الدكتور محمود شاكر عبود الخفاجي
القواعد المنهجية في الدراسات القرآنية
عند السيد الخوئي
الدكتور محمود شاكر عبود الخفاجي
الكلية الإسلامية الجامعة في النجف الأشرف
المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أعجزني عن إحصاء ثنائه فيض فضله، وشغلني عن ذكر محامده ترادفُ عوائده، والصلاة والسلام على الدليل الذي أوضح لنا الطريق الحق لهديه، وآله سبل الوصول إليه.
وبعد..
فقد اتهم العقل العربي ولاسيما الفكر الإسلامي بتخبطه بسبل المنهج العلمي، وعدم اعتماده طرائق البحث، من دون التحقق من حجج تلك التهم في تراثهم والجهود التي بذلوها في مختلف المعارف والعلوم التي أورثوها.
وهذا البحث يستجلي بعض الحقائق لدحض تلك الشبهات، اقتصر على جزء يسير من جهود واحد من أعلام الفكر الإسلامي. وقد أوضحت فيه القواعد المنهجية كما وضعها المطلقون لتلك التهم.
أسأل الله أن أوفق إلى ذلك ومنه أستمد العون
د.محمود شاكر عبود الخفاجي
تمهيد:
لم يعد المنهج وصفا لأعمال العلماء المتقدمين وطرائق بحثهم أو أساليبهم ومصطلحاتهم، كما يراها البعض(١)، لأنه بذلك سيكون عرضا وصفيا لتلك الأعمال، وعرضا سطحيا لتلك الطرائق.
وإذا كان المنهج هو «المنظم الذي يكتمل في إطاره البحث، فكرة ونتائجَ مدونة ومزينة، مؤيدة بالبراهين والأسانيد والحجج، وقد وضحت فيه الحقيقة المقصودة»(٢).
فإن المنهج -على وفق هذا- لا يكون فرطا من القول، ولا هو حشوا من الكلام، وإنما يخضع لأركان يتبعها الباحث، إن كان يرنو الوصول إلى الحقيقة بأنصع وجه لها.
وقد حصرها بعضهم في أربعة أركان متسلسلة وهي:(٣)
١- الأسس.
٢- الأهداف.
٣- المحتوى.
٤- النتائج.
ولا بد لهذه الأركان من نسيج رابط بينها، إذ لا يمكن أن تكون كل واحدة من هذه الأركان بمعزل عن الأخرى، ولا يكتمل البناء الفكري إلا بها.
فلا يمكن بلوغ الأهداف ما لم تستند إلى أسس رصينة واضحة، ولا يمكن تحقيق النتائج ما لم تسلم تلك الأهداف من النوازع والأهواء، ولا بد لكل ذلك من محتوى متسلسل بالأفكار ومستند إلى حجج وبراهين ودلائل، كي تسلم النتائج من التحوير.
وبهذا يتقارب المنهج من المنطق، ويشكلان وحدة متكاملة، فالمنطق يرسم الطريق المؤدي إلى الحقيقة، والمنهج هو الطريق الواضح والمسلوك إليها.
وقد أستند شراح المنطق الحديث، إلى مقال كتبه ديكارت (١٥٩٦-١٦٥٠م) في المنهج فاعتبره مجموعة من «قواعد وثيقة سهلة تمنع مراعاتها الدقيقة من أن يؤخذ الباطل على أنه حق، وتبلغ النفس إلى المعرفة الصحيحة بكل الأشياء التي يستطيع إدراكها، من دون أن تضيع في جهود غير نافعة وتزيد في ما للنفس من علم بالتدريج»(٤).
وعلى وفق هذا القول المقارب لتعريف المنطق، فقد أضافوا المنهج إلى أقسام المنطق الثلاثة وعدّوه قسما رابعا(٥).
ومن نافلة القول بأن الموضوعية والتجرد تشكل الحجر الأساس لأسس البناء الفكري، إن كان الهدف هو البحث عن الحقيقة بعيدة عن الانتماءات والأهواء التي تحورها. ولذلك فقد تطلب المنهج قواعدَ ثابتة، ممكنة التطبيق، سهلة المنال، بسيطة الفهم، عقلية المنبع.
وقد حددها ديكارت نفسه بأربع قواعد في كل أقسام البحوث النظرية، وهي(٦):
١- قاعدة اليقين.
٢- قاعدة التحليل.
٣- قاعدة الاستقراء التام والإحصاء والتحقيق(٧).
