logo

2026-01-27 15627

كليات علم الرجال

Album

بسم الله الرحمن الرحيم

الحاجة إلى علم الرجال

قد ثبت بالأدلة الأربعة حرمة العمل بالظن، وأنه لا يجوز نسبة حكم إلى الله سبحانه ما لم يثبت ذلك بدليل قطعي، أو بما ينتهي إلى الدليل القطعي، وناهيك في ذلك قوله سبحانه:(آللََّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اَللََّهِ تَفْتَرُونَ)(1). دلت الآية المباركة على أن كل ما لم يثبت فيه إذن من الله تعالى، فنسبته إليه افتراء عليه سبحانه.

كما ثبت بتلك الأدلة أن الظن بنفسه لا يكون منجزا للواقع، ولا معذرا عن مخالفته في ما تنجز بمنجز، ويكفي في ذلك قوله تعالى:(وَلاََ تَقْفُ مََا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ)(2)، وقوله تعالى:(وَمََا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاََّ ظَنًّا إِنَّ اَلظَّنَّ لاََ يُغْنِي مِنَ اَلْحَقِّ شَيْئاً)(3).

وأما الروايات الناهية عن العمل بغير العلم: فهي فوق حد الإحصاء، ففي صحيح أبي بصير: «قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): ترد علينا أشياء ليس نعرفها في كتاب الله ولا سنة فننظر فيها؟ فقال: لا، أما إنك إن أصبت لم تؤجر، وإن أخطأت كذبت على الله»(4).

ثم إنه لا ريب في أن العقل لا طريق له إلى إثبات الأحكام الشرعية لعدم

______________________________

(1) يونس 59:10.

(2) الإسراء 36:17.

(3) يونس 36:10.

(4) الكافي 56:10/باب البدع والرأي والمقاييس ح11، ورواه البرقي في المحاسن[336:1/687] مثله.

 

( 3 )


إحاطته بالجهات الواقعية الداعية إلى جعل الأحكام الشرعية. نعم يمكن ذلك في موارد قليلة، وهي إدراك العقل الملازمة بين حكم شرعي وحكم آخر، كإدراكه الملازمة بين النهي عن عبادة: كالصوم يوم العيدين وفساده.

وأما الكتاب العزيز: فهو غير متكفل ببيان جميع الأحكام، ولا بخصوصيات ما تكفل ببيانه من العبادات، كالصلاة والصوم والحج والزكاة فلم يتعرض لبيان الأجزاء والشرائط والموانع.

وأما الإجماع الكاشف عن قول المعصوم (عليه السلام): فهو نادر الوجود.

وأما غير الكاشف عن قوله ع، فهو لا يكون حجة لأنه غير خارج عن حدود الظن غير المعتبر. والمتحصل: أن استنباط الحكم الشرعي في الغالب لا يكون إلا من الروايات المأثورة عن أهل بيت العصمة ص. والاستدلال بها على ثبوت حكم شرعي يتوقف على إثبات أمرين:

الأول: إثبات حجية خبر الواحد، فإنا إذا لم نقل بحجيته، انتهى الأمر إلى الالتزام بانسداد باب العلم والعلمي. ونتيجة ذلك هو التنزل في مرحلة الامتثال إلى الامتثال الظني، أو القول بحجية الظن في هذا الحال، على ما ذهب إليه بعضهم.

الثاني: إثبات حجية ظواهر الروايات بالإضافة إلينا أيضا، فإنا إذا قلنا باختصاصها بمن قصد بالإفهام، وإنهم المخاطبون فقط، لم يمكن الاستدلال بها على ثبوت حكم من الأحكام أصلا.

وهذان الأمران قد أشبعنا الكلام فيهما في مباحثنا الأصولية(1).

ولكن ذكرنا أن كل خبر عن معصوم لا يكون حجة، وإنما الحجة هو خصوص خبر الثقة أو

______________________________

(1) مصباح الأصول2(موسوعة الإمام الخوئي47):170 ومابعدها، 138 وما بعدها.

( 4 )


الحسن. ومن الظاهر أن تشخيص ذلك لا يكون إلا بمراجعة علم الرجال ومعرفة أحوالهم وتمييز الثقة والحسن عن الضعيف. وكذلك الحال لو قلنا بحجية خبر العادل فقط. فإن الجزم بعدالة رجل أو الوثوق بها لا يكاد يحصل إلا بمراجعته.

هذا، والحاجة إلى معرفة حال الرواة موجودة. حتى لو قلنا بعدم حجية خبر الواحد، أو قلنا باختصاص حجية الظهور بمن قصد إفهامه، فانتهى الأمر إلى القول بحجية الظن الانسدادي أو لزوم التنزل إلى الامتثال الظني، فإن دخل توثيق علماء الرجال رواة رواية في حصول الظن بصدورها غير قابل للإنكار.

ومن الغريب-بعد ذلك-إنكار بعض المتأخرين الحاجة إلى علم الرجال بتوهم أن كل رواية عمل بها المشهور فهي حجة. وكل رواية لم يعمل بها المشهور ليست بحجة، سواء أكانت رواتها ثقات أم ضعفاء.

فإنه مع تسليم ما ذكره من الكلية- وهي غير مسلمة وقد أوضحنا بطلانها في مباحثنا الأصولية(1) - فالحاجة إلى علم الرجال باقية بحالها، فإن جملة من المسائل لا طريق لنا إلى معرفة فتاوى المشهور فيها، لعدم التعرض لها في كلماتهم، وجملة منها لا شهرة فيها على أحد الطرفين، فهما متساويان. أو أن أحدهما أشهر من الآخر، وليست كل مسألة فقهية كان أحد القولين، أو الأقوال فيها مشهورا، وكان ما يقابله شاذا.

بل الحال كذلك حتى لو قلنا بأن صدور روايات الكتب الأربعة قطعي، فإن أدلة الأحكام الشرعية لا تختص بالكتب الأربعة، فنحتاج-في تشخيص الحجة من الروايات الموجودة في غيرها عن غير الحجة-إلى علم الرجال.

ومن الضروري التكلم على هذا القول بما يناسب المقام.

______________________________

(1) مصباح الاُصول 2 (موسوعة الإمام الخوئي 47): 235-236، 279-280.

( 5 )


روايات الكتب الأربعة ليست قطعية الصدور

ذهب جماعة من المحدثين إلى أن روايات الكتب الأربعة قطعية الصدور. وهذا القول باطل من أصله. إذ كيف يمكن دعوى القطع بصدور رواية رواها واحد عن واحد، ولا سيما أن في رواة الكتب الأربعة من هو معروف بالكذب والوضع، على ما ستقف عليه قريبا في موارده إن شاء الله تعالى. ودعوى القطع بصدقهم في خصوص روايات الكتب الأربعة-لقرائن دلت على ذلك-لا أساس لها، فإنها بلا بينة وبرهان، فإن ما ذكروه في المقام- وادعوا أنها قرائن تدلنا على صدور هذه الروايات من المعصوم (عليه السلام)-لا يرجع شيء منها إلى محصل. وأحسن ما قيل في ذلك هو:

أن اهتمام أصحاب الأئمة (عليه السلام) وأرباب الأصول والكتب بأمر الحديث إلى زمان المحمدين الثلاثة (قدس الله أسرارهم) يدلنا على أن الروايات التي أثبتوها في كتبهم قد صدرت عن المعصومين (عليهم السلام)، فإن الاهتمام المزبور يوجب-في العادة-العلم بصحة ما أودعوه في كتبهم، وصدوره من المعصومين (عليهم السلام). ولكن هذه الدعوى فارغة من وجوه:

أولا: أن أصحاب الأئمة (عليه السلام) وإن بذلوا غاية جهدهم واهتمامهم في أمر الحديث وحفظه من الضياع والاندراس حسبما أمرهم به الأئمة (عليهم السلام)، إلا أنهم عاشوا في دور التقية، ولم يتمكنوا من نشر الأحاديث علنا، فكيف بلغت هذه الأحاديث حد التواتر أو قريبا منه!و هذاابن أبي عميرحبس أيام الرشيد، وطلب

( 6 )


منه أن يدل على مواضع الشيعةو أصحاب موسى بن جعفر (عليه السلام)، وأن أخته دفنت كتبه عند ما كان في الحبس فهلكت، أو تركها في غرفته، فسال عليها المطر فهلكت. وهكذا حال سائر أصحاب الأئمة (عليهم السلام)، فإن شدتهم في ما كانوا عليه، وعدم تمكنهم من نشر الأحاديث علنا مما لا يشك فيه ذو مسكة. ومع ذلك كيف يمكن دعوى: أنها قطعية الصدور؟

ثانيا: أن الاهتمام المزبور لو سلمنا أنه يورث العلم، فغاية الأمر أنه يورث العلم بصدور هذه الأصول والكتب عن أربابها، فنسلم أنها متواترة، ولكنه مع ذلك لا يحصل لنا العلم بصدور رواياتها عن المعصومين (عليهم السلام)، وذلك فإن أرباب الأصول والكتب لم يكونوا كلهم ثقات وعدولا، فيحتمل فيهم الكذب. وإذا كان صاحب الأصل ممن لا يحتمل الكذب في حقه، فيحتمل فيه السهو والاشتباه. وهذاحذيفة بن منصورقد روى عنه الشيخ بعده طرق: منها: ما رواه بطرقه المعتبرة عن محمد بن أبي عميرعنه رواية: أن شهر رمضان لا ينقص عن ثلاثين يوما(1).

