معهد الخوئي | Al-Khoei Institute

معهد الخوئي | Al-Khoei Institute
  • الإمام الخوئي
  • المكتبة المرئية
  • المكتبة الصوتية
  • المكتبة
  • الاستفتاءات

البحث الدلالي عند السيد الخوئي في كتابه (( البيان في تفسير القرآن ))

  • ٤٤٢٨
  •  

البحث الدلالي عند السيد الخوئي في كتابه


(( البيان في تفسير القرآن ))


د.وفاء عباس فياض


كلية العلوم الإسلامية / جامعة كربلاء    


 


د.حسن عبد الغني الأسديّ


كلية التربية / جامعة كربلاء


ملخص البحث:


يهتم البحث الدلالي القرآني بإبراز الآليات التي اعتمدها السيد الخوئي(قدس سرّه) للوصول إلى دلالات النص المقدّس، ومنها دلالات وحداته الأصغر وهي المفردات مع ملاحظة تفصيلات تلك الآليات، وكان السيّد الخوئي قد خطّ منهجه فجعله مدخلا لتفسيره. ما يعني أننا بصدد تناول الأسس المعرفية التي يقوم عليها تفسير القران الكريم كما يراها السيد الخوئي. وقد لحظنا في هذا الجانب أنّ يقوم البحث برصد جوانب النظر التي اعتمدها السيد الخوئي سواء عند تفسيره سورة الحمد ، أم في ما ذكره من مقدمات تفسيره من مثل :إعجاز القران والقول بالقراءات ونزول القرآن على سبعة أوجه وحجية ظاهر القران والنسخ وأصول التفسير ، وما تشتمل عليه من تفصيلات تدخل في صميم منهج المفسر لفهم القرآن الكريم .


 استندت محاور البحث إلى متابعة تلك الآليات في إطار عنوانات قمنا بوضعها منها ما توجه نحو المبني وأثره في بيان مدلوله ومنها ما توجه نحو البيئة اللفظية (السياق اللغوي) الذيّ استعملت فيها تلك اللفظة، كما تمّ رصد طائفة من وسائل الدلالة التي اعتمدها السيد الخوئي للفظة الواحدة لاسيما لفظ الجلالة (الله). 


إن الحضور الكبير الذي امتلكه السيّد الخوئي في الساحة الفقهية ومازال يمتلكه هو الذي حدا بنا إلى التوجه نحو دراسة بعض جهده؛ وذلك فيما يرتبط بالجهد اللغوي، لاسيما فهمه القرآن الكريم ودلالات وحداته المتوزعة على محاور تشكله في الإفراد والتركيب. إنّ الكتاب بوصفه مدخلا إلى التفسير يمثل خلاصة علمية ضمت مرتكزات صاحبه لفهم القرآن، فهذا المدخل ضمّ الأسس والمنطلقات في فهم القرآن. فالقليل الذي ورد فيه يغني عن كثير من التطبيقات فهو خلاصة فكرية ومنهجية منضبطة.


توطئة:


يهتم البحث الدلالي القرآني بإبراز الآليات التي يعتمدها المفسّر للوصول إلى دلالات النص المقدّس، ومنها دلالات وحداته الأصغر ابتداء بالمفردات مع ملاحظة تفاصيل تلك الآليات ، لاسيما أن السيّد الخوئي كان قد خطّ منهجه في كتابه موضع البحث، إذ جعله مدخلا لتفسيره؛ ما يعني أنّه بصدد تناول الأسس المعرفية التي يقوم عليها تفسير القرآن الكريم كما يراها. وقد لحظنا في هذا الجانب أنّ يقوم البحث برصد جوانب النظر المتعلق بالبحث الدلاليّ التي اعتمدها السيد الخوئي سواء في تفسيره سورة الحمد، أم فيما ذكره من مقدمات تفسيره من مثل: إعجاز القرآن، والقول بالقراءات، ونزول القرآن على سبعة أحرف، وحجية ظاهر القرآن والنسخ، وأصول التفسير، وما تشتمل عليه من تفصيلات تدخل في صميم منهج المفسر لفهم كلام الله تعالى في القرآن الكريم. وإننا لنأمل أن يكون البحث في تفسير البيان للسيد الخوئي مثمرا وذا فوائد متعددة لأمور نجملها بما يأتي : 




يعدّ أبو القاسم الخوئي الفقيه الأصولي المبرَّز في القرن المنصرم، وقد امتلك ناصية المرجعية الفقهية للشيعة الإمامية ما يقرب من عشرين سنة، وتخرّج على يديه كثير من طلاب العلوم الشرعية.




يعد كتابه البيان في تفسير القرآن( وهو في حقيقة الأمر مدخل إلى التفسير) خلاصة علمية تضم منهجيته التي يعتمدها في تفسير القرآن الكريم، ومرتكزاته في هذا التفسير، فهذا المدخل ضمّ الأسس والمنطلقات في فهم القرآن. وعلى هذا فالقليل الذي ورد في هذا المدخل وخاصة في تفسيره فاتحة الكتاب يغني عن كثير من التطبيقات لأنه كان خلاصة فكرية ومنهجية لمؤلفه.




الدلالة القرآنية ومنهجية التفسير


إنّ أبسط تعريف للدلالة القرآنية قد يكون كافيا في فهم المراد منها، فالدلالة القرآنية: هي تلك الدلالة التي استعملت بها الألفاظ أو التراكيب في القرآن الكريم.