٤- قاعدة التأليف والتركيب.
ومن هنا جاء هذا البحث مستقصيا هذه القواعد عند السيد الخوئي (قدس سره) في دراساته القرآنية والتحقق من توافرها عنده(٨).
وهذه القاعدة تعبّر عن يقين الباحث في ما يقدمه بحثه من إضافات للفكر أو براهين جديدة، تنقض بعض آراء من مضى، وتبرم أخرى انطلاقا من أدلة نقلية صادقة، أو عقلية معتبرة، لتبعث في الفكر حركة جديدة تمنعه من الجمود والتحجر.
ولا يشترط أن تكون تلك الإضافات أو البراهين صحيحة عند الجميع، مادامت منطلقة من جهد بشري لا يدعي العصمة لنفسه، وذلك ديدن الفكر الإنساني وسجيته.
ومادام السيد الخوئي (قدس سره)فقيها أصوليا بالدرجة الأولى، فلا بد لدلائله وحججه أن تنطلق من ذلك العلم وتستند إلى أصوله وقواعده، وذلك واضح وجلي في كل مناقشاته ولا يقبل اللبس.
ثم أن يقينه في دراساته القرآنية ومباحثه فيها متأتٍ من حاجة العصر الذي يعيش فيه إلى تلك الدراسات على وفق رؤيته لتلك الحاجات. ويقينه في ذلك واضح في قوله بأن: «القرآن مرجع اللغوي، ودليل النحوي، وحجة الفقيه، ومثل الأديب، وضالة الحكيم، ومرشد الواعظ، وهدف الخلقي، وعنه تؤخذ علوم الاجتماع، والسياسة المدنية، وعليه تؤسس علوم الدين، ومن إرشاداته تكتشف أسرار الكون، ونواميس التكوين»(٩).
وكل ذلك متدرج تحت مهام وظيفته الأساسية بوصفه مرجعا وفقيها يتحمل مسؤولية من اتبع فتواه.
فاللغة والنحو، والفقه والأدب، والحكمة، من علومه المساعدة لفتاويه، والواعظ والأخلاق جزء من مهامه الملقاة على عاتقه.
أما حاجة العصر إلى مباحثه التي تناولها فقد صرّح بها بأن «الشيء الذي يؤخذ على المفسرين، أن يقتصروا على بعض النواحي الممكنة، ويتركوا نواحي عظمة القرآن الأخرى، فيفسره بعضهم من ناحية الأدب أو الإعراب، ويفسره الآخر من ناحية الفلسفة، وثالث من ناحية العلوم الحديثة، أو نحو ذلك، كأن القرآن لم ينزل إلا لهذه الناحية التي يختارها ذلك المفسر، وتلك الوجهة التي يتوجه إليها»(١٠).
ولو أن ذلك لا يعدّ تقصيرا يؤخذ على المفسرين، لأن التفسير محدد بحسب الطائفة البشرية، ولا بد أن تشكل ذائقة المفسر وثقافته المحددة جزء من طاقته البشرية، فلا نحمله أكثر من ذلك، فيما إذا قارناه بما يحتويه القرآن الكريم من علوم ومعارف بعضها لا يختص بعصر ذلك المفسر، مادام القرآن معجزة لما تلته وما سبقته من عصور.
وتلك الثقافة والذائقة هي التي توجه المفسر الوجهة التي تطغى على المفسر أكثر من غيرها(١١)، ولذلك فإن للتفسير مناهج متعددة بتعدد العلوم، ولا يمكن لبشر أن يلمّ بكل جوانب العلوم والمعارف التي يحتويها القرآن الكريم.
وهذا التعدد في مناهج التفسير، وقصور الطاقة في الوصول إلى تفسير جامع مانع، ينطلق من عظمة القرآن وإعجازه، وخلوده، لأن يكون في كلّ عصر ومصر تفسير يتماشى مع إشكالات الزمان والمكان.
وفي الوقت نفسه فقد أعطى للفكر الإسلامي دعما وسعة أفق، أغنت ذلك الفكر بالعلوم والمعارف، حتى وإن كانت بعض تلك الآراء قد تلونت بثقافة المفسر، وحدد المستوى الفكري للمفسر نوعية التفسير، أو جرَّ العبارة القرآنية إلى المعنى الذي يدور في خلد المفسر، كما يرى بعضهم(١٢).