ثم قال: «وهذا الخبر لا يصح العمل به من وجوه:

أحدها أن متن هذا الحديث لا يوجد في شيء من الأصول المصنفة، وإنما هو موجود في الشواذ من الأخبار.

ومنها: أن كتاب حذيفة بن منصورعري منه، والكتاب معروف مشهور، ولو كان هذا الحديث صحيحا عنه لضمنه كتابه». إلى آخر ما ذكره (قدس سره) فنرى أن الشيخ (قدس سره) يناقش في صحة هذا الحديث عن حذيفةمع أن في رواتها عنه محمد بن أبي عمير. وقد رواهاالشيخ عنه بطرق معتبرة، ولا يكون منشأ ذلك إلا احتمال وقوع السهو والاشتباه من الرواة، فإذا كانت مثل هذه الرواية

______________________________

(1) التهذيب168:4/باب علامة أول شهر رمضان وآخره ح482[ولم ينقل الشيخ حديث حذيفة بواسطة ابن أبي عمير إلّا بطريق واحد].

( 7 )


لا يحكم بصحتها، فما حال الروايات التي يرويها الضعفاء أو المجهولون؟!.

ثالثا: لو سلمنا أن صاحب الكتاب أو الأصل لم يكذب ولم يشتبه عليه الأمر، فمن الممكن أن من روى عنه صاحب الكتاب قد كذب عليه في روايته، أو أنه اشتبه عليه الأمر، وهكذا.

ومن هنا قال الشيخ (قدس سره) في كتاب العدة عند بحثه عن حجية خبر الواحد: والذي يدل على ذلك:

إجماع الفرقة المحقة على العمل بهذه الأخبار التي رووها في تصانيفهم ودونوها في أصولهم لا يتناكرون ذلك، ولا يتدافعونه حتى أن واحدا منهم إذا أفتى بشيء لا يعرفونه سألوه من أين قلت هذا، فإذا أحالهم إلى كتاب معروف أو أصل مشهور، وكان راويه ثقة لا ينكر حديثه سكتوا، وسلموا الأمر في ذلك وقبلوا قوله(1).

فإن دلالة هذا الكلام على أن روايات الكتب المعروفة والأصول المشهورة لم تكن قطعية الصدور، وإنما يلزم قبولها بشرط أن تكون رواتها ثقات، للإجماع على حجيتها-حينئذ-واضحة ظاهرة.

رابعا: أن الأصول والكتب المعتبرة لو سلمنا أنها كانت مشهورة ومعروفة إلا أنها كانت كذلك على إجمالها، وإلا فمن الضروري أن كل نسخة منها لم تكن معروفة ومشهورة، وإنما ينقلها واحد إلى آخر قراءة أو سماعا، أو مناولة مع الإجازة في روايتها، فالواصل إلى المحمدين الثلاثة إنما وصل إليهم من طريق الآحاد، ولذلك ترى أن الشيخ الصدوق بعد ما ذكر في خطبة كتابه من لا يحضره الفقيه أن: جميع ما أورده فيه مستخرج من كتب مشهورة معروفة أشار إلى طريقه

______________________________

(1) العدة في أصول الفقه 126:1.

( 8 )


إليها، وقال: «وطرقي إليها معروفة في فهرس الكتب التي رويتها عن مشايخي وأسلافي رضي الله عنهم»(1). فإنه يظهر من ذلك أنه (قدس سره) كان قد ألف فهرسا ذكر فيه طرقه إلى الكتب التي رواها عن مشايخه وأسلافه، فهو إنما يروي الكتب بتلك الطرق المعروفة في ذلك الفهرس، ولكنه لم يصل إلينا، فلا نعرف من طرقه غير ما ذكره في المشيخةمن طرقه إلى من روى عنهم في كتابه.

وأما طرقه إلى أرباب الكتب فهي مجهولة عندنا، ولا ندري أن أيا منها كان صحيحا، وأيا منها غير صحيح. ومع ذلك كيف يمكن دعوى العلم بصدور جميع هذه الروايات من المعصومين (عليهم السلام).

وعلى الجملة: أن دعوى القطع بصدور جميع روايات الكتب الأربعة من المعصومين (عليه السلام) واضحة البطلان. ويؤكد ذلك أن أرباب هذه الكتب بأنفسهم لم يكونوا يعتقدون ذلك.

وهذا محمد بن يعقوب (قدس الله تعالى سره) بعد ما ذكر أنه طلب منه تأليف كتاب كاف يجمع فيه من جميع فنون علم الدين ما يكتفي به المتعلم ويرجع إليه المسترشد، ويأخذ منه من يريد علم الدين والعمل بالآثار الصحيحة عن الصادقين (عليه السلام)، قال بعد كلام له:

فاعلم يا أخي أرشدك الله أنه لا يسع أحدا تمييز شيء مما اختلف الرواية فيه عن العلماء(عليهما السلام) برأيه إلا على ما أطلقه العالم بقوله (عليه السلام): «اعرضوها على كتاب الله فما وافق(2) كتاب الله عز وجل فخذوه، وما خالف كتاب الله فردوه» وقوله: «دعوا ما وافق القوم، فإن الرشد في خلافهم» وقوله

______________________________

(1) الفقيه3:1، 5.

(2) في المصدر: وافى.

( 9 )


(عليه السلام): خذوا بالمجمع عليه، فإن المجمع عليه لا ريب فيه. ونحن لا نعرف من جميع ذلك إلا أقله، ولا نجد شيئا أحوط ولا أوسع من رد علم ذلك كله إلى العالم ع، وقبول ما وسع من الأمر فيه بقوله: بأيما أخذتم من باب التسليم وسعكم. وقد يسر الله- ولله الحمد-تأليف ما سألت، وأرجو أن يكون بحيث توخيت(1).

وهذا الكلام ظاهر في أن محمد بن يعقوب لم يكن يعتقد صدور روايات كتابه عن المعصومين (عليه السلام) جزما، وإلا لم يكن مجال للاستشهاد بالرواية على لزوم الأخذ بالمشهور من الروايتين عند التعارض، فإن هذا لا يجتمع مع الجزم بصدور كلتيهما، فإن الشهرة إنما تكون مرجحة لتمييز الصادر عن غيره، ولا مجال للترجيح بها مع الجزم بالصدور.

وأما الشيخ الصدوق (قدس سره) فقد قال في خطبة كتابه: «ولم أقصد فيه قصد المصنفين من إيراد جميع ما رووه، بل قصدت إلى إيراد ما أفتي به وأحكم بصحته وأعتقد أنه حجة فيما بيني وبين ربي»(2).

فإن هذا الكلام ظاهر في أن كتاب الكافي في اعتقادالصدوق كان مشتملا على الصحيح وغير الصحيح كسائر المصنفات، فكيف يمكن أن يدعي أن جميع رواياته قطعية الصدور؟.

وأيضا فإن الشيخ الصدوق إنما كتب كتابه (من لا يحضره الفقيه) إجابة لطلب السيد الشريف أبي عبد الله المعروف ب(نعمة الله) فإنه قد طلب من الشيخ الصدوق أن يصنف له كتابا في الفقه ليكون إليه مرجعه، وعليه معتمده، ويكون شافيا في

______________________________

(1) الكافي 1: 9-8.

(2) الفقيه 3:1.