ولاغرو في القول بأنّ التفسير في حقيقة أمره هو بحث في الدلالة سواء أكانت مفردة أم مركبة بل يعدّ منبعا ثرّا لطرح نظريات معرفة المعنى فالدَلالة هي عمدة التفسير. وقد تمّ للمفسرين توظيف كافة المستويات البيانية لفهم القرآن بل تعد مؤلفاتهم خير مثال لتطبيق تلك المستويات وهم يتناولون الظاهرة اللغوية التي تَمثَّلَها القرآن الكريم. ورغم الثراء المعرفي الذي يمثله دراسة النص الإلهيّ، إلاّ أنّ من التفسير ما ابتعد فيه صاحبه عن أن يكون القرآن هو رائده في الفهم، على نحو تمّ حمل ما خالف القواعد على أوجه من التأويل والتقدير، ونحو ذلك من التعسف. وكان الأولى أن تعطى الريادة في ذلك للاستعمال القرآني لذا فان الأمر المهم الذي يجب أن يكون في إطاره فهم الدلالة القرآنية أن يكون النص القرآني نفسه هو المعيار لنفسه وان يمتلك استقلالا منهجيا واضحا لبيان دلالاته؛ على ما يتصور من المنحى التفسيري:(تفسير القرآن بالقرآن) فالقرآن نصَّ مدوّن لا يشبهه نصّ آخر فهو إبداع إلهي ومن لوازم هذا الإبداع أن يكون مستقلا عن غيره مستغنيا بنفسه لبيان مراده،  وهو ما تكشف عنه آياته من نحو :




قوله تعالى:{ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} {النساء/82}.




وقوله تعالى:{ إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا } {الإسراء9}.




وكان السيد أبو القاسم الخوئي قد أثبت علاقته بتفسير القرآن بالقرآن منهجا يسير عليه في تفسيره بقوله في مقدمة كتابه:(( وسيجد القارئ أيضا أنّي كثيرا ما أستعين بالآية على فهم أختها، واسترشد القرآن إلى إدراك معاني القرآن، ثم أجعل الأثر المروي مرشدا إلى هذه الاستفادة))().


ومن الواضح أن هذا الأساس هو الذي يجب أن يؤسس عليه تفسير القرآن بالقرآن، لكن وقوع هذا المنحى من التفسير تحت طائلة المسبقات المنهجية أو العقائدية واللغوية أبعده كثيرا عن غرضه، ولم يَعْدُ أن يكون منحى للفهم ليس إلا؛ ولم يتم الارتقاء به ليكون منهجا متكاملا لفهم القرآن. لكنّ الملاحظ أنّ السيد الخوئي لم يبين تفاصيل طريقته في هذا الاسترشاد، وهل بإمكانه أن يأتي على سائر الآيات بهذا المنحى، ثمّ إذا ظهر المعنى من ذلك فما هي جدوى الإفادة من الأثر المروي في تفسير تلك الآيات فهل عنى بوصفه الأثر(مرشدا) إلى المعنى أم معززا لفهمه الأول أم أراد أن يكون مرشده لطريقة تطبيق هذا التفسير على نحو يمكن أن يمدّنا الأثر بطريقة تفسير القرآن بالقرآن، وأن نقيم من الآثار المروية منهجا لفهم القرآن بالقرآن. وهو أمر كان السيّد الطباطبائي قد أبان عنه بقوله: (( وقد تبيّن أن المتعيّن في التفسير الاستمداد بالقرآن على فهمه وتفسير الآية بالآية وذلك بالتدرب بالآثار المنقولة عن النبي وأهل بيته (صلى الله عليه وعليهم) وتهيئة ذوق مكتسب منها ثم الورود ))(). فتفسير القرآن بالأثر عند الطباطبائيّ وسيلة يرتقى بها للوصول إلى فهم القرآن من القرآن نفسه؛ وهو ما لم نشهده الى الآن؛ وبقي الأمر دون الوصول إلى مرحلة إنشاء تفسير كامل يفسّر فيه القرآن بنفسه (). 


على العموم فإننا سنعمد إلى محاولة تحليل ما تمّ رصده من الأفكار الدلاليّة التي أوردها السيد الخوئي بوصفها منطلقات منهجية للتفسير وفهم القرآن، لاسيما أنّه كان قد رسم لنفسه طريقا يقتفي فيه قواعد لغة القرآن، ويرفض قواعد العربية التي تخالف القرآن؛ بل يرى القرآن مؤسسا للقواعد، حاكما لها لامحكوما بها. وليس للقاعدة المستحدثة أن تكون معيارا له بل هو معيارها؛ وفي هذا الصدد يرى الخوئيّ: (( إنّ القاعدة العربية المستحدثة إذا خالفت القرآن كان هذا نقضا على تلك القاعدة، لا نقدا على ما استعمله القرآن ))().


