معهد الخوئي | Al-Khoei Institute

معهد الخوئي | Al-Khoei Institute
  • الإمام الخوئي
  • المكتبة المرئية
  • المكتبة الصوتية
  • المكتبة
  • الاستفتاءات

الفقر بشطريه المادي والمعنوي كعامل رئيسي للأرهاب

التاریخ : ٢٠١٤/٠٩/٠٨

كان هاجساً للسيد جواد الخوئي، مدير مؤسسة الامام الخوئي الخيرية في العراق .. وجعله مدار بحثه الذي ألقاه ضمن المؤتمر الذي نظمته جماعة سانت ايجيديو الايطالية في بلجيكا بمدينة انتويرب يوم الاثنين ٨/٩/٢٠١٤ والذي يتمحور هذا العام حول موضوع (السلام هو المستقبل .. ديانات وثقافات في حوار بعد مضي مائة عام على الحرب العالمية الاولى) والذي حظره نخبة متنوعة من اديان واطياف عالمية وفي ادناه البحث الذي القاه الخوئي في المؤتمر.


الفقر .......
لايخفى أنَّ أشدَّ الآفاتِ التي يتعرّضُ لها بنو الإنسان في حياته على مستوى أفرادٍ أو مجتمعاتٍ أو أممٍ هو الفقرُ.. ومعناه؛ العوزُ والحاجةُ أو الحرمانُ النسبيُّ ، ومعنى الفقير في الفقه "من لا يملكُ قوتَ سنتهِ ولو بالقوة"، أما أساسُه فهو التفاوتُ الطبقيُّ في الثرواتِ، وأشدُّه، وصولُ البعضِ  من الناسِ إلى الحدِّ الأدنى لمستوى المعيشةِ، وكما وردَ عن الإمامِ عليٍّ عليه السلام تعليقاً على ماوردَ في قولهِ تعالى (رَبّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْت إِلَيَّ مِنْ خَيْر فَقِير)(القصص ٢٤)  "واللهِ ما سأله إلا خبزاً يأكله"، أما أسبابُه فكثيرةٌ .. المجتمعيةُ منها، وتكونُ ناتجةً عن الخللِ في سوءِ توزيعِ الثروةِ على الأفراد، أو سوءِ التنظيمِ، ومنها فرديةٌ كالتقاعُسِ في العملِ أو الاتّكالِ على الآخرين، ومنها مشتركةٌ مثلُ انعدامِ التكافلِ الاجتماعيِّ بينَ الفردِ والمجتمعِ، وغالباً ماتكونُ ناتجةً إمّا عن الصراعاتِ، كالحروبِ والغزَواتِ، أو الاحتكارِ، أو استحواذِ القويِّ على ثرَواتِ المجتمعاتِ الضعيفةِ نتيجةَ الاستبدادِ السياسيِّ وله آثارُهُ الماديّةُ والمعنويّةُ والاجتماعيّةُ والثقافيّةُ في مسيرةِ الفردِ.


ويُعَدُّ الفقرُ من أخطرِ القضايا وأكثرِها تعقيداً في أغلبِ المجتمعاتِ؛ فحينَ يعجزُ الفردُ عن توفيرِ أبسطِ المتطلّباتِ المعيشيةِ، أو كان مدخولُه اليوميُّ لايفي بحاجتهِ أو حاجةِ أسرتهِ مما يُضطَرُّ الكثيرون إلى الابتعادِ عن المجالاتِ العلميةِ ومصادرِ المعرفةِ أو تعرُّضِهِم لأمراضٍ وعَوْقٍ صحّيّ أو آثارٍ نفسيةٍ ناتجةٍ عن التهميشِ المجتمعيِّ بسببِ الهُوّةِ الكبيرةِ بينَ الأغنياءِ والفقراءِ، لذا يصفُ أحدُ الشعراءِ حالةَ الفقرِ المادّيِّ في هذينِ البيتينِ:
     فصاحـةُ سحبـانٍ وخـــطُّ ابـنِ مُقلـَــةٍ           وحكمةُ لقمانٍ وزهدُ ابنِ أدهَمِ‏
    إذا اجتمعتْ في المرءِ ، والمرءُ مُفلِسٌ          فليـس لـهُ قـدْرٌ بمقدارِ  دِرْهَـمِ‏