( 10 )


معناه مثل ما صنفه محمد بن زكريا الرازي وترجمه بكتاب: من لا يحضره الطبيب. ولا شك أن كتاب الكافي أوسع وأشمل من كتاب من لا يحضره الفقيه، فلو كانت جميع روايات الكافي صحيحة عند الشيخ الصدوق (قدس سره) فضلا عن أن تكون قطعية الصدور لم تكن حاجة إلى كتابة كتاب: من لا يحضره الفقيه، بل كان على الشيخ الصدوق أن يرجع السيد الشريف إلى كتاب الكافي، ويقول له: إن كتاب الكافي في بابه ككتاب من لا يحضره الطبيب في بابه في أنه شاف في معناه.

ويزيد ذلك وضوحا: أن الشيخ الصدوق قال في باب الوصي يمنع الوارث: «ما وجدت هذا الحديث إلا في كتاب محمد بن يعقوب، ولا رويته إلا من طريقه»(1).

فلو كانت روايات الكافي كلها قطعية الصدور، فكيف يصح ذلك القول من الشيخ الصدوق (قدس سره).

بقي هنا شيء وهو:أنه قد يتوهم أن شهادة الشيخ الصدوق بصحة جميع

روايات كتابه شهادة منه بصدور جميعها عن المعصومين (عليهم السلام)، فإن الصحيح عند القدماء هو ما علم صدوره من المعصوم (عليه السلام)، فهو وإن لم يكن يرى صحة جميع روايات الكافي، إلا أنه كان معتقدا بصحة جميع ما اشتمل عليه كتابه من الروايات. ولكن هذا توهم صرف، فإن الصدوق إنما يريد بالصحيح ما هو حجة بينه وبين الله، أي ما أحرز صدوره من المعصوم (عليه السلام) ولو بالتعبد، ولم يرد بذلك قطعي الصدور وما لا يحتمل فيه الكذب أو الخطأ، كما سيجي ء منه (قدس سره)(2)

______________________________

(1) الفقيه 165:4/ذيل ح578.

(2) في ص 75.

( 11 )


عند البحث عن صحة جميع أخبار الكتب الأربعة وعدمها: تصريحه بأنه يتبع في التصحيح وعدمه شيخه ابن الوليد، فيصحح ما صححه، ولا يصحح ما لم يصححه. أفهل يمكن أن يقال: إنه كان يتبع شيخه في القطع بالصدور وعدم القطع به فكل ما كان مقطوع الصدورلابن الوليدكان مقطوع الصدور للشيخ الصدوق وإلا فلا. فالمتلخص: أنه لم يظهر من الشيخ الصدوق إلا أنه كان يعتقد حجية جميع روايات كتابه ولم يكن يرى ذلك بالإضافة إلى الكافي وغيره من المصنفات.

وأماالشيخ (قدس سره) فلا شك في أنه لم يكن يعتقد صدور جميع روايات كتابيه ولا سائر الكتب والأصول عن المعصومين (عليهم السلام).

ومن ثم ذكر في آخر كتابه أنه يذكر طرقه إلى أرباب الكتب الذين روى عنهم في كتابه، لتخرج الروايات بذلك عن الإرسال إلى الإسناد، فإن هذا الكلام صريح في أن ما رواه في كتابه أخبار آحاد محتملة الصدق والكذب، فإن كان الطريق إليها معلوما كانت من الروايات المسندة، وإلا فهي مرسلات وغير قابلة للاعتماد عليها. وبعبارة أخرى: أن الشيخ إنما التزم بذكر الطريق، لئلا تسقط روايات كتابه عن الحجية لأجل الإرسال، فلو كانت تلك الروايات قطعية الصدور، وكان ذكر الطريق لمجرد التيمن والتبرك، لم يكن الأمر كذلك مع أنه خلاف ما صرح به (قدس سره)، وأيضا فإنه قد تقدم(1) منه أن جواز العمل بما في الكتب المعروفة والأصول المشهورة مشروط بوثاقة الراوي وهذا ظاهر في أنه لم يكن يرى صحة جميع روايات تلك الكتب، فضلا عن القطع بصدورها.

وأيضا إنه (قدس سره) قد ناقش في غير مورد من كتابه في صحة رواية رواها

______________________________

(1) في ص8.

( 12 )


عن الكافي أو أنه لم يروها عنه، ولكنها موجودة في الكافي، أو فيه وفي من لا يحضره الفقيه أيضا، ومع ذلك قد حكم بضعفها، فلو كانت تلك الروايات صحيحة ومقطوعة الصدور من المعصومين (عليه السلام) فكيف ساغ للشيخ أن يناقش فيها بضعف السند.

ومن تلك الموارد:

1- ما رواه عن محمد بن يعقوب بسنده عن أبي سعيد الخدري، قال: «أمررسول الله ص بلالاأن ينادي.»(1).

فإنه قال بعد رواية الحديث: قال محمد بن الحسن: فما تضمن هذا الحديث من تحريم لحم الحمار الأهلي موافق للعامة، والرجال الذين رووا هذا الخبر أكثرهم عامة، وما يختصون بنقله لا يلتفت إليه. وهذا تصريح منه بأن روايات الكافي ليست كلها بصحيحة، فضلا عن كونها مقطوعة الصدور.

2- ما رواه عنه بسنده عن عمران الزعفراني، قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إن السماء تطبق علينا.»، وما رواه عنه بسنده عن عمران الزعفراني أيضا، قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إنا نمكث في الشتاء.»(2).

فإنه قال بعد روايتهما: «إنهما خبر واحد لا يوجبان علما ولا عملا، ولأن راويهماعمران الزعفراني، وهو مجهول، وفي إسناد الحديثين قوم ضعفاء لا نعمل بما يختصون بروايته».

وهذا تصريح من الشيخ بأن كل رواية في الكافي أو غيره إذا كان في سندها

______________________________

(1) التهذيب 40:9/ باب الصيد والزكاة ح170.

(2) الاستبصار 76:2/باب ذكر جكل من الاخبار يتعلق بها أصحاب العدد ح 230، 231.

( 13 )


ضعفاء لا يعمل بها فيما إذا اختصوا بروايتها.

3- ما رواه بسنده عن القاسم بن محمد الزيات، قال: «قلت لأبي الحسن الرضا (عليه السلام): إني ظاهرت من امرأتي.»، وما رواه عن محمد بن يعقوب بسنده عن ابن بكيرعن رجل: «قال: قلت لأبي الحسن (عليه السلام): إني قلت لامرأتي.»، وما رواه بطريقه عن ابن فضال عمن أخبره عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «لا يكون الظهار إلا على مثل موضع الطلاق»(1).

والأولى من هذه الروايات الثلاث رواهامحمد بن يعقوب، عن عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن القاسم بن محمد الزيات(2).

كما أن الثالثة منها رواها الشيخ الصدوق (قدس سره) مرسلة عن الصادق (عليه السلام)(3).

قال الشيخ بعد ذكر هذه الروايات: «أول ما في هذه الأخبار أن الخبرين منهما وهما الأخيران مرسلان، والمراسيل لا يعترض بها على الأخبار المسندة لما بيناه في غير موضع.

وأما الخبر الأول فراويه أبو سعيد الآدمي-سهل بن زياد- وهو ضعيف جدا عند نقاد الأخبار، وقد استثناه أبو جعفر ابن بابويه في رجال نوادر الحكمة». أقول: لو كان الشيخ يعتقد أن جميع روايات الكافي والفقيه قطعية الصدور أو أنها صحيحة، وإن لم تكن قطعية الصدور لم يكن يعترض على هذه الروايات بضعف السند أو بالإرسال، ولا سيما أن المرسل ابن بكيرو هو من

______________________________

(1) الاستبصار: 260:3، باب أنه لا يصح الظهار بيمين، ح 933-935.

(2) الكافي: الجزء 158:6، كتاب الطلاق، باب الظهار ح24.

(3) الفقيه: الجزء 3، باب الظهار، ح 1639.

( 14 )


أصحاب الإجماع، وابن فضال المعروف بالوثاقة.

4- الروايات التي دلت على أن شهر رمضان لا ينقص عن ثلاثين يوما أبدا فإن هذه الروايات مع أن جملة منها مذكورة في الكافي والفقيه قد ناقش فيها الشيخ(1) ومن قبله الشيخ المفيد(2)، وحكما بعدم صحتها، وبأنها من شواذ الأخبار. وبيان ذلك: أن محمد بن يعقوب قد عقد بابا ذكر فيه ثلاث روايات دلت على أن شهر رمضان لا ينقص أبدا، الأولى: ما رواه حذيفة بن منصورعن أبي عبد الله (عليه السلام). الثانية: ما رواه محمد بن إسماعيل عن بعض أصحابه عن أبي عبد الله (عليه السلام). الثالثة: ما رواه حذيفة بن منصورعن معاذ بن كثيرعن أبي عبد الله (عليه السلام)(3).