المبحث الأول: مستويات الدلالة القرآنية


من الأفكار التي يتداولها الدرس الدلالي المعاصر تعدُّد الدلالات بحسب مستويات النظر(اللغوي)، وقد امتلكت هذه الفكرة أبعادا جديدة في العصر الحديث ولاسيما بعد الثراء الذي برز في الدرس اللغوي المعاصر؛ وكان حضور السياق بنوعيه ( المقامي والمقالي) جزءا مهما من هذا الثراء، وطبقا لهذا جرى النظر إلى أنّ دلالة المفردة يجري تحديدها عبر السياق في ظل تضافر السمات الدلالية التي تحملها المفردة : [ الصوتية والبنائية والمعجمية والنحوية] ؛ إنّ(( التقسيم الذي يراعي مستويات اللغة، ومن ثَمَّ المقام الذي يعرف بالمعنى الدلالي هو أنجع التقسيمات؛ لأنه يتطابق مع أنظمة اللغة أولاً، وهو– أيضًا – يشتمل على الأنواع الأخرى))(). وفي هذا المجال يخلص بعض المحدثين إلى القول: (( فنحن نجد أنَّ العربَ قديمًا، وخاصة علماء الأصول قد لاحظوا أنَّ ثمَّة ارتباطًا بين بنية القول صوتًا وصيغة وتركيبًا ، وبين دلالة القول، كما لاحظوا أنَّ للسياق دوره الفاعل في طريقة إنشاء العبارة وتوجيه المعنى. ثمَّ أنهم لم يقفوا عند هذا الحد، فقد حاولوا أن يطوِّروا نظرية في النص خدمة لأداء المعنى ودراسته. وهذا يعني أنَّهم قد تجاوزوا المفهوم اللفظي للكلام، والمفهوم الجملي، ليستقرَّ عندهم أنَّ المتكلم، في تعبيره عن حاجاته، لا يتكلَّم بألفاظ، ولا بجملٍ، ولكن من خلال نص، فاتسعت بهذا أمامهم دائرة البحث الدلالي، وانتقلوا من البحث في مفردة أو جملة إلى البحث في خطاب يتم فيه تحميل المفردات والجمل بدلالات يقتضيها موضوع الخطاب))().


وهذه الميزة التي ظهرت للأصوليين كانت ثمرة من ثمار النظر في النصوص الشرعية ( القرآن والأحاديث النبوية ) وقد نجد بعضا من صداها عند السيّد الخوئي في تناوله بعض الألفاظ القرآنية. فيعمد إلى عرض دلالاتها في ضوء ما تعلقت به من ألفاظ أخرى، وهو ما ظهر عند تناوله للفظة الجلالة متمثلا بما عرف بالبنية التوزيعية التي توجب كونه لا يظهر إلّا في مواضع محددة وبصحبة ألفاظ معينة، كما أنه اعتمد على موارد السياق القرآني للفظة الرحمن وتعقبها بلفظة ( الرحيم ) مما سيأتي تناوله قريبا .


أنواع الدلالة عند السيد الخوئي:


فرق علماء الدلالة بين أنواع المعنى التي لابدّ من ملاحظتها قبل التحديد النهائي لمعاني الكلمات ويأتي في صدارة هذه المعاني المعنى الأساسي أو المركزي وهو التصوري أو المفهومي، ويعدّ هذا المعنى العامل الأول في الاتصال اللغوي، مع معان أخرى يتحملها اللفظ بفعل بعض العوامل الداخلة على عملية الاتصال، وتلك المعاني هي: المعنى الإضافي أو العرضي أو الثانوي أو التضمنيّ، وهو المعنى الزائد على المعنى الأساسي وهو متغير بتغير الثقافة أو الزمن أو الخبرة. والمعنى الأسلوبي، وهو المعنى الذي يصحب المعنى الأول طبقا للظروف الاجتماعية المرافقة وطبيعة العلاقة بين المتكلم والسامع ونوعية الأسلوب اللغوي المؤدى. والمعنى النفسي ( وهو ذو طابع فردي) و المعنى الإيحائيّ وهو ما قد يظهر مع ألفاظ لها القدرة على الإيحاء.( )


ونجد أن المعنى الأول هو الأساس الذي ظهر فيما تناوله السيد الخوئي الذي قدّم مسارات عدة لتحديد هذا المعنى ، فقد نصّ على أن لفظ الجلالة هو اسم علم للذات المقدسة، وليس اسم جنس كما توهم بعضهم، فردّ الخوئي بقوله: (( ومـن توهم أنه اسم جنس فقد أخطأ، ودليلنا على ذلك أمور:


الأول: التبادر، فإن لفظ الجلالة ينصرف بلا قرينة إلى الذات المقدسة، ولا يشك في ذلك أحد، وبأصالة عدم النقل يثبت أنه كذلك في اللغة، وقد حققت حجيتها في علم الأصول))(  ). فالتبادر يتعلق بأنّ هذا المعنى هو الذي يسبق إلى الإدراك، والتبادر هو الإسراع، جاء في معجم ألفاظ الفقه الجعفري قوله:(( المبادرة : الابتداء : الإسراع أو السبق إلى الشيء ))()  ما يعني أن السيد الخوئي أراد بها تلك الدلالة التي تسرع الى ذهن الإنسان حالما يسمع اللفظ.


الثاني: إنّ لفظ الجلالة- بما له من المعنى- لا يستعمل وصفا، فلا يقال: العالم الله، الخالق الله، على أن يراد بذلك توصيف العالم والخالق بصفة هي كونه الله وهذه آية كون لفظ الجلالة جامدا ، وإذا كان جامدا كان علما لا محالة، فإن الذاهب إلى أنه اسم جنس فسره بالمعنى الاشتقاقي))(  ). وهي الدلالة التي تظهر عند بعض اللغويين المعاصرين تحت ما يصطلح عليه بالبنية التوزيعية، التي ترتكز على طبيعة الوظائف النحوية التي تشغلها في الجملة، فلما لم تصلح هذه اللفظة أن تقع موقع الصفات، ما يعني كونها غير مشتقة، فهي تسلك مسلك الجامد فالأحرى أن تكون منها. وكان الزمخشري قد نصّ على مثل ذلك بقوله: ((فإن قلت: أاسم هو أم صفة؟ قلت : بل اسم غير صفة ، ألا تراك تصفه ولا تصف به ، لا تقول : شيء إله ، كما لا تقول: شيء رجل))(  ) وهذا ما جعلها تظهر في بنية توزيعية() لا تستعمل فيها الصفات، وذلك في المسار الثالث لكون لفظة الجلالة علم على الذات الإلهية وهو قوله : 