وأهمُّ مخاطرِ الفقرِ المجتمعيةِ تبدأُ من الطفلِ الذي يُعَدُّ النواةَ الاساسيةَ لبناءِ المجتمعِ، إذ يبدأُ أولَ نشأتِهِ فيجدُ نفسَه مضطرًّا لتدبيرِ قُوتِهِ اليوميِّ ومؤزارةِ أسرتِهِ من أجلِ لقمةِ العيشِ، مما يترتّبُ على ذلك تعرُّضُهُ إلى عواملَ تُخرِّبُ شخصيتَهُ بسببِ تسلُّطِ الكِبارِ، ويترتَّبُ وضعُهُ في إطارِ العبوديةِ، فضلا عمّا يحملُ الشارعُ من مخاطرَ تُلغّم عاداتِهِ، فيجدُ نفسَه في صراعاتٍ نفسيةٍ تُفقدُهُ التوازُنَ الطبيعيَّ والتفكيرَ السليمَ، ففي الوقتِ الذي يبحثُ فيهِ عن وضعٍ يُخففُ عن كاهلِهِ الضغطَ ، يصطدمُ بمجتمعٍ تشحُّ فيه الرحمةُ والعطفُ عليه، مما يُضطَرُّ إلى اللجوءِ الى عالمٍ آخرَ في الانحرافِ نحوَ العنفِ والجريمةِ أو السلوكياتِ المنبوذةِ في المجتمع .


ولمّا كان الله سبحانه وتعالى قد كرّم الإنسانَ وسخرّ له كلَّ المتطلباتِ الطبيعيةِ (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا)(الأسراء ٧٠0)  كان حقُّ كلِّ شخصٍ وفي أيةِ بقعةٍ من بقاعِ العالمِ مكفولا له أن يعيشَ بكرامةٍ. وهذا يعني؛ أنه ينبغي عدمُ حرمانِهِ من حقوقِهِ في السكنِ المناسبِ وفي الطعامِ والماءِ والخِدْماتِ الأخرى، وكذلك التعليمُ والرعايةُ الصحيةُ، لذا ذهبت كثيرٌ من المنظماتِ الأمميةِ وهيآتٍ إنسانيةٍ ومؤسساتٍ خيريةٍ لمكافحةِ الفقرِ، وقد ظهرتْ في الميدانِ نماذجُ وتجاربُ كثيرةٌ ومختلفةٌ في العالمِ، ومع هذا لايُمكنُ أن نقول إن كلَّ تلك البرامجِ ذاتُ فعاليةٍ تستدعي التفاؤلَ في معالجةِ الأمورِ، لكونِ ظاهرةِ الفقرِ في ازديادٍ مطّردٍ خاصةً في العقودِ الثلاثةِ الأخيرةِ ، وآخرُ الإحصائياتِ تفيدُ بأن ربعَ سكانِ العالمِ فقراءُ، وهذا ماأكده مكتبُ العملِ الدوليِّ في تقريرِهِ عن أوضاعِ العملِ في العالمِ من "أن ربعَ البشريةِ يعيشُ في البؤسِ، وأن مليارًا ونصفَ مليار رجل وامرأة يعيشون بأقلَّ من دولار في اليومِ. أما في الدولِ الناميةِ فإن ما يقاربُ ثلثَ السكانِ يعيشون بأقلَّ من دولارٍ في اليوم، وهناك ٣٠% من الراشدين أُمِّيُّون، و٣٠% محرومون من المياهِ العذبةِ ، و٣٠%  من الأطفال الذين هم دونَ خمسةِ أعوامٍ أوزانُهم دونَ المعدلِ الطبيعيّ" وتزدادُ النسبةُ المئويةُ في دولِ افريقيا وجنوبِ آسيا ووفقاً لتقريرٍ حولَ العولمةِ والبطالةِ، إن هناك ما يزيدُ على مليارِ شخصٍ متعطلٍ عن العملِ، فيدولِ الجنوبِ مجتمعةً مما يُدللُ الى فشلِ تلك السياساتِ في مكافحةِ الفقرِ، وهذا مايُنذرُ باتساعِ رُقعةِ الفقرِ أكثرَ وأكثرَ، مما يُثيرُ التساؤلَ حولَ الوضعِ الراهنِ والمستقبلِ الاجتماعيِّ في هذه المجتمعات.