وهذه الروايات ذكرهاالصدوق، إلا أنه روى الثانية عن محمد بن إسماعيل بن بزيع، عن محمد بن يعقوب بن(4) شعيب، عن أبيه، عن أبي عبد الله (عليه السلام). وزاد روايةأبي بصيرعن أبي عبد الله (عليه السلام)، وروايةياسر الخادم عن الرضا (عليه السلام)(5).

قال الصدوق بعد ذكر هذه الروايات: «قال مصنف هذا الكتاب رضي الله عنه: من خالف هذه الأخبار، وذهب إلى الأخبار الموافقة للعامة في ضدها، اتقى

______________________________

(1) كما تقدم في ص7.

(2) كما سيأتي بعد قليل.

(3) الكافي 78:4/ كتاب الصيام، باب نادر ح1- 3.

(4) في الفقيه: (عن) بدل (بن).

(5) الفقيه 110:2 /باب النوادر 470- 474.

( 15 )


كما يتقي العامة ولا يكلم إلا بالتقية كائنا من كان، إلا أن يكون مسترشدا فيرشد ويبين له، فإن البدعة إنما تماث وتبطل بترك ذكرها ولا قوة إلا بالله». أقول: هذه الروايات التي ذكرهامحمد بن يعقوب، وصححهاالصدوق، وبالغ في تصحيحها ولزوم العمل بها قد تعرض لهاالشيخ المفيد (قدس سره) في رسالته المعروفة بالرسالة العددية، وناقش في إسنادها، وذكر أنها روايات شاذة لا يمكن الاستدلال بها. قال المفيد: «وأما ما تعلق به أصحاب العدد من أن شهر رمضان لا يكون أقل من ثلاثين يوما، فهي أحاديث شاذة قد طعن نقلة الآثار من الشيعةفي سندها، وهي

مثبتة في كتب الصيام، في أبواب النوادر، والنوادر هي التي لا عمل عليها. وأنا أذكر جملة ما جاءت به الأحاديث الشاذة وأبين عن خللها وفساد التعلق بها في خلاف الكافة إن شاء الله. فمن ذلك حديث رواه محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن محمد بن سنان، عن حذيفة بن منصور، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: شهر رمضان ثلاثون يوما لا ينقص أبدا. وهذا حديث شاذ نادر غير معتمد عليه. في طريقه محمد بن سنان، وهو مطعون فيه، لا تختلف العصابة في تهمته وضعفه، وما كان هذا سبيله لم يعمل عليه في الدين.

ومن ذلك حديث رواه محمد بن يحيى العطار، عن سهل بن زياد الآدمي، عن محمد بن إسماعيل، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: إن الله عز وجل خلق الدنيا في ستة أيام، ثم اختزلها من أيام السنة، فالسنة ثلاثمائة وأربعة وخمسون يوما، وشعبان لا يتم، وشهر رمضان لا ينقص أبدا، ولا

( 16 )


تكون فريضة ناقصة، إن الله تعالى يقول: (وَلِتُكْمِلُوا اَلْعِدَّةَ)(1).

وهذا الحديث شاذ مجهول الإسناد، ولو جاء بفعل صدقة أو صيام أو عمل لوجب التوقف فيه، فكيف إذا جاء بشيء يخالف الكتاب والسنة وإجماع الأمة، ولا يصح على حساب ذمي ولا ملي ولا مسلم ولا منجم، ومن عول على مثل هذا الحديث في فرائض الله تعالى فقد ضل ضلالا بعيدا، وبعد: فالكلام الذي فيه بعيد من كلام العلماء فضلا عن أئمة الهدى ع، لأنه قال فيه لا تكون فريضة ناقصة وهذا لا معنى له، لأن الفريضة بحسب ما فرضت، فإذا أديت على الثقيل أو الخفيف(2) لم تكن ناقصة، والشهر إذا كان تسعة وعشرين يوما، ففرض صيامه لا ينسب إلى النقصان في الفرض، كما أن صلاة السفر إذا كانت على الشطر من صلاة الحضر لا يقال لها صلاة ناقصة، وقد أجل الله إمام الهدى (عليه السلام) عن القول بأن الفريضة إذا أديت على التخفيف كانت ناقصة. وقد بينا أن من صام شهرين متتابعين في كفارة ظهار، فكانا ثمانية وخمسين يوما لم يكن فرضا ناقصا، بل كان فرضا تاما.

ثم احتج لكون شهر رمضان ثلاثين يوما لم ينقص عنها بقوله تعالى:(وَلِتُكْمِلُوا اَلْعِدَّةَ). وهذا نقد(3) في قضاء الفائت بالمرض والسفر. ألا ترى إلى قوله تعالى:(وَمَنْ كََانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى;ََ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيََّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اَللََّهُ بِكُمُ اَلْيُسْرَ وَلاََ يُرِيدُ بِكُمُ اَلْعُسْرَ، وَلِتُكْمِلُوا اَلْعِدَّةَ)أي عدة صوم شهر رمضان، وما أوجب ذلك أن يكون ثلاثين يوما، بل كانت الفائدة فيه كمال صيام عدّة

______________________________

(1) البقرة 185:2.

(2) [في المصدر: على التثقيل أو التخفيف].

(3) [في المصدر: نص].

( 17 )


الشهر، وقد تكمل عدّة الشهر ثلاثين يوما إذا كان تامّا، وتكمل بتسعة وعشرين يوما إذا كان ناقصا. وقد بينا ذلك في صيام الكفارة إذا كانا شهرين متتابعين وإن كانا ناقصين أو أحدهما كاملا والآخر ناقصا.

ومما تعلقوا به أيضاحديث رواه محمد بن الحسين بن أبي الخطاب عن محمد بن إسماعيل بن بزيع، عن محمد بن يعقوب بن شعيب، عن أبيه عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: قلت له: إن الناس يروون أن رسول الله ص صام شهر رمضان تسعة وعشرين يوما أكثر مما صام ثلاثين يوما؟ فقال: كذبوا ما صام إلا تاما، ولا تكون الفرائض ناقصة. وهذا الحديث من جنس الأول وطريقه، وهو حديث شاذ لا يثبت عند أصحابه إلا نادرا(1)، وقد طعن فيه فقهاءالشيعة، فإنهم قالوامحمد بن يعقوب بن شعيب لم يرو عن أبيه حديثا واحدا غير هذا الحديث، ولو كانت له رواية عن أبيه لروى عنه أمثال هذا الحديث، ولم يقتصر على حديث واحد لم يشركه فيه غيره، مع أن ليعقوب بن شعيب رحمه الله أصلا قد جمع فيه كل ما رواه عن أبي عبد الله (عليه السلام)، ليس هذا الحديث منه، ولو كان مما رواه يعقوب بن شعيب لأورده في أصله الذي جمع فيه حديثه عن أبي عبد الله (عليه السلام)، وفي خلو أصله منه دليل على أنه وضع، مع أن في الحديث ما قد بيناه بعده في قول الأئمة (عليه السلام) وهو الطعن في قول من قال: إن شهر رمضان تسعة وعشرون يوما، لأن الفريضة لا تكون ناقصة، والشهر إذا كان تسعة وعشرين يوما كانت فريضة الصوم فيه غير ناقصة(2) وإذا

______________________________

(1) [في المصدر: عند أصحاب الآثار].

(2) [في المصدر: ماكانت فريضة الصوم فيه ناقصة].

( 18 )


كان فرض السفر لصلاة الظهر ركعتين لم يكن الفرض ناقصا، وإن كان على الشطر من صلاة الحضر، كما أن صلاة العليل جالسا لا يكون فرضها ناقصا كذلك إذا صام الكفارة فصام شهرين ناقصين لا تكون الكفارة ناقصة. وهذا يدلك على أن واضع الحديث عامي غفل(1)، بعيد من العلماء، وحاشا أئمة الهدى (عليه السلام) مما أضافه إليهم الجاهلون، وعزاه إليهم المفترون والله المستعان.

فهذه الأحاديث الثلاثة مع شذوذها، واضطراب سندها وطعن العلماء في رواتها هي التي يعتمد عليها أصحاب العدد المتعلقون بالنقل، وقد بينا ضعف التعلق بها مما فيه كفاية والحمد لله»(2).