(( الثالث: أن لفظ الجلالة لو لم يكن علما لما كانت كلمة " لا إله إلا الله " كلمة توحيد، فإنها لا تدل على التوحيد بنفسها حينئذ، كما لا يدل عليه قول: لا إله إلا الرازق، أو الخالق، أو غيرهما من الألفاظ التي تطلق على الله سبحانه، ولذلك لا يقبل إسلام من قال إحدى هذه الكلمات))(  ).


فلولا كونها علم لما صحّ إطلاق كلمة التوحيد على ( لا إله إلاّ الله ) إذ لا يمكن أن يقوم أيٌّ من أسماء الله تعالى مقام هذه اللفظة لتلبُّس تلك الأسماء بلمح الصفة ، وكونها منقولة إلى الاسمية لا مرتجلة فيها كما هو الحال مع لفظة ( الله).


 الرابع: أن حكمة الوضع تقتضي وضع لفظ للذات المقدسة، كما تقتضي الوضع بإزاء سائر المفاهيم، وليس في لغة العرب لفظ موضوع لها غير لفظ الجلالة، فيتعين أن يكون هو اللفظ الموضوع لها.


فالدلالة الوضعية:(( عند أهل العربية والأصول : كون اللفظ بحيث إذا  أطلق فهم المعنى منه، للعلم بالوضع، وعند المنطقيين كونه بحيث كلما أطلق فهم المعنى للعلم بالوضع))() ، وألمح الكفوي إلى عمل الواضع في الربط بين اللفظ ومعناه بقوله: ((جعل اللفظ دليلا على المعنى، وهو من صفات الواضع))(  ). وقد عبر بعض المحدثين عن هذه الدلالة بقوله: ((هي الدلالة الاتفاقية المتعارف عليها بمعنى " جعل شيء بإزاء شيء آخر بحيث إذا فهم الأول فهم الثاني))(). 


  فلما كان الاتفاق قائما على كون أسماء الله تعالى في حقيقة أمرها صفات له تعالى ( فهي مشتقة، وليست بأعلام على ذاته أصالة ويمكن أن يقال عنها أنها أعلام عليه بما تدل عليه من صفاته لا من ذاته) لزم أن يكون الواضع قد خصّه تعالى بما يدل على ذاته تعالى، ولما لم يكن غير هذه اللفظة تعين كونها اسما له تعالى (( وبما أن الذات المقدسة مستجمعة لجميع صفات الكمال، ولم يلحظ فيها- في مرحلة الوضع- جهة من كمالاتها دون جهة صح أن يقال: لفظ الجلالة موضوع للذات المستجمعة لجميع صفات الكمال ))().


المبـحث الثـاني: الدال والمـدلول


من المسائل الدلالية التي أثارت العلماء هي بيان وجه العلاقة بين اللفظ الدال ومعناه المدلول؛ وهي مسألة تمّ عرضها في ضوء فكرة التوقيف في أصل نشأة اللغة أو اصطلاحيتها وقد تنازعت هاتان الفكرتان علماء العربية وعلماء الأصول والمفسرين والمناطقة ، قدماء ومحدثين. ويظهر أن السيّد الخوئي في درسه الأصولي يتبنّى النظرية التوقيفية للغة() ولكنه لا يرى أنّ سماع اللفظ علة لانتقال الذهن الى معناه معوِّلا على أنّ علة مناسب اللفظ لمعناه مناسبة ذاتية، لا يعلمها إلا واضعها تعالى(). فهي مجهولة لدى متكلمي اللغة، ومن جانب آخر ربط ذلك بفكرة الإلهام التي لا تبتعد كثيرا عن التوقيف أو الوحي إلا أنها ناظرة الى المحصلة النهائية لدى متكلمي اللغات واختلاف لغاتهم، بقوله: " يلهم عباده –على اختلافهم – كل طائفة بلفظ مخصوص عند إرادة معنى خاصّ" ؛ من غير الإيغال بوجود المناسبة ذاتية بين اللفظ ومدلوله يعلمها الله تعالى ( واضع اللغة ) ويجهلها متكلموها مما لا سبيل للبرهان عليه ، بل علق على هذا بعض المعاصرين بقوله إنّه تخرّص على الغيب . ومنه يفهم قوله في الإلهام ( )


الدال مشير إلى مدلوله:


يقيم السيّد الخوئي نظرته للعلاقة بين اللفظ ومعناه على قدرة اللفظ ( وهو الدال ) على إحالته أو إشارته إلى معناه ( مدلوله ) ولو على نحو قول الكلية، وقد ردّ مدّعى من يرى أن الوضع يقتضي الإحاطة بالمسمى؛ وأن الدال محيط بتفاصيل مدلوله ليبني عليه عدم صحة إطلاق لفظة الله عليه تعالى؛ فقد جاء في سياق تفسيره لآية البسملة ودلالة لفظة الجلالة على ذاته تعالى المستجمعة لصفاته؛ من غير شرط إحاطة هذا اللفظ بصفات مدلوله قوله: (( وضع اللفظ بإزاء المعنى يتوقف على تصوره في الجملة، ولو بالإشارة إليه، وهذا أمر ممكن في الواجب وغيره، والمستحيل هو تصور الواجب بكنهه وحقيقته، وهذا لا يعتبر في الوضع ولا في الاستعمال، ولو اعتبر ذلك لامتنع الوضع والاستعمال في الموجودات الممكنة التي لا تمكن الإحاطة بكنهها: كالروح والملك والجن، ومما لا يرتاب فيه أحد أنه يصح استعمال اسم الإشارة أو الضمير ويقصد به الذات المقدسة، فكذلك يمكن قصدها من اللفظ الموضوع لها))() . 