فالعالمُ بأجمعهِ مهدَّدٌ مادامَ الفقرُ بأنواعِهِ موجودًا، لأن الفقرَ المعنويَّ الذي يشتملُ على الفقرِ الفكريِّ والعوزِ الثقافيِّ يكونُأشدَّ خطرًا وأعظمَ تأثيرًا من المادّيِّ، بدءًا من تفسيرِ وفهمِ الأحكامِ الدينيةِ والذي بدورهِ يُولِّدُ الفرقةَ والنزاعاتِ والصراعاتِ التي ينتجُ عنها الاقتتالُ والحروبُ وانتهاءً بالجهلِ العلميِّ ..


وعلى هذا الأساسِ، تصدى الإسلامُ للفقرِ وأولاه اهتماما خاصًّا، فوضع له الحلولَ الناجعةَ وجعلَ عمليةَ القضاءِ على الفقرِ أمراً عقائديا لايُمكن إنكارُه، وانطلق من الفقراءِ لبناءِ مجتمعٍ أكثرَ إنسانيةً ونظرَ إليه من جميعِ جوانبهِ ابتداءً من الضرائبِ الشرعيةِ كالزكاةِ والخمسِ التي سأورد ذكرها لاحقاً، كفلَ حقَّ الفقراءِ من أموالِ الأغنياءِ والموسرين وجعلها اللهُ سبحانه وتعالى من الحقوقِ الواجبةِ بينَ الأقاربِ وغيرهِم كما وردَ في قولهِ تعالى (وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا)(الاسراء 26) والأحاديثِ الواردةِ على لسانِ نبيِّنا الأكرمِ محمّدٍ (ص) بتشجيعِ الناسِ وحثِّهم على مزاولةِ الأعمالِ، وبعضِ المهنِ والصناعاتِ اقتداءً بالأنبياءِ عليهم الصلاةُ والسلامُ في العملِ والكسبِ الحلالِ، فضلا عن ذمِّ الكسلِ، وتحريمِ الربا لما له من مضارَّ على فقراءِ المجتمعِ وعَوْقهِ للتنمية، وانتهاءً بحالِنا الحاضرِ حينَ ازدادتْ ظاهرةُ الفقرِ في نهايةِ القرنِ المنصرمِ بعدما أنهكتْ بلدي الحروبُ؛ إذ أفتى المرجعُ الدينيُّ الأعلى الإمامُ السيستانيُّ بعدمِ تسلُّمِ الحقوقِ الشرعيةِ (كالخمسِ والزكاةِ) من الأغنياءِ على أن تُوزَّعَ من قبلِهِم على الفقراءِ العراقيين "للأقربِ فالأقربِ وأن تكونَ يَدًا بيَد" فكانت عبارةً عن مسحٍ ميدانيٍّ شاملٍ ومشروعِ تضامُنٍ للفردِ ذي المقدرةِ الماليةِ مع مجتمعِهِ الفقيرِ، وهو يُشبهُ بعضَ الشيءِ نظامَ الأبرشيةِ في الكنيسةِ.


وامتدادًا لما تقدَّمَ .. أوَدُّ أن أدخلَ بشيءٍ من التفصيلِ لنهجِ الحوزةِ العلميةِ في النجفِ الأشرفِ، كأنموذجٍ في تقسيمِ الأموالِ طبقاً للشريعةِ. وتشتملُ على أمرينِ :


