استشهاد السيد محمدتقي

بسم الله الرحمن الرحیم

 

﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾

صدق الله العلی العظیم

 

السلام علی العبد الصالح المجاهد والاخ الوفي المعاضد ورحمة الله وبرکاته ومغفرته ورضوانه علی روحك وبدنِك وجزاك الله عن الاسلام واهله وعنّا افضل جزاء المحسنين وبعثك في الشهداء وجعل روحك مع ارواح السعداء واسکنك فسیح جناته وحشرك مع النبیین والصدیقین والشهداء والصالحین وحسن اولئك رفیقا ولعنة الله وانبیائه وملائکته علی من قتلك وظلمك واستباح دمك الطاهر.

 

سیدي أیها التقي الشهید…

ترتعش فرائصي ویهتز القلم بیمیني، وقلبي یعصره الالم وجروح صدري لم تندمل بعد من فقد ابي المعظم، حتی انقصم ظهري بنعیك وانهالت دموعي، فوالله فقد فقدت أبي بفقدك.

 

أما أنت یا أبا جواد…

فقد وفیت بعهدك بالایمان واستقمت وتحملت الشداد ولم تخفك الارهلصات والارهاب والمصائب المتلاحقة ولم تغرك المغریات، حتی وفدت علی ربٍ کریم، وصعدت روحك الی الملکوت الاعلی مظلوماً صابراً وشهیداً محتسباً واستقبلتك ملائکة الرحمة وجاورت اولیاءك وآباءك، ولئن بقیت علی الارض تنزف دماً لخمس ساعات لم یسمح الظالمون خلالها باسعافك فلك بذلك أسوة بجدك الحسین الشهید وهو یتقلب علی رمضاء کربلاء.

 

وأما أخوك…

فبقي وحیداً یجد السیر علی خطاکم، مثقلاً بالهموم، متعباً بالمصائب وقد کان بانتظار رؤیة وجهك الجمیل ومعانقتك فاذا به یتلقی التعازي من المحبین ویعانق المفجوعین ولم یقدر علی تمالك مشاعره او خنق العبرة‌في صدره ولا یدري بمن یعزي نفسه، وکیف له الصبر علی هذا البلاء.

أعزي نفسي بعزاء الحسین عليه السلام یوم ضحی بأصحابه واولاده وانصاره وبقیت عیاله دون والٍ او معیل، ولکن مصابه بأخیه کان الاشد علیه وبفقده انکسر ظهره، وصبري من صبره، مردداً معه: (هوّن ما نزل بي انه بعین الله).

 

یا أخي وأبي ومعلمي…

کیف أنسی طلعتك البهیة ووقارك المتواضع وتربیتك لي في البیت.

وکیف أنسی جمیل بیانك في حلقات دروسك في «دارالعلم».

وکیف أنسی ارشاداتك القیمة والتفاتاتك الخفیة اللطیفة لتهذیب النفس واشاراتك الجمیلة في حفظ الآداب ومداراة الناس وخدمتهم.

کیف أنسی اهتمامك بعوائل الضعفاء وسؤالك عنهم قبل عیالك وفي أشدّ الاوضاع مأساویة وفي احلك الظروف التي ابتعد فیها القریب عن قریبه والصدیق عن صدیقه، تضحي بنفسك من اجلهم وتنشد الخیر للجمیع، ولست أبالغ لو قلت، ولعل الکثیرین یعلمون بذلك، انك کنت ابناً باراً للحوزة العلمیة وأخاً مواسیاً للارامل واباً عطوفاً للایتام لسنوات طوال عمّ البلاء فیها وطننا العزیز وکثرت العوائل المثکولة برجالها.

کنت یا سیدي تجول علیهم في اللیل والنهار سراً وعلانیة تنشد الخیر وتعلم مواضعه، وتساعد هذا وذاك وتردد دوماً «ارحموا عزیز قوم ذل» ولا انسی اهتمامك الخاص باولئك الذین یحسبهم الجاهل أغنیاء لتعففهم.

أرعبت هذه الروحیة الطیبة اولئك المجرمین فظلوا یتربصون بك الدوائر وأنت تتحداهم بکل شجاعة، وکم إتهمك البعض بالخیانة فقابلته بالصفح.