وقد أشار السيد الخوئي (قدس سره) إلى ذلك بقوله: «وقد التزمت في كتابي هذا أن أجمع فيه ما يسعني فهمه من علوم القرآن التي تعود إلى المعنى»(١٣).
فلقد تحدد بحثه في ما يسعه فهمه، ومن البديهي أن يكون ما يسعه فهمه يختلف عما يسع فهمه الآخرون، واستدرك على حديثه ذاك بقوله: «كيف يستطيع الممكن أن يدرك مدى كلام الواجب»(١٤).
ولم تقتصر قاعدة اليقين المنهجية عنده على النظرية التي أودعها كتابه، وإنما حوّل تلك النظرية إلى التطبيق، وقد قام بتدريس تفسير القرآن الكريم لطلبته الذين فاق عددهم المئات، وقد صرّح بذلك بقوله: «وفي غضون السنين السابقة شرعت في تدريس تفسير (القرآن الكريم)برهة من الزمن إلى أن حالت ظروف قاسية دون ما كنت أرغب فيه من اتمامه، وكم كنت أود انتشار هذا الدرس وتطويره، وإني أحمد الله تعالى على ما أنعم به عليّ من مواصلة التدريس طيلة هذه السنين الطوال، وما توقفت إلا في الضرورات كالمرض والسفر»(١٥).
ولما كانت الموضوعية تؤلف الركيزة الأساسية لقاعدة اليقين المنهجية فقد تمتع السيد الخوئي (قدس سره) بدرجة عالية من الموضوعية والتجرد، إذ هو لم يعتمد المصادر الشيعية التي تمثل آراء مذهبه فقط، ولم يقتصر على آراء علماء الإمامية وتفاسيرهم، بل اعتمدها واعتمد كتب ومصادر وآراء علماء الفرق الإسلامية الأخرى. فيعضد رأيه بها أحيانا، ويناقشها، وآراء بعض علماء الإمامية وينقضها أحيانا أخرى، متبعا في كل ذلك الدليل النقلي والعقلي باحثا عن الحقيقة.
وحتى تلك الأمور التي يرى القارئ أنها انتصارا لمذهبه، فنراه يستشف مصادرها وأدلته عليها من مؤلفات ومصادر المذاهب الأخرى(١٦).
وانطلاقا من ثقافة السيد الخوئي (قدس سره) الموسوعية واحاطته الواسعة بالآداب الفنية لعملية التفسير والاستنباط، وما تحتاجه تلك العملية لعلوم مساعدة من اللغة والحديث والرجال والسيّر والآداب، والفلسفة والفقه والأصول وما يندرج تحتها من علوم، فقد كانت هذه القاعدة المنهجية من أكثر القواعد توافرا في بحوثه القرآنية، حيث لا يكاد يخلو أي مبحث من المباحث التي تناولها من رأي له معضد أو ناقض لغيره، أو اجتهاد منه[مثلا] إنه لا يرى أن للقرآن وجها إعجازيا واحدا قد اقتصر عليه، بل يرى تعدد تلك الوجوه انطلاقا من كونه يرى بأن «خير المعجزات ما شابه أرقى فنون العصر»(١٧)ـ وقد تحدث عن ستة من تلك الأوجه مستدلا عليها بآيات من القرآن الكريم مظهرا لما تحتويه من براهين على ذلك الوجه(١٨).
وبهذا يضيف السيد الخوئي (قدس سره) على آراء من سبقه من المفسرين الذين يرون أن إعجاز القرآن اقتصر على الوجه اللغوي أو البلاغي كما يراه الزمخشري (ت٥٣٨هـ)(١٩).
ولو أن الطبرسي (ت٥٤٨هـ) قد ألمح بوجود أوجه أخرى للإعجاز غير البلاغي ولكنه لم يفصل أو يصرّح عن تلك الوجوه(٢٠).
ووافق السيد الخوئي (قدس سره)(٢١) على رفض الزركشي (ت٧٩٤هـ) لقول النظام (ت٢٣١هـ): «بأن الله صرف العرب عن معارضة القرآن، وسلب عقولهم، وكان مقدورا لهم، لكن عاقهم أمر خارجي، فصار كسائر المعجزات»(٢٢).
وعلى رفض السيوطي (ت٩١١هـ) أيضا الذي وافق الزركشي على رأيه(٢٣).
ولم يكنفِ بهذا وإنما قارن بين المعارف التي تحدثت عنها كتب العهدين، وبين ما تحدث عنها القرآن الكريم، بتفصيل دقيق شامل وحجج وأدلة واضحة ومقنعة(٢٤).