وتقدم كلام الشيخ الطوسي في ذلك قريبا.

ولا شك في أن المفيدوالشيخ كانا يعاملان مع روايات الكافي والفقيه وغيرها من الروايات المودعة في الكتب والأصول معاملة الخبر غير القطعي فإن كان راويها من الضعفاء أو كانت الرواية مرسلة طرحاها، سواء كانت الرواية مروية في الكافي أوالفقيه أو غيرهما من الكتب والأصول المعروفة والمشهورة. وليت شعري إذا كان مثل المفيدوالشيخ (قدس سرهما)، مع قرب عصرهما، وسعة اطلاعهما لم يحصل لهما القطع بصدور جميع هذه الروايات من المعصومين (عليهم السلام)، فمن أين حصل القطع لجماعة متأخرين عنهما زمانا ورتبة؟ أوليس حصول القطع يتوقف على مقدمات قطعية بديهية أو منتهية إلى البداهة؟.

وقد ذكرصاحب الوسائل لإثبات ما ادعاه من صحة ما أودعه في كتابه من الأخبار، وصدورها من المعصومين (عليه السلام) وجوها، سماها أدلة، ولا يرجع

(1) [في المصدر: عقل].

(2) الرسالة العددية (مصنّفات الشيخ المفيد9): 19 ـ 25.

( 19 )


شيء منها إلى محصل، ولا يترتب على التعرض لها والجواب عنها غير تضييع الوقت، وأحسنها الوجه الأول الذي أشرنا إليه(1) وأجبنا عنه، ولا بأس أن نذكر له كلاما في المقام ليظهر للباحث حال بقية ما ذكره دليلا على مدعاه. قال في الوجه التاسع مما ذكره:

«والعجب أن هؤلاء المتقدمين، بل من تأخر عنهم كالمحقق والعلامة والشهيدين وغيرهم إذا نقل واحد منهم قولا عن أبي حنيفةأو غيره من علماء العامة أو الخاصة، أو نقل كلاما من كتاب معين، ورجعنا إلى وجداننا، نرى أنه قد حصل لنا العلم بصدق دعواه، وصحة نقله-لا الظن- وذلك علم عادي، كما نعلم أن الجبل لم ينقلب ذهبا، والبحر لم ينقلب دما. فكيف يحصل العلم من نقله عن غير المعصوم، ولا يحصل من نقله عن المعصوم غير الظن، مع أنه لا يتسامح ولا يتساهل من له أدنى ورع وصلاح في القسم الثاني، وربما يتساهل في الأول»(2).

أقول: ليت شعري كيف خفي على مثل الشيخ الحر: الفارق بين الأمرين، والمائز بين الموردين، فإن المحقق والعلامة والشهيدين وأمثالهم إذا نقلوا شيئا من أبي حنيفة، فإنما ينقلونه عن حس، لمشاهدة ذلك في كتاب جامع لآرائه،

وأما إذا نقلوا أمرا من معصوم، فإنما ينقلونه عنه حسبما أدت إليه آراؤهم وأنظارهم، وكيف يقاس الثاني بالأول. ومما يؤكد أيضا بطلان دعوى القطع بصدور أخبار الكتب الأربعة عن المعصومين (عليه السلام) اختلاف هذه الكتب في السند أو المتن. وسنبين موارده في ضمن التراجم إن شاء الله تعالى.

______________________________

(1) في ص 6.

(2) الوسائل 30 (الخاتمة): 257/ التاسع.

( 20 )


بل يتفق-في غير مورد-أن الرواية الواحدة تذكر في كتاب واحد مرتين أو أكثر مع الاختلاف بينهما في السند أو المتن، وأكثر هذه الكتب اختلافاكتاب التهذيب حتى أنه قال في الحدائق(1) : «قلما يخلو حديث فيه من ذلك(2) في متنه أو سنده». وما ذكره (قدس سره) وإن كان لا يخلو من نوع من المبالغة، إلا أنه صحيح في الجملة. والخلل في روايات التهذيب كثير، نتعرض لبيانه من جهة

السند ضمن التراجم إن شاء الله. ثم إن في الكافي - ولا سيما في الروضة-روايات لا يسعنا التصديق بصدورها عن المعصوم (عليه السلام)، ولا بد من رد علمها إليهم (عليه السلام) والتعرض لها يوجب الخروج عن وضع الكتاب، لكننا نتعرض لواحدة منها ونحيل الباقي إلى الباحثين. فقد روى محمد بن يعقوب بإسناده عن أبي بصيرعن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله عز وجل: (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ)(3) فرسول الله ص الذكر وأهل بيته المسئولون وهم أهل الذكر»(4).

أقول: لو كان المراد بالذكر في الآية المباركةرسول الله ص فمن المخاطب، ومن المراد من الضمير في قوله تعالى:(لَكَ وَلِقَوْمِكَ)وكيف يمكن الالتزام بصدور مثل هذا الكلام من المعصوم (عليه السلام) فضلا عن دعوى القطع بصدوره؟!.

______________________________

(1) الحدائق الناضرة 4: 209

(2) أي التحريف، والتصحيف، والزيادة ، والنقصان.

(3) الزخرف 43: 44.

(4) الکافي 1: 211 / باب أنّ أهل الذکر هم الأئمة (عليهم السلام) ح 4.

( 21 )


وعلى الجملة: أن دعوى القطع بعدم صدور بعض روايات الكافي عن المعصوم (عليه السلام)- ولو إجمالا-قريبة جدا، ومع ذلك كيف يصح دعوى العلم بصدور جميع رواياته عن المعصوم (عليه السلام)، بل ستعرف-بعد ذلك-(1) أن روايات الكتب الأربعة ليست كلها بصحيحة، فضلا عن كونها قطعية الصدور.

______________________________

(1) في ص 69 وما بعدها.

( 22 )


المقدمة الثانية

* المعايير العلمية التي نثبت بها الوثاقة أو الحسن.

* تحديد هذه المعايير وتمحيصها وجلاؤها بشكل دقيق.

بما ذا تثبت الوثاقة أو الحسن

ما تثبت به الوثاقة أو الحسن أمور:

1- نص أحد المعصومين:

مما تثبت به الوثاقة أو الحسن أن ينص على ذلك أحد المعصومين (عليهم السلام). وهذا لا إشكال فيه. إلا أن ثبوت ذلك يتوقف على إحرازه بالوجدان، أو برواية معتبرة. والوجدان وإن كان غير متحقق في زمان الغيبة إلا نادرا، إلا أن الرواية المعتبرة موجودة كثيرا، وستعرف موارده في تضاعيف الكتاب إن شاء الله تعالى. وربما يستدل بعضهم على وثاقة الرجل أو حسنه برواية ضعيفة أو برواية نفس الرجل، وهذا من الغرائب!!فإن الرواية الضعيفة غير قابلة للاعتماد عليها، كما أن في إثبات وثاقة الرجل وحسنه بقول نفسه دورا ظاهرا.

هذا وقد ذكرالمحدث النوري في ترجمة عمران بن عبد الله القمي ما لفظه: «روى الكشي خبرين فيهما مدح عظيم لا يضر ضعف سندهما بعد حصول الظن

( 23 )


منهما»(1) وذكر ذلك غيره أيضا مدعيا الإجماع على حجية الظنون الرجالية.

أقول: يرد على ذلك:

أولا: أن وجود الرواية الضعيفة لا يلازم الظن بالصدق. وثانيا-أن الظن لا يغني من الحق شيئا، ودعوى الإجماع على حجيته في المقام قطعية البطلان.

كيف وهذه الكتب الأصولية-قديما وحديثا-ترى أنها ذكرت أن العمل بالظن حرام ما لم يقم دليل على حجيته. ونسبة الحكم المظنون إلى الشارع حينئذ تشريع محرم. وقد ذكروا موارد خاصة قام الدليل فيها على حجية الظن، وموارد وقع الخلاف فيها ولم يذكر في شيء من الموردين الظنون الرجالية، ولم تنسب حجية الظن الرجالي إلى أحد من الأعلام، فضلا عن أن يدعى الإجماع عليها. وهذه الكتب الفقهية الاستدلالية من زمان الشيخ إلى زمان الفاضلين المحقق والعلامة ومن بعدهما: لا تجد فيها من يدعي ذلك أبدا. وإنما صدر هذا القول من بعض متأخري المتأخرين من دون ذكر منشئه. ولا يبعد أن منشأ ذلك تخيله أن باب العلم منسد في باب الرجال، فينتهي الأمر إلى العمل بالظن لا محالة.

