق تقوم بتعريف مفاهيم المواطنة والتعايش بين أبناء البلد وتحاول نقد الصور النمطية المتشكّلة ضدّ ديانات محدّدة لدى أتباع ديانات أخرى ، وأيضا يقوم الأفراد في هذا المشروع بزيارات متعدّدة للأماكن المقدّسة للديانات الأخرى لتتعرّف عليها مباشرا وتجرّب الحوار في فضاء حقيقيّ.
وفي جانب الخدمات الإنسانية ، هناك اهتمام بالغ ومستمرّ من قبل مرجعيات النجف ولا سيّما السيّد السيستانيّ للفقراء والمشرّدين من الحروب والصراعات والأصناف الأخرى من المحتاجين دون تمييز على أساس دينيّ أو مذهبيّ أو عرقيّ ، فقد قدّم السيّد السيستانيّ مساعدات إنسانية في دفعات مكرّرة للّاجئين السوريين في العراق ، وقد استقبلت المراقد المقدّسة الشيعية المهجّرين السنّة من محافظة الأنبار بكلّ حفاوة ومحبّة لتهيّئ لهم المسكن والطعام والحاجيات الإنسانية الأخرى.
وختاما أودّ أن أشير إلى الوضع العامّ في المنطقة إذ تتّجه بسرعة فائقة نحو التشدّد والطائفية ، ونحن في النجف قلقون جدّا من هذا الوضع ونرى أنّه سيضرّ بنا جميعا في كلّ نقاط العالم ؛ لأنّ الشرق الأوسط يمثّل مهبط الكثير من الديانات الكبرى في العالم وهو الجسر الرابط بين الشرق والغرب ، فما يحدث هنا سيلقي آثاره السلبية على البلاد والمجتمعات الأخرى، فنحن كلّنا نعيش على كوكب يصغر يوما بعد يوم بفضل وسائل الارتباط والعلاقات بيننا، وعليه أدعو الجميع لمساعدتنا في الوقوف أمام التشدّد وللعمل معا على نشر رسالة السلام والمحبّة والتعايش بين الجميع.
    


جواد الخوئي
مؤسسة الإمام الخوئي
العراق / النجف الأشرف



 تحميل البحث PDF

  • ٤٣٧٤
  •