وأعاد النظر في تفاسير من سبقه، محللا بعض الآيات بنظرة عصرية تتماشى وعلوم العصر الذي عاش فيه، وفتح الباب للمنهج العلمي في تفسير القرآن الكريم، لكي يثبت خلود إعجاز القرآن، ويدلل على قوله بأنها من أرقى فنون العصر(٢٥). وفند بذلك بعض الأوهام التي اعترضت على إعجاز القرآن.
وترى قاعدة التحليل هذه واضحة بأدلته وبراهينه المؤيدة بالنقل والعقل،، وطالما فصّل لتحليله ذاك عنوانا مستقلا بكلمة (الجواب)(٢٦)، ولعل بحثه في القراءات القرآنية(٢٧)، توضح للقارئ والمتتبع بما لا يقبل الشك واللبس والغموض ما يحمله السيد الخوئي من باع طويل ورأي نافذ وثقافة عالية، وقلم سيال في التحليل والاستدلال والنقض والإبرام. بأدلة مقنعة قد يوافق بها آخرين قد سبقوه، أو يخالف غيرهم، ولكنها بأسلوب جديد وبراهين عقلية، فهو يصرّح بقوله: «وقد رأينا من المناسب أن نذكر كلمات خبراء الفن ممن صرّح بعدم تواتر القراءات ليظهر الحق في المسألة بأجلى صوره»(٢٨).
ثم يعرض بعدها آراء أولئك الخبراء معتمدا على مصادرهم وأقوالهم متوخيا للأمانة العلمية التي يلتزمها في بحوثه، إذ هو لم يكتفِ بهذا، بل يعرض آراء المخالفين لرأيه وأدلتهم ويحللها ويناقشها نقاشا علميا جادا بعيدا عن التعصب والتعنت(٢٩)، وعلى النحو ذاته فإنه يرفض الاستدلال بالقراءات القرآنية لإصدار حكم شرعي(٣٠)، ولكنه يجوّز القراءة في الصلاة بكل قراءة كانت متعارفة في زمان أهل البيت (عليهم السلام)(٣١).
وبهذا فإنه قد استعمل قاعدة التحليل المنهجي لوظيفته كفقيه يبحث في دلائل الاستنباط المتعددة للوصول إلى الحكم الشرعي.
ولو أنه لم يكن الأول الذي رفض تواتر القراءات القرآنية، إذ سبقه كثير ممن يرى ذلك، كالطبري، والباقلاني، وابن عبد البر، وأبو بكر بن العربي، والطحاوي، واعتبروا الحديث الذي ورد في صحيح البخاري - من كتاب فضائل القرآن منسوخا بحمل الناس على لغة قريش(٣٢). أي بالإجماع.
وشكك القرطبي كذلك في معنى الأحرف، ذاكرا أن فيها خمسة وثلاثين قولا(٣٣)، في حين قال السيوطي قد «اختلف في معنى هذا الحديث على نحو أربعين قولا»(٣٤).
وعرض ابن الجزري عددا من الكتب التي دونت في القراءات القرآنية ابتدأها بكتاب أبي عبيد القاسم بن سلام (ت هـ) وأوصلها إلى أبي بكر (أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد (ت٣٢٤هـ)، الذي يرى بأنه أول من اقتصر على قراءات هؤلاء السبعة المشهورين(٣٥).
ومع كلّ هذا فإن السيد الخوئي (قدس سره) عرض آراء القائلين بتواترها أيضا وحججهم على ذلك، وردّ على كلّ تلك الحجج والأدلة بحجج وأدلة عقلية علمية منطلقا من حججهم ذاتها بأنها غير مقنعة ولا تثبت أمام النقد العلمي(٣٦).
وقاعد التحليل المنهجية هذه عند السيد الخوئي (قدس سره) تستوجب وحدها بحثا كاملا أوسع من هذا بكثير.
ولو أن كتاب (البيان) قد اشتمل على عدد من المباحث، من علوم مختلفة لا تندرج تحت علوم القرآن وتفسيره، كالبداء في التكوين(٣٧)، أو حدوث القرآن وقدمه(٣٨)، اللذان يندرجان تحت مواضيع علم الكلام.