ولعل مدعي الإجماع على حجية الظن الرجالي استند إلى هذا أيضا، بتخيل أن حجية الظن-على تقدير انسداد باب العلم-إجماعية.

ويرد على هذا القول:

أولا: أن باب العلم بالتوثيقات وما بحكمها غير منسد، بناء على ما نبين من جواز الاعتماد على أخبار الأعلام المتقدمين.

وثانيا: أن انسداد باب العلم في كل موضوع لا يوجب حجية الظن في ذلك

______________________________

(1) المستدرک 26 (الخاتمة 8): 271 / 2054.

( 24 )


الموضوع. وإنما العبرة في حجية الظن من باب الكشف أو الحكومة بانسداد باب العلم بمعظم الأحكام الشرعية، فإن ثبت ذلك كان الظن بالحكم الشرعي- وإن نشأ من الظن الرجالي-حجة، سواء أكان باب العلم في الرجال منسدا أم لم يكن، وإذا كان باب العلم والعلمي بمعظم الأحكام مفتوحا لم يكن الظن الرجالي حجة، سواء أكان باب العلم بالرجال منسدا أم لم يكن.

وعلى الجملة، فدعوى حجية الظن الرجالي بخصوصه-فضلا عن دعوى الإجماع عليها-باطلة جزما.

2- نص أحد الأعلام المتقدمين:

ومما تثبت به الوثاقة أو الحسن أن ينص على ذلك أحد الأعلام، كالبرقي، وابن قولويه، والكشي، والصدوق، والمفيد، والنجاشي، والشيخ وأضرابهم. وهذا أيضا لا إشكال فيه، وذلك من جهة الشهادة وحجية خبر الثقة.

وقد ذكرنا في أبحاثنا الأصولية(1) أن حجية خبر الثقة لا تختص بالأحكام الشرعية، وتعم الموضوعات الخارجية أيضا، إلا فيما قام دليل على اعتبار التعدد كما في المرافعات، كما ذكرنا(2) أنه لا يعتبر في حجية خبر الثقة العدالة. ولهذا نعتمد على توثيقات أمثال ابن عقدةوابن فضال وأمثالهما.

فإن قيل: إن إخبارهم عن الوثاقة والحسن-لعله-نشأ من الحدس والاجتهاد وإعمال النظر، فلا تشمله أدلة حجية خبر الثقة، فإنها لا تشمل الأخبار الحدسية، فإذا احتمل أن الخبر حدسي كانت الشبهة مصداقية.

______________________________

(1) [ذکر ذلک في أبحاث فقهية متعدّدة منها ما في شرح العروة الوثقي 3: 156 ، 17: 383].

(2) مصباح الأصول 2 (موسوعة الإمام الخوئي 47): 234.

( 25 )


قلنا: إن هذا الاحتمال لا يعتنى به بعد قيام السيرة على حجية خبر الثقة فيما لم يعلم أنه نشأ من الحدس. ولا ريب في أن احتمال الحس في أخبارهم- ولو من جهة نقل كابر عن كابر وثقة عن ثقة-موجود وجدانا. كيف، وقد كان تأليف كتب الفهارس والتراجم لتمييز الصحيح من السقيم أمرا متعارفا عندهم، وقد وصلتنا جملة من ذلك ولم تصلنا جملة أخرى. وقد بلغ عدد الكتب الرجالية من زمان الحسن بن محبوب إلى زمان الشيخ نيفا ومائة كتاب على ما يظهر من النجاشي(1) والشيخ وغيرهما. وقد جمع ذلك البحاثة الشهير المعاصر الشيخ آقا بزرگ الطهراني في كتابه مصفى المقال.

قال الشيخ في كتاب العدةفي آخر فصل في ذكر خبر الواحد: «إنا وجدنا الطائفة ميزت الرجال الناقلة لهذه الأخبار فوثقت الثقات منهم، وضعفت الضعفاء، وفرقت بين من يعتمد على حديثه وروايته وبين من لا يعتمد على خبره، ومدحوا الممدوح منهم وذموا المذموم. وقالوا: فلان متهم في حديثه، وفلان كذاب، وفلان مخلط، وفلان مخالف في المذهب والاعتقاد، وفلان واقفي، وفلان فطحي، وغير ذلك من الطعون التي ذكروها. وصنفوا في ذلك الكتب واستثنوا الرجال من جملة ما رووه من التصانيف في فهارسهم، حتى أن واحدا منهم إذا أنكر حديثا طعن في إسناده وضعفه بروايته. هذه عادتهم على قديم وحديث لا تنخرم»(2).

والنجاشي قد يسند ما يذكره إلى أصحاب الرجال ويقول: «ذكره أصحاب الرجال». وهذه العبارات-كما ترى-صريحة الدلالة على أن التوثيقات أو

______________________________

(1) [لعلّه من خلال ذکره الکتب ومصنّفيها].

(2) العدّة في اُصول الفقه 1: 141 ـ 142 (مع اختلاف يسير).

( 26 )


التضعيفات، والمدح أو القدح كانت من الأمور الشائعة المتعارفة بين العلماء، وكانوا ينصون عليها في كتبهم.

وبهذا يظهر أن مناقشة الشيخ فخر الدين الطريحي في مشتركاته(1) -بأن توثيقات النجاشي أوالشيخ يحتمل أنها مبنية على الحدس، فلا يعتمد عليها-في غير محلها.

3- نص أحد الأعلام المتأخرين:

ومما تثبت به الوثاقة أو الحسن أن ينص على ذلك أحد الأعلام المتأخرين، بشرط أن يكون من أخبر عن وثاقته معاصرا للمخبر أو قريب العصر منه، كما يتفق ذلك في توثيقات الشيخ منتجب الدين، أوابن شهرآشوب وأما في غير ذلك كما في توثيقات ابن طاوس والعلامة وابن داودو من تأخر عنهم كالمجلسي لمن كان بعيدا عن عصرهم فلا عبرة بها، فإنها مبنية على الحدس والاجتهاد جزما. وذلك: فإن السلسلة قد انقطعت بعدالشيخ، فأصبح عامة الناس إلا قليلا منهم مقلدين يعملون بفتاوى الشيخ ويستدلون بها كما يستدل بالرواية على ما صرح به الحلي في السرائر(2) وغيره في غيره.

والذي يكشف عما ذكرناه أنهم حينما يذكرون طرقهم إلى أرباب الأصول والكتب، المعاصرين للمعصومين (عليه السلام) يذكرون طرقهم إلى الشيخ،

ويحيلون ما بعد ذلك إلى طرقه.

فهذاالعلامةذكر في إجازته الكبيرةلبني زهرةطريقا له إلى الشيخ

______________________________

(1) جامع المقال: 17.

(2) السرائر 1: 66.

( 27 )


الصدوق(1)، وإلى والده علي بن الحسين بن بابويه، وإلى الشيخ المفيد، وإلى السيد المرتضى، وإلى أخيه السيد الرضي (قدس الله أسرارهم)، ثم ذكر طرقه إلى كثير من كتب العامة وصحاحهم وإلى جماعة من المتأخرين عن الشيخ (قدس سره). ثم قال: «ومن ذلك جميع كتب أصحابنا السابقين الذين تقدموا على الشيخ أبي جعفر الطوسي زمانا، مثل: الشيخ محمد بن يعقوب الكليني، والحسين بن سعيد، وأخيه الحسن، وظريف بن ناصح، وغيرهم مما هو مذكور في كتاب فهرست المصنف للشيخ أبي جعفر الطوسي برجاله المثبتة في الكتاب»(2).

وهذاالشهيد الثاني في إجازته الكبيرة للشيخ عبد الصمدوالدالشيخ البهائي بعد ما ذكر عدة طرق له إلى الشيخ أبي جعفر الطوسي، قال: «وبهذه الطرق نروي جميع مصنفات من تقدم على الشيخ أبي جعفرمن المشايخ المذكورين وغيرهم، وجميع ما اشتمل عليه كتابه فهرست أسماء المصنفين وجميع كتبهم ورواياتهم بالطرق التي تضمنتها الأحاديث. وإنما أكثرنا الطرق إلى الشيخ أبي جعفر، لأن أصول المذهب كلها ترجع إلى كتبه ورواياته»(3).