الباب الأول : الحقوقُ الشرعيةُ - وهي على أقسامٍ ، سنذكرُ أهمَّها:
١- الخمس : قال اللهُ تعالى في محكمِ كتابهِ(وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ) (الأنفال 41) وقد أجمعَ المسلمون على أنّها دالةٌ على أخذ الخمسِ من الغنائم. فمن حيثُ الكبرى هم متفقون، ويختلفون في معنى "الغنيمة" هل هي شاملةٌ لكلِّ غنيمةٍ ؟ بمعنى الفائدةِ كلِّ الفائدةِ ، أو تقتصرُ على غنائمِ الحربِ؟ فالمعنى الأولُ أخذَ به علماءُ الشيعةِ بدليلِ شمولِها اللغويِّ والتمسُّكِ بإطلاقِ اللفظِ (لاحظْ غنمتم من شيء)، مضافاً الأخذُ بعملِ الأئمةِ عليهم السلامُ وتواترُ الرواياتِ عنهم.
أما المعنى الثاني وهو الذي يسيرُ عليه علماءُ أهلِ السنةِ إذ يضيّقون اللفظَ ويقيدون الإطلاقَ فيقولون إنها مختصةٌ بغنائمِ الحربِ فقط والكنزِ، والبعضُ منهم يوسِّعُها إلى المعدنِ نحو أبي حنيفةَ ولا يرونَ في الآية دلالةً على شمولِها لمطلقِ الغنيمةِ (الفائدة).
والأمورُ التي وجبَ فيها الخمسُ سبعةٌ :
أ- غنائمُ الحربِ، ب- المعادنُ، ج- الكنوزُ، د- الغوصُ، هـ- المالُ الحلالُ المخلوطُ بالحرامِ، و- الأرضُ التي اشتراها الذمّيُّ من المسلمِ، ز- الفاضلُ من مؤونةِ سنتهِ.
وفي كلِّ واحدٍ من هذه المواردِ أحاديثُ عن الرسولِ (ص) والأئمةِ (ع) كثيرةٌ، ونقاشاتٌ بين الفقهاءِ تفصيليةٌ تخصصيةٌ، البحثُ فيها يُخرجُنا من أصلِ الموضوعِ، على الباحثِ أن يرجعَ إلى الكتبِ المختصةِ. المستند في شرح العروة الوثقى، تقريرات السيد أبي القاسم الخوئي . موسوعة الإمام الخوئي ج 25.
أما كيفيةُ صرفِ الخمسِ ومن يستحقُه :
فإن كلَّ الأموالِ المتجمّعةِ من الخمسِ تقسَّمُ في وقتِنا الحاضرِ إلى قسمينِ :
الأول ـ سهمُ اللهِ ورسولِهِ والإمامِ( ويسمى حقَّ الإمام ):
وتعودُ هذه الأسهمُ جميعا إلى الإمامِ، وهي واردٌ من وارداتِ الدولةِ الإسلاميةِ، ولك أن تُنفقَها في كلِّ مجالٍ ترى فيه النفعَ والصالحَ العامَّ بإذنِ الإمامِ أو من ينوبُ عنه (المرجع)، كالعلماءِ ، والمساجدِ، والمدارسِ، والجامعاتِ، وأماكنِ نشرِ العلومِ، والدعوةِ الإسلاميةِ، وإنشاءِ الطرقِ والجسورِ، ومساعدةِ الفقراءِ ... الخ .  
الثاني ـ سهمُ الفقراءِ والأيتامِ والمساكينِ وأبناءِ السبيلِ من بني هاشمٍ( يسمى حقَّ السادة ) :
فإنه يُعطى للسادةِ لكونِهم غيرَ مشمولين بالصدقاتِ (الزكاة)، وهم كلُّ من ينتسبُ إلى هاشمٍ جدِّ الرسولِ (ص) في الماضي والحاضرِ والمستقبلِ.
أما الحكمةُ من الخمسِ فهي لتقسيمِ الثروةِ وزوالِ الفقرِ والهُوّةِ الكبيرةِ في المجتمعِ بين الفقيرِ والغنيّ، وعن الإمام (ع) لو قُسِّم حقُّنا بشكلٍ جيدٍ لما بقي فقيرٌ على وجهِ الأرضِ .