أو حجية ظواهر الكتاب(٣٩)، التي تعدّ من مباحث علم أصول الفقه، أو تراجم القراء(٤٠)، التي يبحث عنها في كتاب التراجم والسيّر، أو بعض التعليقات التي تتعلق بالفلسفة أو علم الكلام، أو العقائد والاحتجاج(٤١).
ولكنها بالمجمل فإن توجيهه لتلك المباحث انطلقت من مباحث عرضية وقعت في طريق البحث في الدراسات القرآنية، مادامت تتعلق ببعض مباحث القرآن.
وقد أحصى السيد الخوئي (قدس سره) الآراء فيها وحقق في مصادر استقائها وناقشها دفاعا عن القرآن، وعن منهجه القادم في تفسير القرآن الكريم، الذي اقتصر على سورة الفاتحة، ولم يكتمل.
فالسيد الخوئي (قدس سره) إحصائي واسع، ومستقرئ تام، للمعاني والمفاهيم التي تحدث عنها، بدءا من المعاني اللغوية والاصطلاحية وانتهاءً بالمفاهيم التي أطلقها علماء الأمة على تلك المصطلحات(٤٢).
ومن سعة إحصائه تتبعه لآراء العلماء والمفسرين والباحثين على مختلف مستوياتهم، قديمهم وحديثهم، وعلى اختلاف اتجاهاتهم ومذاهبهم، عارضا آراءهم بالنصوص التي أودعوها مؤلفاتهم بالأجزاء والصفحات موازنا بين كلّ تلك الآراء، ليصل إلى النتيجة التي كشفها له البحث والاستقصاء. فينهي قوله بذكر النتيجة بأقصر ما يمكنه من تعبير ومن ذلك -مثلا- قوله: «والحق بعد هذا كله أن التحريف بالمعنى الذي وقع النزاع فيه، غير واقع في القرآن أصلا»(٤٣).
ولم يعتمد على أقوال الموافقين لرأيه أو أصحاب مذهبه، كي يعضد حجته، بل يعرض آراء المخالفين وشبهاتهم واعتراضاتهم كاملة، ويناقشها بالتحقيق وبالأدلة والبراهين النقلية والعقلية، فنراه -مثلا- يقول في حديثه عن عدم تحريف القرآن الكريم: «وهنا شبهات يتشبث بها القائلون بالتحريف لابد لنا من التعرض لها ودفعها واحدة واحدة»(٤٤).
وفعلا فإنه يعرض كل تلك الأقوال والشبهات مع الحجج والأدلة التي تدعمها، وينقض الدليل بالدليل، والحجة بالحجة، والبرهان بالبرهان استقراءً تاما، وإحصاءً كاملا، وفي غير ذلك الموضوع فإنه يتبع الأسلوب ذاته(٤٥).
أما استقراؤه لمصادر استقاء معلوماته فدليل واضح لهذه القاعدة المنهجية ولموضوعيته أيضا، فقد احتوت هوامش كتابه (البيان) هذا لمصادر وكتب أهل المذاهب المختلفة بما يربو على ثلاثمائة مرة، في حين لم يعتمد في هوامشه ذاتها على مصادر الإمامية سوى أقلّ من مائة وثلاثين مرة.
أما قائمة مصادره فقد احتوت على سبعة وستين مصدرا من مصادر المذاهب الأخرى من التفسير والفقه والرجال واللغة والتاريخ والرجال، في حين شكلت مصادر الإمامية خمسة وثلاثين مصدرا من مصادره لتلك العلوم.
وحتى بعض الرسائل المكتوبة باللغة غير العربية(٤٦)، وعلى سبيل المثال فقد اعتمد خمسة عشر تفسيرا من تفاسير العامة، في حين اعتمد على سبعة تفاسير من تفاسير الإمامية فقط.
ولو عرضت تفسيره لسورة الفاتحة التي أودعها في نهاية كتابه(٤٧)، فستجده اعتمد الصدوق والبخاري والكليني ومسلم معا في نقله للحديث(٤٨) وغيرهم. والبرهان والطبري والآلوسي في تفسير القرآن الكريم(٤٩).
وكذلك الشوكاني، وابن كثير، والخازن، والسيوطي(٥٠)، وأبو حيان(٥١)، وغيرهم، لما يحمله هؤلاء المحدثون والمفسرون من اختلاف في المذاهب والاتجاهات والزمان والمكان والرؤى، فضلا عن ذلك أنه استقرأ وأحصى وحقق في ما تحمله الآيات من علوم ومعارف ومباحث استنفذها التفسير، من محل نزولها، وفضلها، وآياتها وغاياتها، والمعاني التي اشتملتها، ومن جهات متعددة من اللغة والإعراب والبلاغة والتفسير، والمباحث الفلسفية التي احتوتها، وتحليل آياتها واختلافات قراءاتها وحتى المباحث الأخلاقية التي تستشف منها.