إنّ فكرة الإشارة التي يراها السيد الخوئي تمثّل الحدّ الأدنى من وظيفة اللفظ الاقترانية مع معناه، وهي تنسجم مع فكرة الوضع البشري للغة أكثر من انسجامها مع القول بان الله تعالى هو واضع اللغة، ولا تبتعد هذه الفكرة عن القول بالعلاقة الذهنية التصورية التي تبناها كثير من علماء العرب: مناطقة وأصوليين وعلماء العربية، ومال إليها الدرس اللغوي المعاصر باستعماله الاستدعاء للدلالة على المعنى ، والاستدعاء هو العلاقة المتبادلة بين اللفظ ومدلوله، تلك العلاقة الذهنية التي تمكن أحدهما من استدعاء الآخر ().


وكان السيّد الخوئيّ قد ناقش بعض ما في هذه المسألة من جدل، بقوله : (( إن قلت: إنَّ وضع لفظ لمعنى يتوقف على تصور كل منهما، وذات الله سبحانه يستحيل تصورها، لاستحالة إحاطة الممكن بالواجب، فيمتنع وضع لفظ لها، ولو قلنا بأن الواضع هو الله - وأنه لا يستحيل عليه أن يضع اسما لذاته لأنّه محيط بها - لما كانت لهذا الوضع فائدة لاستحالة أن يستعمله المخلوق في معناه فإن الاستعمال أيضا يتوقف على تصور المعنى كالوضع ))().


فالعقبة واضحة في عدم قدرة الإنسان على ربط الألفاظ بحقيقة ما تدلّ عليه والإحاطة به، وليس الأمر متعلق بقدرة الله على ذلك في الوضع الأول للغة ، بل الأمر بمحدودية الإنسان وعجزه عن تصوّر حقيقة الله تعالى.  


فمع ميله إلى استعمال لفظة الوضع يقرر السيّد الخوئيّ أن هذا الوضع قائم على قدرة اللفظ (الدال) للإحالة على مدلوله ولو على نحو الإجمال من دون الالتفات إلى تفاصيل ذلك المدلول، المتمثّلة بالإشارة إلى مدلوله. ولو لم يكن الأمر على هذا المنحى لتعسّر وضع المسميات لكثير من الموجودات، بله الخالق تعالى. وعلى هذا يقول: ((... ومما لا يرتاب فيه أحد أنه يصح استعمال اسم الإشارة أو الضمير ويقصد به الذات المقدسة، فكذلك يمكن قصدها من اللفظ الموضوع لها، وبما أن الذات المقدسة مستجمعة لجميع صفات الكمال، ولم يلحظ فيها - في مرحلة الوضع - جهة من كمالاتها دون جهة صح أن يقال: لفظ الجلالة موضوع للذات المستجمعة لجميع صفات الكمال))() .


ويلحظ السيد الخوئيّ بعض ما قد يرد من اعتراض على القول بعلمية لفظ الجلالة عليه تعالى بأنه: (( لو كانت علما شخصيا لم يستقم معنى قوله عز اسمه: ﴿ وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ (الأنعام:3). وذلك لأنّها لو كانت علما لكانت الآية قد أثبتت له المكان وهو محال، فلا مناص من أن يكون معناه المعبود، فيكون معنى الآية: وهو المعبود في السماوات والأرضين.))() فأجاب بقوله: (( قلت: المراد بالآية المباركة أنه تعالى لا يخلو منه مكان، وأنّه محيط بما في السماوات وما في الأرض، ولا تخفى عليه منها خافية، ويشهد لهذا قوله تعالى في آخر الآية الكريمة:﴿يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ (الأنعام:3))().


بمعنى أنّه يلتزم عَلَميّة هذا اللفظ، ويرى أنّ الآية بصدد بيان إحاطته تعالى بكل شيء اعتمادا على ما ورد في ذيل الآية المذكورة. وستتضّح أكثر العلاقة بين طرفي الدلالة فيما يأتي.    