کنت یا اخي کالطود الأشم لا تهزك العواصف، شجاعاً مقداماً، لا تأخذك في الله لومة لائم، ولا تخشی الجبابرة والطغاة وترد لهم الصاع صاعین، بمنطقك البلیغ وعقلك النیر وجرأتك البالغة وإباء نفسك الذل امام السافلین المتسلطین علی رقاب الشعب الذین یعیثون في الوطن فساداً‌ولا یعرفون غیر الجریمة واراقة الدماء البریئة‌سبیلاً. لقد صمدت في وجههم لم تدنسك الجاهلیة الرعناء. کان جوابك لهم دائماً بأنا لا نبالي بالموت وقع علینا ام وقعنا علیه فنحن علی درب سید الشهداء((علیه))، لا نری الموت الا سعادة والحیاة مع الظالمین الا برما، وقد رکز لنا الدعي ابن الدعي بین اثنتین بین الذلة‌ والسلة وهیهات منا الذلة یأبی الله لنا ذلك ورسوله وحجور طابت وطهرت وأنوف حمیة ونفوس ابیة من ان نؤثر طاعة اللئام علی مصارع الکرام. لقد جهلوا عزمك قبل هذا الیوم ولم یعرفوا نفسك الابیة حق المعرفة حتی برهنت علی ذلك بدمك الزاکي وضحیت بنفسك الطاهرة، یوم رفعت رایة الحق لتبقی حفاقة‌ ورویت مشاربها بزاکي دمك الطاهر.

ماذا عساني اقول، وألم مصابك فتت احشائي والبیان یضیق والیراع یعجز ولساني یکلّ عن تبیان قدرك وجمیل صفاتك. وقد کنت لي، بحق، أخاً وصدیقاً وأباً ومربیاً وأُستاذاً ومرشداً.

 

یا شهیدنا السعید…

کنت محصوراً ومحاصراً، لکن فکرك الواسع شمل العالم حتی اقصی بقاعه، تقف علی کل صغیرة‌ وکبیرة تهم شیعة آل محمد. وهذه الصروح العالیة والخدمات الجلیة والرعایة الحنونة، ومنها هذا الصرح العظیم «مؤسسة الامام الخوئي الخیریة»، کلها خیر شاهد علی ذلك. انشأتها وسیّرتها وثبّت قواعدها واصولها لتبقی تُخلّدك مع الزمن وتحکي جانباً من سیرتك للاجیال القادمة .... آه .... آه، فبفقدك ثُکل الدین والمذهب، وعارفو فضلك حیاری کادوا لا یصدقون النبأ المفجع، ومجالس العزاء في کل بیت ومقام، والاعزاء یعزون بعضهم بعضاً، کیف لا وانت من انت. وهل یجدي ذلك کله والمصاب جلل والفقید عظیم؟

 

أخي الراحل…

 أعاهد الله واعاهدك علی السیر في الدرب الذي رسمه لنا الوالد المعظم، درب آبائه واجداده .... الذي سار وسرت علیه، نُصرة الحق أو الشهادة.

فلن أنثني حتی النصر والانتقام من أعداء الامة والانسانیة، أو ألحق بکم ملطخاً بدمي فألقی الله وجدي رسول الله وأئمتنا الهداة واشتکي الیهم ما جری علینا.

ولیعلم الظالمون ان دمك لن یذهب هدراً والله علی انتقامه لعزیز قدیر.

«وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ‌ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ»

 

أخي الغالي الشهید…

 لما اخبرني أحد أعزائك انك ودعتهم في اسبوعك الاخیر مراراً وکنت علی علم بموعد قضائك، لم اکن احسب انك کنت تضنّها بهذه البشاعة، ووصلني خبرك الاخیر لوداعنا ولکنه جاء مع ساعة رحیلك ولم یکن بالید من حیلة.

یا کوکباً ما کان اقصره عمره  ** وکذا تکون کواکب الاسحار

جاورت اعدائي وجاور ربه ** شتان بین جواره وجواري

نم یا ابا الجواد، قریر العین، فاخوانك ورفاقك علی دربك الشائك یسیرون وبعهدهم یوفون والشهادة ینتظرون.

 

واما ابناؤك وعیالك…

فهم عیالي وکلنا عیال الله، علیه توکلنا هو حسبنا، نعم المولی ونعم النصیر.

أستودعك الله واقرأ علیك السلام، آمنا بالله وبرسوله وبکتابه وبما جاء من عند الله اللهم فاکتبنا مع الشاهدین، واحشر شهیدنا السعید مع آبائه واجداده وعرّف بینه وبین احبائه واولیائه محمد النبي وآله الطیبین الطاهرین.

 

أخي العزیز أبا جواد…

ما کنت أحسب، ولا أرغب، أني سأبقی بعدك لأرثیك أو أکتب ترجمة حیاتك، ولکن ما عساني اقول في القدر الذي اختطفك من بیننا، بید الغدر والخیانة.

ودّعته وبودّي لو یودعني ** صفو الحیاة واني لا أودّعه

فانا لله وانا الیه راجعون، وسلامي علی روحك الطاهرة ودمك الزاکي وعلی ارواح الشهداء رفاق دربك وبالخصوص صدیقك وعضدك في تحمل ما تحملت طوال سنین المحنة الشهید السعید الاخ العلامة السید امین الخلخالي وطفله البريء وسائق سیارتك المخلص الوفي، الذین عاشوا معك في السراء والضراء حتی لبوا نداء ربهم معك.

ولکن لیعلم عدوك انه میت وانت الخالد. 

﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ‌﴾

صدق الله العلي العظیم

أخوک عبدالمجید