وهنا فقد استقرأ وأحصى وتحقق في المعاني والآراء والمصادر والمباحث، ولربما أشياء أخرى لم أقف عليها.
امتازت بحوث السيد الخوئي (قدس سره) في الدراسات القرآنية، بأسلوب أدبي رصين وذائقة لغوية متميزة وتراكيب لمفردات وألفاظ لا تتعدى المعاني الموضوعة لها، أظهرت كل تلك المميزات مديات العلوم والمعارف والآداب والفنون التي يحملها، وقد بوّب البحوث على مباحث تشتمل على وحدة الموضوع وما يترتب عليه من آراء وشبهات وردود لينتهي متسلسلا إلى النتائج.
وبعد الانتهاء يفتح ملفا آخر يحتوي على مباحث تتقارب في محتواها مع من قبله وتحتاج إلى اكتمالها لما بعده، وهكذا.
وامتاز تأليفه (البيان) بمنهجية البحث العلمي الحديث الدقيق فأفرد لمصادره هوامشه، وقد يذكر المصادر في المتن أحيانا، متوخيا الأمانة العلمية الدقيقة فيها بالأجزاء والصفحات أو الأبواب، وقلما نجد ذلك في البحوث الحوزوية.
وخصص في نهاية مؤلفه فهارس للكتاب يسترشد بها الباحث والقارئ لما احتواه الكتاب من مواضيع، فللآيات والأحاديث النبوية الشريفة والأسماء والأماكن والموضوعات فهرسا خاصا بها. وأماكن ورودها بدقة متناهية.
فضلا عن ذلك أن للسيد الخوئي (قدس سره) نظريات واجتهادات وآراء وإضافات على مباحث الذين سبقوه(٥٢). اتحفت الفكر الإسلامي عموما والدراسات القرآنية بصور أخص، فيضا لا يمكن الاستغناء عنه، وحتى تلك المباحث التي توسع بها من سبقه فيها، فإنه عرضها بلغة جديدة تتماشى مع ما يفرضه العصر من فكر، وهذا بدوره هو التجديد، وفتحت الباب للحركة العلمية الحرّة، وصبغت الماضي بلغة الحاضر، ونقلت لنا الأصالة إلى المعاصرة وأوصلت مرحلة التأصيل بحركة التجديد. وله الحق في كل ذلك لأن «لكل جيل حظه من تجليات النص، وفقا لتطور العقل، فإن تطور (المعرفة) الإنسانية غير المستقاة من الوحي متى حصلتـ يحصل معها إجراء عرضها على القرآن، إما لاستجلاء مدى تعبيرها عن الحقيقة، أو لإثبات معصومية النص، أو لبيان أسرار الخليقة التي اتكأ عليها النص القرآني للوصول إلى ربوبية الله للخلق، ربوبية وحدانيته»(٥٣). ومن ذلك فالسيد الخوئي (قدس سره) لم يقف أمام حركة التفسير على وفق المنهج العلمي، وإنما يراه أحد أوجه إعجاز القرآن الكريم المختص بعصر العلوم والتقدم التكنولوجي، ليكون حجة على المختصين بأرقى فنون العصر، وبوجه تفسير بعض الآيات القرآنية تفسيرا علميا على وفق النظريات العلمية الحديثة في عصره(٥٤).
وبهذا فهو من المريدين للتفسير العلمي للقرآن الكريم، ولكن لم يرد ذكره بين المؤيدين لذلك من المحدثين عند الدكتور عبد الأمير كاظم زاهد(٥٥).
وبهذا يكون السيد الخوئي (قدس سره) قد استوفى القواعد المنهجية كاملة في دراساته القرآنية، فقد امتلك اليقين وحلل واستقرأ وأحصى وحقق ثم بعد ذلك ألـّف وركّب، وتركه وراءه، ورحل إلى ربه راضيا مرضيا، وفي نفسه آمال لم تتحقق في الدراسات التفسيرية للقرآن الكريم.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
هوامش البحث:
______________________________
(١) ينظر: أميل يعقوب، كيف تكتب بحثا أو منهجية البحث:٩ وما بعدها.