الرحمن الرحيم


تناول المفسرون هاتين اللفظتين بإسهاب وقدموا الآراء التي تجعل لكل من اللفظتين ما يميزها عن قرينتها. لاسيما أنهما واردتان في آية البسملة التي تُفتتح بها السور القرآنية، وهي مفتتح التفسير، ومنها تظهر توجهات المفسر والطريقة التي يعتمدها في فهمه لكلام الله تعالى في القرآن. فكان أول ملامح الدلالة القرآنية تتجلى في الصيغة الصرفية للفظتين وهما فعلان وفعيل، (( وقال غير واحد من المفسرين وبعض اللغويين: إن صيغة الرحمن مبالغة في الرحمة، وهو كذلك في خصوص هذه الكلمة، سواء أكانت هيئة فعلان مستعملة في المبالغة أم لم تكن، فان كلمة "الرحمن" في جميع موارد استعمالها محذوفة المتعلق، فيستفاد منها العموم وأن رحمته وسعت كل شيء. وممّا يدلّنا على ذلك أنه لا يقال: إن الله بالناس أو بالمؤمنين لرحمن، كما يقال: إنّ الله بالناس أو بالمؤمنين لرحيم. وكلمة " الرحمن " بمنزلة اللقب من الله سبحانه، فلا تطلق على غيره تعالى))() . هذا من جانب ومن جانب آخر: فإنّ دلالة فعلان تدل على الصفات المتجددة من نحو ما جاء في: عطشان وجوعان وغضبان وغيرها إذ العطش والجوع والغضب ليس من الصفات الملازمة بل هي تزول وتتحول؛ يقول د.فاضل السامرائي: (( ودلالة هذا البناء على الحدوث بارزة في لغتنا الدارجة تقول (هو ضعفان ) إذا أردت الحدوث، فإن أردت الثبوت( هو ضعيف) ...))().


أما لفظة الرحيم فدلالتها على ثبوت الصفة للموصوف، وعّبر السيد الخوئي عن ذلك بقوله:(( صفة مشبهة، أو صيغة مبالغة. ومن خصائص هذه الصيغة أنها تستعمل غالبا في الغرائز واللوازم غير المنفكة عن الذات: كالعليم والقدير والشريف، والوضيع والسخي والبخيل والعلي والدنيّ ))().


وقد عرض السيد الخوئيّ لهاتين اللفظتين في مطلع تفسيره لسورة الحـمد، فقـال: ((وصف الله تعالى نفسه بالرحمة في ابتداء كلامه دون سائر صفاته الكمالية، لان القرآن إنما نزل رحمة من الله لعباده. ومن المناسب أن يبتدأ بهذه الصفة التي اقتضت إرسال الرسول وإنزال الكتاب))()؛ وكان في مجيء الرحيم بعد الرحمن لمحة دقيقة تستوقف المتدبّر لوجوه نسج القرآن ونظم ألفاظه؛ قال السيد الخوئي:(( وبذلك تظهر نكتة تأخير كلمة "الرحيم" عن كلمة " الرحمن " فإن هيئة " الرحمن " تدل على عموم الرحمة وسعتها ولا دلالة لها على أنها لازمة للذات، فأتت كلمة "الرحيم" بعدها للدلالة على هذا المعنى. وقد اقتضت بلاغة القرآن أن تشير إلى كلا الهدفين في هذه الآية المباركة، فالله رحمن قد وسعت رحمته كل شئ وهو رحيم لا تنفك عنه الرحمة. وقد خفي الأمر على جملة من المفسرين، فتخيلوا أن كلمة "الرحمن" أوسع معنى من كلمة "الرحيم" بتوهم أن زيادة المباني تدل على زيادة المعاني. وهذا التعليل ينبغي أن يعد من المضحكات، فإن دلالة الألفاظ تتبع كيفية وضعها، ولا صلة لها بكثرة الحروف وقلتها. ورب لفظ قليل الحروف كثير المعنى، وبخلافه لفظ آخر، فكلمة حذر تدل على المبالغة دون كلمة حاذر، وإن كثيرا ما يكون الفعل المجرد والمزيد فيه بمعنى واحد، كضر وأضر. هذا إذا فرضنا أن يكون استعمال كلمة "الرحمن" استعمالا اشتقاقيا وأما بناء على كونها من أسماء الله تعالى وبمنزلة اللقب له نقلا عن معناها اللغوي- وقد تقدم إثبات ذلك - فإن في تعقيبها بكلمة "الرحيم" زيادة على ما ذكر إشارة إلى سبب النقل، وهو اتصافه تعالى بالرحمة الواسعة.))() .


وتبدو نظرة السيد الخوئي الدلالية قد قررت بعض خطوطها المهمة في تحديد الربط بين الدال والمدلول، فالارتكاز في هذا الربط يعود إلى الوضع وهو اتفاق الجماعة اللغوية على ربط اللفظ الدال بمدلوله، وهي مسالة منفصلة عن كثرة حروف الكلمة أو قلتها وإن كان ذلك ضمن مجموعة اشتقاقية واحدة، وتبدو فكرة اللغويين في إرجاع سعة الدلالة من ضيقها إلى زيادة تحصل في مبنى الدال تتبعها زيادة في المعنى؛ تبدو هذه الفكرة موضع سخرية شديدة من السيّد الخوئي لتعلق الأمر في حقيقته باتفاق الجماعة اللغوية؛ ولا علاقة لكثرة حروف البناء بدلالته على مدلوله ، لأن حقيقة الأمر متوقفة على مرحلة سابقة هي الوضع التي يرجعها السيّد الخوئي إلى الله تعالى الواضع الأول كما تقدّم.


ولكننا لو تصورنا أن الوضع متعدد المراحل كأن يكون الله تعالى هو الواضع الأول ثم يطرأ وضع استعمالي لمتكلمي اللغة، يمكن أن نلحظ فيه صدق ما ذهب إليه الكثير من اللغويين. 


