
إبن الحوزة البارّ
رزئت الجامعة العلمية في النجف الاشرف بفقد واحد من ابنائها الافاضل البررة، هو حجة الاسلام والمسلمين السيد امين نجل آية الله السيد محمد رضا الخلخالي الذي امتدت اليه يد الغدر والخيانة مع ولده الصغير محمد الذي لم يبلغ السادسة من عمره وکان بصحبة حجة الاسلام والمسلمين السيد محمدتقي الخوئي مساء الخميس ١١ صفر ١٤١٥هـ.
ولد الشهيد في مدينة النجف الاشرف عام ١٩٥٢م، وهو ينتمي الی أسرة علمية دينية معروفة في الوسط الديني والحوزات العلمية في العراق وايران. فوالده آية الله المجاهد السيد محمدرضا الخلخالي من افاضل اساتذة الحوزة العلمية في النجف، ومن ابرز تلامذة الامام الراحل السيد ابوالقاسم الخوئي، ومن ائمة الجماعة في مدينة النجف الاشرف واختاره الامام الراحل مع علماء آخرين للتصدي لمسؤولية القيادة في الانتفاضة الشعبانية ١٩٩١م. وتم اعتقاله من قبل السلطات الحاکمة منذ ذلك الوقت ولم يعرف مصيره حتی الآن مع اکثر من مئة من رجال العلم والاسر الکريمة.
غرس هذا العالم المجاهد في نفوس ابنائه حب العلم والارشاد والتبليغ وقضاء حوائج الناس وخدمتهم. فکان شهيدنا من ابرز ابنائه الذين ساروا علی هذا النهج الايماني واستقام علی طريق الحق وتحمل في ذلك شتی المصائب والآلام.
وبعد ان اکمل دراسته الاعدادية في مدارس النجف، التحق لينهل من نمير الحوزة العلمية في النجف مبتدئاً بدراسة المقدمات ثم اکمل قسماً منها في طهران في مدرسة مروي وکان يؤم الجماعة للصلاة في مسجد جده آية الله السيد آغا الخلخالي(قدس) الذي کان شخصية علمية بارزة في طهران، وذلك بأمر واجازة من الامام الراحل السيد ابوالقاسم الخوئي بعد غياب جده. لکن فقيدنا الغالي آثر ان لا يطول فراقه لمدينته الأم فعاد ليکمل مشواره في جامعتها العلمية في منتصف السبعينات وبقي ملازماً لها طوال عقدين من الزمان. ودرس علی يد افاضل اساتذتها ومجتهديها في الفقه والاصول. فدرس الکفاية في الاصول علی يده والده المجاهد، والمکاسب علی يد سماحة الشيخ ابوالحسن الانواري، والرسائل علی يد سماحة السيد عباس نجل آية الله السيد يحيی اليزدي، حتی اکمل دراسة السطوح العليا في الحوزة العلمية النجفية.
لم يقف شغفه وحبه للعلم عند ذلك بل آثر مواصلة المشوار في الحوزة والبقاء في النجف الاشرف ووجد کل التشجيع من قبل والده المجاهد للاستمرار بهذا المضمار، فحضر قرابة ست سنوات من عام ١٩٨٢م وحتی ١٩٨٨م «بحث الخارج» عند الامام الراحل السيد الخوئي(قدس) في الفقه وفي الاصول، وحضر بحث آية الله المغفور له السيد المستنبط وآية الله العظمی المرجع الديني الاعلی السيد علي الحسيني السيستاني(دام ظله) اضافة الی ملازمته لبحث والده المجاهد في الاصول.

عرفت عنه طوال هذه الفترة رغبته في الدرس والتدريس، حيث درّس المقدمات والسطوح لطلبة الحوزة في مدارس النجف کمدرسة «دار العلم» و«دار الحکمة» ومساجدها کمسجد الهندي، حيث مجالس الدرس والواعظ والارشاد.
تميز شهيدنا الراحل بحبه لمساعدة الناس وقضاء حوائجهم وبرز هذا الدور بوضوح بعد الانتفاضة الشعبانية. ثم اعتقل في الايام الاولی من الانتفاضة مع مجموعة من العلماء الاعلام البارزين في النجف واطلق سراحه بعد ثلاثة اسابيع قضاها في سجون الطاغية في بغداد، غير انه لم يجد حوله تلك الوجوه الحانية وخصوصاً والده المجاهد الذي اعتاد ملازمته طوال تلك الفترة، وکذلك عمه والد زوجته آية الله المجاهد السيد عزالدين بحرالعلوم، فلا زالت سجون الطاغية تلفهم مع النخبة العلمية المجاهدة الی هذا اليوم. الا ان ذلك کله لم يثنه عن تحمل المسؤولية رغم ارهاب ازلام السلطة وقمعهم بعد الانتفاضة. فاستمر في جهاده رافضاً ترك النجف الاشرف من خلال تصدية للمسؤوليات التالية:
١- امام الجماعة في «جامع البهبهاني» احد اهم جوامع مدينة النجف بعد ان غيّبت السجون والده الذي کان يقيم فيه الجماعة، حيث أراد ان يساهم في عملية الوعظ والارشاد کمنحی عملي لمواجهة مخططات السلطة، فکانت له مکانة في نفوس الناس، وخصوصاً الشباب، لما يتمتع به من زهد وورع وحب لخدمتهم وقضاء حوائجهم.
٢- الاستمرار في المشارکة درساً وتدريساً في الحوزة العلمية، مشارکاً اخوانه من طلبة العلوم الدينية في النجف الذين ربضوا بشرف لمواجهة ما يلاقونه من التعسف والارهاب.
٣- رعاية عوائل السجناء والشهداء حيث کان ملجأ ومأوی الکثير من العوائل الدينية المرموقة في النجف الاشرف التي اعتقل رجالها منذ الانتفاضة، ولم يعرف مصيرهم. فکان الاب الحنون والاخ العطوف حيث يقضي القسم الأکبر من وقته في تفقد شؤونهم وقضاء حوائجهم، وکان يشعر رغم الصعوبات والمضايقات، ان مسؤوليته تجاهم لا تقل عن مسؤوليته تجاه اسرته، فکان عطاؤه کبيراً في هذا المجال محاولاً قدر الامکان تخفيف معاناتهم.
اراد الله ان يکرم هذا المجاهد فمنحه الشهادة في طريق الحسين عليه السلام ليلة الجمعة المصادف ١٢ صفر ١٤١٥هـ مع نجله الصغير محمد ورفيق دربه حجة الاسلام والمسلمين السيد محمد تقي الخوئي، ودفن في جوار جده الامام علي بن ابي طالب عليه السلام مجاوراً آية الله العظمی المرحوم السيد السبزواري(قدس)، وترك اهله وزوجته وابنتيه ليُضَفْنَ الی آلاف العوائل الثکلی في العراق.
فانا لله وانا اليه راجعون.