(٢) ينظر: نوري شاكر الآلوسي، البحث الأدبي ومنهجه:٩.
(٣) ينظر: عبد الأمير كاظم زاهد، منهج الشيخ الطوسي في كتابه الخلاف:
(٤) ديكارت، مقال في المنهج:٩٥.
(٥) ينظر: أبو العلا عفيفي، المنطق التوجيهي:١٤٩ وما بعدها.
(٦) ينظر: ديكارت، مقال في المنهج:٩٦ وما بعدها.
(٧) عدّها ديكارت القاعدة الرابعة، وقدمها على قاعدة التأليف والتركيب.ظ: ديكارت:مقال في المنهج:٩٨، في حين نرى أن قاعدة التأليف والتركيب بعد استقراء الآراء وإحصائها والتحقق من صحتها.
(٨) وقد سبق للباحث أن كتب عن توافر هذه القواعد عند السيد الخوئي نفسه، في معجم رجال الحديث.
(٩) الخوئي، البيان:١١.
(١٠) الخوئي، البيان:١٢.
(١١) ينظر: الزركشي، البرهان في علوم القرآن:١/ ٢٩ وما بعدها.
(١٢) ينظر: محمد حسين الصغير، المبادئ العامة لتفسير القرآن الكريم:٩٠.
(١٣) الخوئي، البيان:١٢.
(١٤) الخوئي، البيان:١٧.
(١٥) الخوئي، معجم رجال الحديث:٢٢/ ٢٤. في ترجمته لنفسه.
(١٦) ينظر: مثلا قسم التعليقات:
التعليقة (١)، ص، ٤٩٩. التعليقة (٢)، ص٥٠٠، التعليقة (٣)، ص٥٠٣، التعليقة (٧)، ص٥١٠، التعليقة (١١)، ص٥١٤، التعليقة (١٤)، ص ٥١٥، التعليقة (١٥)، ص٥١٦، التعليقة (١٧)، ص ٥١٨، التعليقة (٢٠)، ص٥٢٣، التعليقة (٢٦)، ص ٥٢٨ وغيرها.
وينظر كذلك: بحثه في القراءات:١٥٧وما بعدها.
(١٧) الخوئي، البيان:٣٧ وما بعدها.
(١٨) ينظر: الخوئي، البيان:٤٥ وما بعدها.
(١٩) ينظر: الزمخشري، الكشاف:٢/ ٦٦٤.
(٢٠) ينظر: الطبرسي، مجمع البيان:٦/ ٣٣٣-٣٣٤.
(٢١) ينظر: الوخوئي، البيان:٨٣ وما بعدها.
(٢٢) الزركشي، البرهان في علوم القرآن:٣٠٤-٣٠٥.
(٢٣) السيوطي، الإتقان:٢/ ٢٣١.
(٢٤) ينظر: الخوئي، البيان:٥٠ وما بعدها.
(٢٥) ينظر: الخوئي، البيان:٧٠ وما بعدها.
(٢٦) ينظر: لخوئي، البيان: الصفحات:٨٢، ٨٣، ٨٤، ٨٦، ٩٠، ٩١، ٩٣ وغيرها.
(٢٧) ينظر: الخوئي، البيان:١٥١ وما بعدها.
(٢٨) الخوئي، البيان:١٥٢.
(٢٩) ينظر: الخوئي، البيان:١٥٧ وما بعدها.
(٣٠) ينظر: الخوئي، البيان:١٦٤ وما بعدها.
(٣١) ينظر: الخوئي، البيان:١٦٨.
(٣٢) ينظر: ابن عاشور، التحرير والتنوير:١/ ١٥٥.
(٣٣) ينظر: القرطبي، الجامع لأحكام القرآن:١/ ٤٢.
(٣٤) ينظر: السيوطي، الإتقان:١/ ٤٥.
(٣٥) ينظر: ابن الجزري، النشر في القراءات العشر:١/ ١٥ -٣٣.
(٣٦) ينظر: الخوئي، البيان:١٥١ وما بعدها.
(٣٧) ينظر: الخوئي، البيان:٣٨٦ وما بعدها.
(٣٨) ينظر: الخوئي، البيان:٤٠٥ وما بعدها.
(٣٩) ينظر: الخوئي، البيان:٢٦٣ وما بعدها.
(٤٠) ينظر: الخوئي، البيان:١٢٣ وما بعدها.