٢- الزكاة : (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (التوبة ١٠٣).
البحثُ في موضوعِ الزكاةِ متشعبٌ وطويلٌ والآراءُ كثيرةٌ لعلماءِ المسلمين والفقهاءِ وقد توسَّعَ كثيرٌ من أهلِ العلمِ في إيجابِ الزكاةِ في الأموالِ، كما ذهب علماءُ بعضِ الفرقِالإسلاميةِ بتشريعِ صندوقِ الزكاةِ واستخدامِهِ لتمويلِ الفرقِ الإرهابيةِ، وذهب آخرون إلى عدمِ وجوبِ الزكاةِ على بعضِ الأموالِ، ونكتفي بما تجبُ فيه الزكاةُ ومن هم مستحقوها وآثارِها الاجتماعيةِ في حياةِ الفردِ والجماعةِ .
وتجب الزكاة في: النقدين (الذهب والفضة المسكوكين)، الأنعام الثلاثة، الغلات الأربع.
أمّا مستحقوا الزكاة : فقال الله تعالى في القرآن الكريم (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (سورة التوبة ٦٠) .. وقد خُصِّصتْ لثمانيةِ أصنافٍ كما ورد في النصِّ وهي فريضةٌ كما أنها دعامةٌ من الدعاماتِ الأساسيةِ في النظامِ الماليِّ الإسلاميِّ، وركيزةٌ مهمةٌ يرتكزُ عليها التكافلُ الاجتماعيُّ .
والحكمةُ منها، تدريبُ المسلمِ على البذلِ وتعويدُه على أن تكون يدُه هي العليا فتصفو نفسُه، وتسمو روحُه، ويكونُ مبعثا لكلِّ خيرٍ في بناءِ مجتمعٍ سليمٍ فيسعَدُ في الدنيا ويفوزُ برضا ربِّه بالآخرة.
زكاة الفطرة:
وتُعَدُّ من النظمِ الماليةِ في الشريعةِ لها مقدارٌ وشرائطُ، ولا يُستثنى منها أحدٌ صغيرٌ أو كبيرٌ، ذكرٌ أو أنثى. وتسمّى زكاةَ الأبدانِ اقترن اسمُها بنهايةِ شهرِ رمضانَ الذي خصّه اللهُ بنزولِ القرآنِ وبدايةِ عيدِ الفطرِ .. وكي لا نقولَ إن الصدقةَ وحدَها تكفي وتفي بالغرضِ ولأن الإنسانَ قد تشحُّ نفسُه لضيقِ ذاتِ اليدِ فيبتعدُ عن فعلِ الخيرِ دونَ ما قصدَ فيقسو القلبُ ولا يشعرُ بلذةِ الإعطاءِ، فكانت زكاةُ الفطرةِ التي يُخرجُها المسلمُ كلَّ عامٍ ليُسعَدَ بإخراجِها، وكذلك آخذُها، ويكونَ عيدا سعيدا على جميعِ المسلمين في مشارقِ الأرضِ ومغاربِها، فتتألفُ قلوبُهم ويصبحون بنعمةِ اللهِ إخوانا.


٣- الكفارات: الكفارةُ هي ما يُكفّرُ به الآثمُ من صدقةٍ أو صلاةٍ أو غيرِ ذلك، وسمّيتْ الكفاراتُ بهذا الاسمِ، لأنها تُكفّرُ الذنوبَ وتمحوها وتسترُها، وتتعلقُ الكفاراتُ بأبوابٍ كثيرةٍ من أبوابِ الفقهِ وفيها مناقشاتٌ كثيرةٌ للفقهاءِ وبيانُ أدلّةٍ وما ذهبوا إليه من بيانٍ راجحٍ من أقوالِهم حسبما يقضي به الدليلُ وقوّتُهُ ، وتعدُّ شريانا حيويا لإدامةِ مؤسساتِنا العلميةِ.


٤- النذورات: صيغةٌ يلتزمُ فيها الناذرُ بتركِ شيءٍ أو فعلٍ، لله تعالى، فلا ينعقدُ بالنيةِ المجردةِ عن اللفظِ،. والأصلُ في النذرِ أن يكونَ الوفاءُ بالمنذورِ معلقاً ومشروطاً بحدوثِ أمرٍ معيّنٍ مباحٍ وراجحٍ،  ويجبُ الوفاءُ به وله شروطٌ وأحكامٌ كثيرةٌ لدى الفقهاءِ .. وتصبُّ إيراداتُهُ ضمنَ التمويلِ الخاصِّ.