ملك ومالك:


يبدوأناعتبارالمتكلمفيالكلامالإلهيوهواللهتعالىحاضرفيفهمالسيدالخوئيللدلالةالقرآنية،وهوسياقمقامييؤديإلىإلغاءبعضالفوارقالدلاليةبينالألفاظ،وقدظهرذلكجلياًفيتناولهللقراءتينالواردتينفيقولهتعالى : ﴿مالكيومالدين﴾فقدوردفيها : مالكوملك()، وصححهما السيد الخوئي وممّا تناوله فيهما أن عرض لنظرة النحويين المتعلّق بدلالتيهما فاسم الفاعل يدل على الثبوت إذا كان في ما مرّ من الزمان أو أريد به الدوام، ويدل على التحول إذا كان الزمن للحال أو للاستقبال، وعليه فالإضافة في المضي تكون معنوية ومن ثم فهي تفيد التعريف أو التخصيص أما الثاني فالإضافة لفظية لا تفيد تعريفا أو تخصيصا. يقول السيد الخوئي: (( والمقام من قبيل الثاني، فإن مالكيته تعالى ليوم الدين صفة ثابتة له لا تختص بزمان دون زمان، فيصح كون الجملة صفة للمعرفة. والتحقيق أن الإضافة مطلقا لا تفيد تعريفا، وإنما تفيد التخصيص؛ والتضييق والتعريف إنما يستفاد من عهد خارجي. ودليل ذلك: أنّه لا فرق بالضرورة بين قولنا غلام لزيد وقولنا غلام زيد فكما أن القول الأول لا يفيد إلا التخصيص كذلك القول الثاني، والتخصيص يتحقق في موارد الإضافة اللفظية كما يتحقق في موارد الإضافة المعنوية ))().


فالسيد الخوئي ينظر إلى المسألة من وجهة تحققها مع الله تعالى المالك المطلق التي لا تختصّ مالكيته بزمان دون آخر ومن ثمّ فانّه لا يتجه إلى الوصف وما تعاهد عليه العرب من كلامهم بل يتوجه إلى من تعلّق به هذا الوصف، واتّسم به فمالكية الله تعالى ليوم الدين لا تحدّ بزمان ويظهر من ذلك أن السيد الخوئي قد أهمل أن حدوث هذه المالكية ووقوعها لا يتحقق إلا بتحقق ذلك اليوم، وهو لم يحدث بعد كما هو واضح .


 (( والترجيح في المقام باطل على الخصوص، فإن اختلاف معنى مالك ومعنى ملك إنما يكون إذا كان الملك - السلطنة والجدة - أمرا اعتباريا فإنه يختلف حينئذ باختلاف موارده، وهذا الاختلاف يكون في غير الله تعالى، وأما ملك الله سبحانه فإنه حقيقي ناشئ عن إحاطته القيومية بجميع الموجودات، فهذه الإحاطة بذاتها منشأ صدق مالك وملك عليه تعالى، ومن ذلك يتضح أن نسبة مالك إلى الزمان إذا لم تصح في غير الله فلا يلزمها عدم صحتها فيه سبحانه فهو مالك للزمان كما هو مالك لغيره))().


وبذا فان قيمة الدال لا تحدد بما تملك من القدرة على الإحالة إلى مدلولها ، بل تتجاوز ذلك إلى متعلقها وقدرته المطلقة التي تغيب فيها خصوصية البناء لتتشارك في عموم الوصف المتحقق مع الله حصرا لمالكيته المطلقة غير المحدودة بزمان أو مكان.


المبحث الثالث: الدلالة والسياق القرآني


لقد شغل المعاصرون أنفسهم بالسياق على نحو أضحى محور الدراسات الدلالية بكل مستوياتها، وهم في الأغلب يسندون للسياق الأثر الحاسم في إعطاء اللفظة معناه الدقيق.


والسياق سياق المقال(وهو السياق اللفظيّ أو اللغوي):الذي يشمل الكلمات والجمل السابقة واللاحقة للكلمة، والنص الذي ترد فيه؛ وسياق المقام (أو الموقف): وهو المتمثّل بـ((عناصر غير لغوية ذات دخل كبير في تحديد المعنى ، بل هي جزء أو أجزاء من معنى الكلام : وذلك كشخصية المتكلم وشخصية المخاطب ، وما بينهما من علاقات وما يحيط بالكلام من ملابسات وظروف ذات صلة به كالجو مثلا والحالة السياسية..الخ ))() ، فهو البيئة التي تنتج فيها اللغة. والسياق اللغوي هو الأكثر أهمية في توجهات الدرس اللغويّ لإمكان تحديد معالمه أو قرائنه بدقة، بوصفها جزءا من الكلام، في حين أنّ المقامي سياق مفترض في أغلب الأحيان وهو سياق يعتمد على ما يصاحب عملية التخاطب، من تفاصيل خارجية، مع إمكانية التضليل في تلك التفاصيل ما يؤديّ إلى انحراف الفهم نحو جهة أخرى غير مرادة. ولقد أضحى السياق اللغوي هو المحدِّد للدلالة الدقيقة للألفاظ فكانت اللفظة وليدة متطلبات السياق، وتتأتى القيمة الدلالية لكل لفظة من الألفاظ بخضوعها لمختلف السياقات؛ يقول( فندريس) في أن الذي يعين قيمة الكلمة في الحالات كلها:(( إنما هو السياق، إذ إنّ الكلمة توجد في كل مرة تستعمل فيها في جو يحدد معناها تحديدا مؤقتا ، فالسياق هو الذي يفرض قيمة واحدة بعينها على الكلمة بالرغم من المعاني المتنوعة التي في وسعها أنّ تدل عليها))(). 