(٤١) ينظر: الخوئي، البيان:التعلقيات (٢)، و (٤)، و (٨)، و (٩)، و (١٠)، و (١٧)
(٤٢) ينظر مثلا: ينظر: الخوئي، البيان، ٣٤ وما بعدها، وكذلك ١٩٨ وما بعدها.
(٤٣) ينظر: الخوئي، البيان:٢٠٧.
(٤٤) ينظر: الخوئي، البيان:٢٢٠.
(٤٥) ينظر: الخوئي، البيان:٧٩ وما بعدها.
(٤٦) ينظر: الخوئي، البيان:٩٣.
(٤٧) ينظر: الخوئي، البيان:٤١٨-٤٩٥.
(٤٨) ينظر: الخوئي، البيان:٤١٨، ٤١٩، ٤٢٠.
(٤٩) ينظر: الخوئي، البيان: ٤٣٠.
(٥٠) ينظر: الخوئي، البيان:٤٣٨-٤٣٩.
(٥١) ينظر: الخوئي، البيان:٤٥٢.
(٥٢) ينظر مثلا: حديثه عن نظريته في النسخ في القرآن الكريم، البيان:٢٧٧ وما بعدها.
(٥٣) عبد الأمير كاظم زاهد، مقدمات منهجية في تفسير النص القرآني:١٦.
(٥٤) ينظر: الخوئي، البيان:٧٠ وما بعدها.
(٥٥) ينظر: عبد الأمير كاظم زاهد، مقدمات منهجية:٣٨ وما بعدها.
مصادر البحث ومراجعه
١. الآلوسي (الدكتور نوري شاكر)، البحث الأدبي ومنهجه، دار الحرية، بغداد، ١٩٨٤م.
٢. أميل يعقوب، كيف تكتب بحثا أو منهجية البحث، جروس برس، طرابلس (د.ت).
٣. ابن الجزري (أبو الخير محمد بن محمد)، النشر في القراءات العشر، دار الكتب العلمية، بيروت، ط١ (١٤١٨هـ/١٩٩٨م).
٤. الخوئي، (السيد أبو القاسم الموسوي)، البيان في تفسير القرآن، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، ط٣ (١٣٩٤هـ/١٩٧٤م).
٥. الخوئي، (السيد أبو القاسم الموسوي)، معجم رجال الحديث، مطبعة الآداب، النجف الأشرف، ط١، ١٩٧٢م.
٦. ديكارت، مقال في المنهج، من دون مطبعة ولا سنة طبع ولا مكان طبع.
٧. زاهد، (الدكتور عبد الأمير كاظم)، مقدمات منهجية في تفسير النص القرآني، مطبعة الضياء، النجف الأشرف، (١٤٢٩هـ/٢٠٠٨م).
٨. زاهد، (الدكتور عبد الأمير كاظم)، منهج الشيخ الطوسي في كتابه الخلاف، بحث مطبوع في مجلة فقه أهل البيت.
٩. الزركشي (بدر الدين أبو عبد الله محمد بن بهادر بن عبد الله ت٧٩٤هـ)، البرهان في علوم القرآن، تحقيق مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، ط١، ٢٠٠٦م.
١٠. الزمخشري، (جار الله محمود ت ٥٣٨هـ)، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، مكتب الإعلام الإسلامي، قم، ط١، ١٤١٤هـ.
١١. السيوطي (جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر الشافعي (ت٩١١هـ)، الإتقان في علوم القرآن، تحقيق محمد سالم هاشم، دار الكتب العلمية، بيروت، (١٤٢٤هـ:٢٠٠٤م).
١٢. الصغير (د. محمد حسين علي)، المبادئ العامة لتفسير القرآن الكريم، دار المؤرخ العربي، بيروت، ط١، (١٤٢٠هـ/٢٠٠٠م).
١٣. الطبرسي، (أبو علي الفضل بن الحسن)، مجمع البيان في تفسير القرآن والفرقان، ط١، دار الأسوة للطباعة، طهران ١٤٢٦هـ.
١٤. ابن عاشور، (محمد الطاهر)، التحرير والتنوير، مؤسسة التاريخ، بيروت، ط١، (١٤٢١هـ/٢٠٠٠م).
١٥. عفيفي، أبو العلا، المنطق التوجيهي، لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، ١٩٤٤م.
١٦. القرطبي (أبو عبد الله محمد بن أحمد)، الجامع لأحكام القرآن، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط٢، (١٣٧٢هـ/١٩٥٢م).