٥- ثلثُ تركةِ أموالِ الميّتِ: لغرضِ تحصيلِ الثوابِ والأجرِ من اللهِ سبحانه وتعالى يوصي كثيرٌ من المؤمنين وأهلِ الخيرِ من التجارِ بثلثِ التركةِ من أموالِهِم المنقولةِ وغيرِ المنقولةِ لمشاريعَ خيريةٍ فيها خدمةٌ إنسانيةٌ واجتماعيةٌ كبناءِ المستشفياتِ والمدارسِ ودورِ السكنِ وتزويجِ الشبابِ وبناءِ المساجدِ والحسينياتِ وما إلى ذلك، فالجديرُ بالذكرِ أن ثمرةَ هذا الموردِ مشهودٌ وملحوظٌ وهو كثيرٌ جداً.


٦- الأوقافُ العامةُ والخاصة ُ: البعضُ الآخرُ من أهلِ الخيرِ يوقفُ مسكنَه أو مزرعتَه أو مصنَعَه لخدمةِ خاصةٍ للمسلمين، والوقفُ هو الحبسُ أي يحبسُ ما يريدُه لكي يضمنَ عدمَ التصرفِ به من قبلِ ورثتِهِ أو من تُسوِّلُ له نفسُه بيعَه وهو نوعٌ من الضمانِ الدينيِّ والشرعيِّ لاستمرارِ مشروعهِ الخيريِّ، وهذا النوعُ منتشرٌ جداً بين المجتمعِ الإسلاميِّ .


الباب الثاني : التبرعات والهدايا :
لوجودِ بعضِ المحاذيرِ للتصرُّفِ بسهمِ الإمامِ (ع) من الخمسِ، تسعى المؤسسةُ الدينيةُ جاهدةً بصرفِ هذا الموردِ في شؤونِ الحوزةِ العلميةِ وإدارةِ طلابِها وبناءِ المدارسِ لهم وسدِّ حاجاتِهم الضروريةِ بمقدارِ سدِّ الرمَقِ، فعليه أيضاً تكثرُ مواردُ الهديةِ والتبرعِ لإدارةِ شؤونِ المرجعيةِ وتقديمِ الخدماتِ العامةِ إذ يسهُلُ التصرفُ بها بحسبِ إطلاقِ المُهدي لها ، مثال ذلك إدارةُ شؤونِ الشعائرِ الحسينيةِ وبناءُ الحسينياتِ غالباً ما تكونُ من الهدايا والتبرعاتِ وأحياناً من النذوراتِ، وكثيرٌ من المراجعِ لا يجوّزون صرفَ الحقوقِ الشرعيةِ على مثلِ هذه الأمورِ.


الباب الثالث : الاستثمارات التجارية :
يسمح عددٌ من المراجعِ وبإذنٍ خاصٍّ جداً باستثمارِ الأموالِ الشرعيةِ مع الضمانِ الشرعيِّ لأصلِ المالِ وبإشرافِهِم المباشرِ، حتى يضمنوا استمراريةَ مشاريعِهِم الخيريةِ في المستقبلِ، ويستفيدوا من رَيعِ تلك الاستثماراتِ التجاريةِ، وفي نفسِ هذا الموردِ عادةً تُستثمرُ الأموالُ في مشاريعَ خدميةٍ اجتماعيةٍ إنسانيةٍ.


وهنا تعمُّ الفائدةُ فالمُعطي رُوِّضَ على فعلِ الخيرِ وانتبه الى أن ما أعطاه اللهُ من مالٍ ليس له فقط، بل له وللآخرين، والقصدُ هو أن يبقى دائما صاحبُ المالِ ضمنَ منظومةِ الجماعةِ وبجانبِ الآخرين ليتحسسَ آلامَهم ويعيشَ مشكلاتِهِم، كأسرةٍ واحدةٍ، وقد يتعرضُ المعطي لنفسِ الظرفِ ويأخذُ دورَ الفقيرِ وهنا يكونُ الإحساسُ بالمساعدةِ ليس بسدِّ الجُوعِ بل بالشعورِ بأنه لم يُترَكْ في هذه الحياةِ وحيدا، فهي عمليةٌ إصلاحيةٌ للطرفين . 


تحميل البحث PDF


 

  • ٣٦١٣
  •