 وتتساوق هذه النظرة مع وجهات تمتلك حضورا تراثيا مهما لاسيما في الدراسات التي اهتمت بالوقوف على أسرار إعجاز القرآن، فـالألفاظ على ما يقول الجرجاني(( لا تتفاضَل من حيثُ هي ألفاظ مجرّدة، ولا من حيث هي  كلمٌ مفردة، وإنّ الفضيلة وخلافها في ملائمة معنى اللفظة  لمعنى التي تليها وما أشبه ذلك ممّا لا تعلّق له بصريح اللفظ، وممّا يشهد لذلك أنّك ترى الكلمة تروقك وتؤنسك في مَوضع ، ثمّ تراها بعينها تثقُـل عليك وتوحِشُك في مَوضع آخر))(). وقد شمل هذا القول الدراسات القرآنية الدلالية.


ولنا ههنا وقفة لابد من عرضها تكمن في القول بأسبقية اللفظة في توليد سياقها الذي يناسبها لا العكس، بمعنى أنّ السياق وليد للألفاظ لا العكس، ذلك أن الكلام بوصفه وسيلة لنقل الأفكار والتواصل مع الآخرين تبنى في الجملة على بؤر لفظية تمثل الفائدة التي من أجلها عُقِد الخطاب. وعلى هذا فان تلك اللفظة التي تمثل الفائدة عبر تعلقها بلفظة أو أكثر تعمل على أن تمارس سلطتها على تلك الألفاظ؛ فتسمها بما يتوافق مع ملامحها الدلالية.


على العموم فإننا سنحاول رصد أطراف البحث الدلالي التي تنماز في أثناء التفسير لفهم كلام الله تعالى وتحديد مراد آياته ومقاصدها.


التفسير والسياق:


لمّا كان البحث عن الدلالة هو الهم الذي شُغِل به المفسرون، لذا نجد أن الإطالة في التفسير وبيان المقاصد الإلهية المحتملة للآية والسورة وللفظة أو التركيب كان موضع إثراء للبحث الدلالي في كتب التفسير بل لقد (( قدّم علم التفسير ...أمثلةً رائعة للغويّات النَّص التّطبيقية في تحليل النّصوص ، وربطِها بوقائع حياة المتعاملين بها ))(). فالبحث في الدلالة عماد التفسير، ووظيفة المفسّر الكشف عن الدلالة؛ وقد بيّن السيد الخوئي تلك الوظيفة فجعل همّه الأول هي البحث عن المعنى القرآني بوسائل منهجية تتمثل بالخضوع لتوجهات النص القرآني وهي ناحية مهمة لمسايرة النص في محاوره التي رصدها، وفي ذلك يقول السيد الخوئيّ في مقدمة كتابه:


((على المفسر: أن يجري مع الآية حيث تجري، ويكشف معناها حيث تشير، ويوضح دلالتها حيث تدل))()، وهي ناحية منهجية مهمة لفهم النص، وحياد المفسر لكلام الله تعالى؛ ويسهل الانقياد للنص فعلى المفسّر أن لا يقحم النص في محاور ليس النص بصددها، الأمر الذي يجعله قريبا من مراد النص. وهو جانب أول لمفسر النص، وعليه أن يرتقي إلى جانب آخر يتساوق مع معارف القرآن المتعددة ؛ لذا فإن السيد الخوئي يواصل كلامه السابق بقوله :


 (( عليه أن يكون حكيما حين تشتمل الآية على الحكمة، وخلقيا حين ترشد الآية إلى الأخلاق، وفقيها حين تتعرض للفقه، واجتماعيا حين تبحث في الاجتماع، وشيئا آخر حين تنظر في أشياء أخر.على المفسر: أن يوضح الفن الذي يظهر في الآية، والأدب الذي يتجلى بلفظها، عليه أن يحرر دائرة لمعارف القرآن إذا أراد أن يكون مفسرا. والحق أني لم أجد من تكفل بجميع ذلك من المفسرين ))().


فالسيد الخوئي يرى أنّ الخضوع لتوجهات النص وتعدد محاور فهمه على حسب مقتضيات الآيات القرآنية يجب أن يكون هم المفسّر ، بل إنّ التفسير يمثل دائرة معارف قرآنية بما يرصد من تخصصات متنوعة توجهت لها الآيات، وعلى هذا الحال فالتفسير لا يقتصر على بيان المعاني القرآنية، بل ينبغي أن يتكفل برصد جوانب العلوم الأخرى التي عقدت من خلالها سنن القرآن وأنظمته الأخلاقية والنفسية والتربوية والسياسية والعسكرية والغذائية والإدارية وغيرها من جوانب الحياة التي عالجتها الآيات القرآنية؛ ويوضح جمع كل هذه المحاور في ظل التفسير الذي لا ينبغي أن تغيب خصوصيته منتج نصه وحضوره الدائم في فيه ، وهدايته العامّة ﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ﴾(الإسراء9).  ثمّ ختم السيد الخوئي كلامه بقوله:     


(( وقد التزمت في كتابي هذا أن أجمع فيه ما يسعني فهمه من علوم القرآن التي تعود إلى المعنى...))()  


فهو يبين حدود ما ما يهتم به في التفسير مما يتعلق بالمعاني التي يعطيها النصّ، وذلك أقسط للمفسّر أن يقتصر على معاني النص، ولا يغادرها إلى ما يتجاوز حقيقة التفسير .


(( أنَّ دلالة النص تتكشَّف من خلال تحليل بنائه أولاً، ومن خلال العودة إلى سياق إنتاجه ثانيًا، وأنَّ إهدار أحد الجانبين يعوق المفسر عن اكتشاف الدلالة والمعنى))(). 


ــــــــــــــــــــــــــ


الهوامش: