معهد الخوئي | Al-Khoei Institute

معهد الخوئي | Al-Khoei Institute
  • الإمام الخوئي
  • المكتبة المرئية
  • المكتبة الصوتية
  • المكتبة
  • الاستفتاءات

صوم عاشوراء لدى السيد الخوئي

حمود عبد المجيد بهية
  • ٣٨٩٠
  •  

 


صوم عاشوراء لدى السيد الخوئي (قده)


 


السيد الدكتور 


حمود عبد المجيد بهية 


جامعة الكوفة ـ كلية الفقه


 


اختلف الفقهاء في صوم يوم عاشوراء بين الكراهية والإستحباب وذلك لاختلاف الروايات في صوم يوم عاشوراء فبعضها تدل على الاستحباب وانه كفارة سنة وبعضها تدل على المنع وان من صامه كان حظه من ذلك اليوم حظ ابن مرجانة وآل زياد وهو النار . 


وفي الاستبصار جمع بين الأخبار بان ( من صام يوم عاشوراء على طريق الحزن بمصاب آل محمد ( صلى الله عليه واله وسلم  ) والجزع لما حل بعترته فقد أصاب ومن صام على ما يعتقد فيه مخالفونا من الفضل في صومه والتبرك به والاعتقاد لبركته فقد أثم وأخطأ ) ، ونقله عن شيخه المفيد وهو غير بعيد وفي بعض الروايات وليكن إفطارك بعد العصر ساعة على شربة من ماء .


 أما السيد الخوئي ( قده) ففي معرض حديثه عن الصوم المكروه فقد عد منه صوم عاشوراء وعلق عليه بقلة الثواب 


 وقد استعرض جميع الروايات وعلق عليها بكونها كلها ضعيفة  كرواية زرارة عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام قالا :( لا تصم في يوم عاشوراء ولا عرفة بمكة ولا في المدينة ، ولا في وطنك ، ولا في مصر من الأمصار) . بأنها  ضعيفة السند بنوح بن شعيب وياسين الضرير . 


والحقيقة ان الرواية ضعيفة بمتنها حيث  أن صوم عرفة غير محرم قطعا وقد صامه الإمام عليه السلام كما في بعض الروايات نعم يكره لمن يضعفه عن مراسيم الدعاء .


ولو صحت الرواية لكان صوم يوم عاشوراء  أيضا مكروها لمن يضعفه عن القيام بمراسيم العزاء حاله حال صوم عرفة . 


بما أن كثيرا من هذه الروايات ـ  المانعة للصوم ـ  قد ناقش السيد الخوئي (قده) في أسانيدها ،  فلذا تصدى الفقهاء للدفاع عن هذه الروايات وترميم ضعفها بما يلي : 


 


1 - وجودها في الكتب المعتبرة ، كما عن النراقي حيث قال : ( لا يضر ضعف إسناد بعض تلك الأخبار بعد وجودها في الكتب المعتبرة ، مع أن فيها الصحيحة )  . 


2 - كون هذه الروايات مستفيضة ، بل قريبة من التواتر ، كما عن الطباطبائي حيث قال : ( النصوص المرغبة وهي مع قصور أسانيدها وعدم ظهور عامل بإطلاقها بالكلية معارضة بأكثر منها كثرة زائدة تكاد تقرب التواتر ، ولأجلها لا يمكن العمل بتلك ولو من باب المسامحة ، إذ هي حيث لم تحتمل منعا ولو كراهة وهي محتملة من جهة الأخبار المانعة ) . 


أنها معتبرة سندا : وذلك لان الشيخ الطوسي قد جمع بين الطائفتين وجعل التعارض بينهما وهذا يدل على تسليمه للأخبار وذلك لان التعارض فرع اعتبار السند وحجيته . 


4 - وثاقة الحسين بن علي الهاشمي الذي ورد في سند الروايات المانعة، وذلك لأنه من مشايخ الكليني ، وعلى مبنى اعتبار مشايخ الثقات يخرج الهاشمي عن الإهمال ، والجهالة إلى رتبة الاعتبار. إلا أن يُناقش في هذا المبنى ويقال : إن نقل الثقة عن شخص لا يدل على كون المروي عنه ثقة لشيوع نقل الثقات من غيرهم . 


نعم ، لقد تبنى هذا الرأي جمع ؛ منهم المامقاني في التنقيح ، والنوري في المستدرك ، وجعل نقل الثقة آية كون الشخص المروي عنه ثقة . 


أقول : إن المبنى المقبول عند البعض هو كثرة نقل الثقة عن شخص يدل على اعتباره وحسن وثاقته .


 5 - اعتبار هذه الروايات لأجل موافقتها لسيرة المتشرعة ، ولأصحاب الأئمة ( عليهم السلام ) حيث  إن إسقاط هذه الروايات لمجرد ضعف سندها مع أن المسلم موافقتها لسيرة المتشرعة القطعية ولأصحاب الأئمة الذين كانوا ملتزمين بترك الصوم في يوم عاشوراء غير مقبول ، بل مخدوش . فلعل القدامى كان بين أيديهم من الأدلة ما لم صل إلينا  . 


 


إذن فلابد من:


 أولا : ملاحظة عدد هذه الروايات .


  ثانيا : كيفية تلقي السلف لهذه الروايات 


  ثالثا : ملاحظة أن السيرة القطعية هل هي موافقة لهذه الروايات أم لا؟


كما يمكن أن يضاف إلى ذلك جمع الشيخ الطوسي بين الروايات المانعة والروايات الدالة على المطلوبية فلا يعقل ان الشيخ الطوسي جمع بين الروايات الضعيفة والقوية ؟


 


وعلى كل حال فان السيد الخوئي ( قده) قد صحح  رواية  واحدة فقط وهي صحيحة زرارة ، ومحمد بن مسلم جميعا إنهما سألا أبا جعفر الباقر عليه السلام عن صوم يوم عاشوراء ، فقال : ( كان صومه قبل شهر رمضان فلما نزل شهر رمضان ترك ) . 


 


ولكنه لم يستدل بها على المنع من صوم يوم عاشوراء حيث قال (ولكنها كما ترى لا تتضمن نهيا ، بل غايته ان صومه صار متروكا ومنسوخا بعد نزول شهر رمضان ، ولعله كان واجبا سابقا ، ثم أبدل بشهر رمضان كما قد تقتضيه طبيعة التبديل ، فلا تدل على نفي الاستحباب عنه بوجه فضلا عن الجواز) .


 


وأما الروايات المتضمنة للأمر واستحباب الصوم في هذا اليوم فكثيرة ، مثل صحيحة القداح : ( صيام يوم عاشوراء كفارة سنة )  وموثقة مسعدة بن سرقة : (صوموا العاشوراء التاسع والعاشر فإنه يكفر ذنوب سنة )  ونحوها غيرها .


 


وهذه الروايات يمكن حملها على ان في هذا الصوم مواساة مع أهل بيت الوحي وما لا قوه في هذا اليوم العصيب من جوع وعطش وساير الآلام والمصائب العظام التي هي أعظم مما تدركه الأفهام والأوهام. 


 


وعليه فقد استدل السيد الخوئي ( قده) على استحباب الصوم في هذا اليوم من حيث هو كما ذكره في الجواهر أخذا بهذه النصوص السليمة عن المعارض . 


 


أما ما حرره في مجال تضعيف الروايات المانعة وسقوطها عن الاعتبار فضلا عن المعارضة في قوله : ( فالروايات الناهية غير نقية السند برمتها ، بل هي ضعيفة بأجمعها ، فليست لدينا رواية معتبرة يعتمد عليها ليحمل المعارض على التقية كما صنعه صاحب الحدائق )  . 


 


فخرج ( قده) بنتيجة مفادها أن الروايات الناهية عن الصوم في العاشر من محرم كلها ضعيفة السند فتكون الآمرة بالصوم سليمة عن المعارض . فلم تثبت كراهة صوم يوم عاشوراء.


 


وعلى كل حال فان هذا الكلام يمكن الرد عليه بالقول : لا أحد يقول ان مستند الحكم هو الرواية الضعيفة.


 


 بل نقول : إن الروايات إذا كانت متعددة وكانت موردا ً لتسالم الأصحاب وقبولهم وكانت السيرة مطابقة لهذه الروايات فتكون الروايات التي تحمل هذه المواصفات مستندا ً للحكم لا الرواية الضعيفة ، وما نحن فيه من هذا القبيل . 


 


كما يمكن القول :  إن تصريح السيد الخوئي  ( قده ) في أجود التقريرات بمداومة الأئمة ( عليهم السلام ) على الترك وأمرهم أصحابهم به ينافي ما يتبناه من القول بالاستحباب . 


 


 


النتيجة 


لا إشكال في حرمة صوم هذا اليوم بعنوان التيمن والتبرك والفرح والسرور كما يفعله أجلاف آل زياد والطغاة من بني أمية ،  من غير حاجة إلى ورود نص أبدا، بل ان الصوم بهذا العنوان  لهو من أعظم المحرمات فإنه ينبئ عن خبث فاعله وخلل في مذهبه ودينه وكراهية لأهل البيت عليهم السلام ، وهو الذي أشير إليه في بعض النصوص  من أن أجره مع ابن مرجانة الذي ليس هو إلا النار ، ويكون من الأشياع والأتباع الذين هم مورد اللعن في زيارة عاشوراء . وهذا واضح لا سترة عليه ،والوجدان يؤكده . 


 


وأما نفس الصوم في هذا اليوم أما قضاءً  أو ندبا ًولا سيما حزنافلا ينبغي التأمل في جوازه من غير كراهة فضلا عن الحرمة . 


 


وويؤيد ذلك عدد من الروايات منها :  ما رواه الحر العاملي عن محمد بن الحسن في ( المصباح) عن عبد الله بن سنان قال : دخلت على أبي عبد الله عليه السلام يوم عاشوراء ودموعه تنحدر على عينيه كاللؤلؤ المتساقط فقلت : مم بكاؤك ؟ فقال :( أفي غفلة أنت ؟ أما علمت أن الحسين عليه السلام أصيب في مثل هذا اليوم ، فقلت : ما قولك في صومه ؟ فقال لي: صمه من غير تبييت وأفطره من غير تشميت ، ولا تجعله يوم صوم كملا وليكن إفطارك بعد صلاة العصر بساعة على شربة من ماء فإنه في مثل ذلك الوقت من ذلك اليوم تجلت الهيجاء عن آل رسول الله صلى الله عليه وآله ) . 


 


فهذه الرواية  من حيث التصريح بعدم تبييت النية ، وعدم تكميل الصوم ، ولزوم الإفطار بعد العصر واضحة الدلالة على المنع عن الصوم الشرعي وانه مجرد إمساك صوري في معظم النهار تأسيا بما جرى على الحسين وأهله الأطهار عليهم صلوات الملك المنتقم القهار . 


 


ولكن السيد ( قده ) علق على هذه الرواية قائلاً إلا أن الشأن في سندها والظاهر انها ضعيفة السند لجهالة طريق الشيخ إلى عبد الله بن سنان فيما يرويه في المصباح ، فتكون في حكم المرسل  . 


 


ومنها ما رواه  الحسن بن علي الهاشمي عن محمد بن موسى عن يعقوب بن يزيد عن الوشا قال : حدثني نجية بن الحارث العطار قال : سألت أبا جعفر عليه السلام عن صوم يوم عاشوراء ؟ فقال :( صوم متروك بنزول شهر رمضان والمتروك بدعة قال : نجية فسألت أبا عبد الله عليه السلام عن ذلك من بعد أبيه فأجابني بمثل جواب أبيه ثم قال : أما أنه صيام يوم ما نزل به كتاب ولا جرت به سنة إلا سنة آل زياد بقتل الحسين عليه السلام).


 


والحقيقة فان الروايات المانعة عن صوم عاشوراء كثيرة جدا ً وفيها من الصحيح كما في ( صحيحة محمد ورواية سدير ، وقوله : ( ليس بيوم صوم ) ، والتخيير في رواية يعقوب بن شعيب ، وظهور رواية سدير في أنه ليس يعدل سنة ، وأن ذلك قول العامة )  .


 


وبذلك تترجح الروايات الدالة على عدم الاستحباب . 


 


 أفصوم يكون في يوم أصيب فيه الحسين عليه السلام  !!! كلا ورب البيت ما هو يوم صوم وما هو إلا يوم حزن ومصيبة فمن صامه أو تبرك به فرحا بسلامة بني أمية فصامه شكرا لله .حشره الله تعالى مع آل زياد ممسوح القلب مسخوطا ، وكان محشره مع الذين سنوا صومه وتبركوا به. 


 


أما من قال باستحباب صومه من الأصحاب فهو محمول على وجه الحزن والمصيبة وقيل: ( لا خلاف فيه أجده ) . 


 


والتقييد بكونه حزنا فللجمع بين الأخبار المحببة  وبين الأخبار النافية له ، إن تنزلنا عن طرح الأخبار المحببة للصوم في هذا اليوم وهو الصحيح. 


والحمد لله رب العالمين أولا وأخرا والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد واله الطيبين الطاهرين .