وعلى الجملة: فالشيخ (قدس سره) هو حلقة الاتصال بين المتأخرين وأرباب الأصول التي أخذ منها الكتب الأربعة وغيرها. ولا طريق للمتأخرين إلى توثيقات رواتها وتضعيفهم غالبا إلا الاستنباط، وإعمال الرأي والنظر. ومما يؤكد ما ذكرناه من انقطاع السلسلة أن كتاب الكشي الذي هو أحد الأصول الرجالية- وقد حكى عنه النجاشي في رجاله -لم يصل إلى المتأخرين، فلم

______________________________

(1) لم نعثر علی ذلک فلاحظ البحار 104 : 60 ـ 137.

(2) أوردها في البحار 104: 106.

(3) أوردها في البحار 105: 163.

( 28 )


ينقلوا عنه شيئا، وإنما وصل إليهم اختيارالكشي الذي رتبه الشيخ واختاره من كتاب الكشي. وكذلك كتاب رجال ابن الغضائري. فإنه لم يثبت عند المتأخرين، وقد ذكره ابن طاوس عند ذكره طرقه إلى الأصول الرجالية أنه لا طريق له إلى هذا الكتاب(1).

وأماالعلامة وابن داودوالمولى القهبائي فإنهم وإن

كانوا يحكون عن هذا الكتاب كثيرا إلا أنهم لم يذكروا إليه طريقا.

ومن المطمأن به عدم وجود طريق لهم إليه. وهذاالعلامةقد ذكر في إجازته الكبيرة أسماء الكتب التي له طريق إليها، حتى أنه-مضافا إلى ما ذكره من كتب أصحابنا المتقدمين على الشيخ والمتأخرين عنه-ذكر شيئا كثيرا من كتب العامة في الحديث والفقه والأدب وغير ذلك. ومع ذلك فلم يذكررجال ابن الغضائري في ما ذكره من الكتب. وهذا كاشف عن أنه لم يكن له طريق إليه، وإلا لكان هذا أولى بالذكر من أكثر ما ذكره في تلك الإجازة. نعم إن الشهيد الثاني في إجازته المتقدمة(2)، والآغا حسين الخونساري في إجازته لتلميذه الأمير ذي الفقار(3) ذكراكتاب الرجال للحسين بن عبيد الله بن الغضائري في ضمن الكتب التي ذكرا طريقهما إليها. فربما يستظهر من ذلك أن كتاب الرجال للحسين بن عبيد الله قد وصل إليهما وكان عندهما، ولكن واقع الأمر على خلاف ذلك، فإن الشهيدقدس سره يذكر في طريقه إلى هذا الكتاب العلامة، وأنه يروي هذا الكتاب بطريق العلامةإليه. وقد

______________________________

(1) حکاه عنه في التحرير الطاووسي: 5 (ضمن المقدّمة)

(2) أوردها في البحار 105 : 159 ـ 160.

(3) أوردها في البحار 104 : 89.

( 29 )


عرفت أن المطمأن به أن العلامةلا طريق له إلى هذا الكتاب.

هذا، مضافا إلى أن الشهيديوصل طريقه إلى النجاشي عن الحسين بن عبيد الله الغضائري وهذا على خلاف الواقع، فإن الحسين بن عبيد الله شيخ النجاشي، وتعرض النجاشي لترجمته وذكر كتبه،(1) ولم يذكر فيهاكتاب الرجال، بل لم ينقل عنه في مجموع كتابه شيئا يستشعر منه أن له كتاب الرجال، وكذلك الشيخ يروي عن الحسين بن عبيد الله كثيرا، ولم ينسب إليه كتاب الرجال، ولا ما يستشعر منه وجود كتاب له في الرجال. والمتحصل: أن ما ذكره الشهيد الثاني من وجود طريق له إلى كتاب الحسين بن عبيد الله فيه سهو بين. وبذلك يظهر الحال في طريق الآغا حسين الخونساري، فإن طريقه هو طريق الشهيد الثاني. ويروي ما ذكره من الكتب بطريقه إلى الشهيدقدس سره(2).

هذا حال كتاب الكشي، وكتاب ابن الغضائري المعدودين من الأصول الرجالية.

وأما باقي الكتب الرجالية المعروفة في عصرالشيخ والنجاشي فلم يبق منها عين ولا أثر في عصر المتأخرين. نعم قد يتفق أن العلامة وابن داوديحكيان عن ابن عقدةتوثيقا لأحد إلا أنهما لا يذكران مستند حكايتهما. والعلامةلم يذكر فيما ذكره من الكتب التي له إليها طريق في إجازته الكبيرة: كتاب الرجال لابن عقدة. وقد تحصل مما ذكرناه أن ابن طاوس والعلامة وابن داودو من تأخر عنهم إنما يعتمدون في توثيقاتهم وترجيحاتهم على آرائهم واستنباطاتهم أو على ما

______________________________

(1) رجال النجاشي: 69/ 166.

(2) أوردها في البحار 104 ـ 87 ، 88.

( 30 )


استفادوه من كلام النجاشي أوالشيخ في كتبهم، وقليلا ما يعتمدون على كلام غيرهما، وقد يخطئون في الاستفادة كما سنشير إلى بعض ذلك في موارده، كما قد يخطئون في الاستنباط، فترى العلامةيعتمد على كل إمامي لم يرد فيه قدح، يظهر ذلك مما ذكره في ترجمة أحمد بن إسماعيل بن سمكة(1) و غير ذلك.

وترى المجلسي يعد كل من للصدوق إليه طريق ممدوحا(2) - وهو غير صحيح-على ما نبينه عن قريب إن شاء الله تعالى، وعليه فلا يعتد بتوثيقاتهم بوجه من الوجوه.

4- دعوى الإجماع من قبل الأقدمين:

ومن جملة ما تثبت به الوثاقة أو الحسن هو أن يدعي أحد من الأقدمين الأخيار الإجماع على وثاقة أحد، فإن ذلك وإن كان إجماعا منقولا، إلا أنه لا يقصر عن توثيق مدعي الإجماع نفسه منضما إلى دعوى توثيقات أشخاص آخرين، بل أن دعوى الإجماع على الوثاقة يعتمد عليها حتى إذا كانت الدعوى من المتأخرين، كما اتفق ذلك في إبراهيم بن هاشم، فقد ادعى ابن طاوس الاتفاق على وثاقته(3)، فإن هذه الدعوى تكشف عن توثيق بعض القدماء لا محالة، وهو يكفي في إثبات الوثاقة.

______________________________

(1) خلاصة الأقوال: 67 / 87.

(2) رجال المجلسي: 409.

(3) [لاحظ فلاح السائل: 284 / الفصل التاسع عشر ح6، فإنّ العبارة الدالّة علی ذلک ممّا لم تتّفق عليها النُسَخ].

( 31 )


المقدمة الثالثة

* قيمة التوثيق الضمني للأشخاص الذين تم توثيقهم ضمن توثيق غيرهم.

* تساوي التوثيق التضمني مع التوثيق المطابقي.

التوثيقات العامة

قد عرفت فيما تقدم(1) أن الوثاقة تثبت بإخبار ثقة، فلا يفرق في ذلك بين أن يشهد الثقة بوثاقة شخص معين بخصوصه وأن يشهد بوثاقته في ضمن جماعة، فإن العبرة هي بالشهادة بالوثاقة، سواء أكانت الدلالة مطابقية أم تضمنية.

ولذا تحكم بوثاقة جميع مشايخ علي بن إبراهيم الذين روى عنهم في تفسيره مع انتهاء السند إلى أحد المعصومين (عليهم السلام). فقد قال في مقدمة تفسيره: «ونحن ذاكرون ومخبرون بما ينتهي إلينا، ورواه مشايخنا وثقاتنا عن الذين فرض الله طاعتهم.»(2) فإن في هذا الكلام دلالة ظاهرة على أنه لا يروي في كتابه هذا إلا عن ثقة.

بل استفاد صاحب الوسائل في الفائدة السادسة في كتابه في ذكر شهادة جمع

______________________________

(1) في ص 25.

(2) تفسير القمّي 1: 4.

( 32 )


كثير من علمائنا بصحة الكتب المذكورة وأمثالها وتواترها وثبوتها عن مؤلفيها وثبوت أحاديثها عن أهل بيت العصمة (عليه السلام) أن كل من وقع في إسناد روايات تفسير علي بن إبراهيم المنتهية إلى المعصومين (عليهم السلام)، قد شهدعلي بن إبراهيم بوثاقته، حيث قال: «وشهدعلي بن إبراهيم أيضا بثبوت أحاديث تفسيره

وأنها مروية عن الثقات عن الأئمة (عليهم السلام)»(1). أقول: إن ما استفاده (قدس سره) في محله، فإن علي بن إبراهيم يريد بما ذكره إثبات صحة تفسيره، وأن رواياته ثابتة وصادرة من المعصومين (عليهم السلام)، وأنها انتهت إليه بوساطة المشايخ والثقات من الشيعة. وعلى ذلك فلا موجب لتخصيص التوثيق بمشايخه الذين يروي عنهم (عليهم السلام)لي بن إبراهيم بلا واسطة كما زعمه بعضهم.

وبما ذكرناه نحكم بوثاقة جميع مشايخه الذين وقعوا في إسنادكامل الزيارات أيضا، فإن جعفر بن قولويه قال في أول كتابه: «وقد علمنا بأنا لا نحيط بجميع ما روي عنهم في هذا المعنى ولا في غيره، لكن ما وقع لنا من جهة الثقات من أصحابنا رحمهم الله برحمته ولا أخرجت فيه حديثا روي عن الشذاذ من الرجال يؤثر ذلك عنهم (عليهم السلام)ن المذكورين غير المعروفين بالرواية المشهورين بالحديث والعلم.»(2). فإنك ترى أن هذه العبارة واضحة الدلالة على أنه لا يروي في كتابه رواية عن المعصوم إلا وقد وصلت إليه من جهة الثقات من أصحابنا رحمهم الله، قال صاحب الوسائل بعد ما ذكر شهادة علي بن إبراهيم بأن روايات تفسيره

______________________________

(1) الوسائل 30 (الخاتمة): 193 / أوّل الغائدة السادسة.

(2) کامل الزيارات: 4.

( 33 )


ثابتة ومروية عن الثقات من الأئمة (عليهما السلام): «وكذلك جعفر بن محمد بن قولويه، فإنه صرح بما هو أبلغ من ذلك في أول مزاره». أقول: إن ما ذكره متين، فيحكم بوثاقة من شهدعلي بن إبراهيم أوجعفر بن محمد بن قولويه بوثاقته، اللهم إلا أن يبتلى بمعارض. وممن شهد بوثاقة جماعة-على نحو الإجمال-النجاشي، فإنه يظهر منه توثيق جميع مشايخه. قال (قدس سره) في ترجمةأحمد بن محمد بن عبيد الله بن الحسن الجوهري: «رأيت هذا الشيخ وكان صديقا لي ولوالدي وسمعت منه شيئا كثيرا، ورأيت شيوخنا يضعفونه فلم أرو عنه شيئا، وتجنبته.»(1). وقال في ترجمةمحمد بن عبد الله بن محمد بن عبيد الله بن البهلول: «وكان في أول أمره ثبتا ثم خلط، ورأيت جل أصحابنا يغمزونه ويضعفونه. رأيت هذا الشيخ، وسمعت منه كثيرا، ثم توقفت عن الرواية عنه إلا بواسطة بيني وبينه»(2).

ولا شك في ظهور ذلك في أنه لا يروي عن ضعيف بلا واسطة فيحكم بوثاقة جميع مشايخه.

هذا وقد يقال: إنه لا يظهر من كلامه إلا أنه لا يروي بلا واسطة عمن غمز فيه أصحابنا أو ضعفوه. ولا دلالة فيه على أنه لا يروي عمن لم يثبت ضعفه ولا وثاقته، إذا لا يمكن الحكم بوثاقة جميع مشايخه، ولكنه لا يتم. فإن

الظاهر من قوله: «ورأيت جل أصحابنا.»أن الرؤية أخذت طريقا إلى ثبوت الضعف، ومعناه أنه لا يروي عن الضعيف بلا واسطة، فكل من روى عنه فهو ليس بضعيف، فيكون ثقة لا محالة.

______________________________

رجال النجاشي: 85/ 207.

(2) المصدر المتقدّم: 396 / 1059.

( 34 )


وبعبارة واضحة أنه فرع عدم روايته عن شخص برؤيته أن شيوخه يضعفونه. ومعنى ذلك أن عدم روايته عنه مترتب على ضعفه، لا على التضعيف من الشيوخ، ولعل هذا ظاهر. وهذا الذي ذكرناه هو المهم من التوثيقات العامة، ويأتي عن النجاشي في ترجمة عبيد الله بن أبي شعبة الحلبي: «أن آل أبي شعبةبيت بالكوفةو هم ثقات جميعا»(1)، وفي ترجمةمحمد بن الحسن بن أبي سارة: «أن بيت الرواسي كلهم ثقات»(2)، ويأتي عن الشيخ في ترجمة علي بن الحسن بن محمد الطائي(3) : «أن من روى عنه علي بن الحسن الطاطري في كتبه يوثق به وبروايته»(4).

بقي هنا أمران:

الأول: أن الشيخ محمد بن المشهدي، قال في أول مزاره: «فإني قد جمعت في كتابي هذا من فنون الزيارات للمشاهد، وما ورد في الترغيب في المساجد المباركات والأدعية المختارات وما يدعى به عقيب الصلوات وما يناجى به القديم تعالى من لذيذ الدعوات والخلوات، وما يلجأ إليه من الأدعية عند المهمات، مما اتصلت به ثقات الرواة إلى السادات.»(5).

وهذا الكلام منه صريح في توثيق جميع من وقع في إسناد روايات كتابه. لكنه لا يمكن الاعتماد على ذلك من وجهين:

______________________________

رجال النجاشي: 230 / 612 (مع اختلاف عمّا في المصدر).

(2) لاحظ المصدر المتقدّم : 324 / 883.

(3) المعروف بالطاطري أيضاً.

(4) الفهرست: 92/ 380 (نقل بالمعني).

(5) المزار الکبير : 3.

( 35 )


1- أنه لم يظهر اعتبار هذا الكتاب في نفسه، فإن محمد بن المشهدي لم يظهر حاله، بل لم يعلم شخصه وإن أصر المحدث النوري(1) : على أنه محمد بن جعفر بن علي بن جعفر المشهدي الحائري، فإن ما ذكره في وجه ذلك لا يورث إلا الظن.

2- أن محمد بن المشهدي من المتأخرين، وقد مر(2) أنه لا عبرة بتوثيقاتهم

لغير من يقرب عصرهم من عصره، فإنا قد ذكرنا أن هذه التوثيقات مبنية على النظر والحدس، فلا يترتب عليها أثر.

الثاني: أن الصدوق قال في أول كتابه المقنع: «وحذفت الإسناد منه لئلا يثقل حمله، ولا يصعب حفظه، ولا يمله قاريه، إذ كان ما أبينه فيه في الكتب الأصولية موجودا مبينا عن المشايخ العلماء الفقهاء الثقات رحمهم الله»(3).

وهذا الكلام قد يوهم أنه شهادة إجمالية من الشيخ الصدوق بوثاقة رواة ما ذكره في كتابه، فلا بد وأن يعامل معه معاملة الخبر الصحيح. ولكن ذلك خلاف الواقع، فإن الشيخ الصدوق لا يريد بذلك أن رواة ما ذكره في كتابه ثقات إلى أن يتصل بالمعصوم (عليه السلام)، وإنما يريد بذلك أن مشايخه الثقات قد رووا هذه الروايات، وهو يحكم بصحة ما رواه الثقات الفقهاء وأثبتوه في كتبهم، على ما ستعرفه(4).

والذي يدل على ما ذكرناه أن الشيخ الصدوق وصف المشايخ بالعلماء الفقهاء الثقات، وقل ما يوجد ذلك في الروايات في تمام سلسلة السند، فكيف يمكن ادعاء

______________________________

(1) المستدرک 19 (الخاتمة 1): 360.

(2) في ص 27.

(3) المقنع: 5.

(4) في ص 75.

( 36 )


ذلك في جميع ما ذكره في كتابه. وبذلك يظهر الحال فيما ذكره الطبري في ديباجة كتابه: بشارة المصطفى، قال: «ولا أذكر فيه إلا المسند من الأخبار، عن المشايخ الكبار والثقات الأخيار»(1). على أنه قد مر أنه لا عبرة بتوثيقات المتأخرين لغير من يقرب عصره من عصرهم.

______________________________

(1) بشارة المصطفي: 18.

( 37 )


المقدمة الرابعة

* الوقوف على مناشئ سائر التوثيقات العامة.

* عدم حجية هذه التوثيقات.

* نفي دلالة نصوصها على التوثيق.

مناقشة سائر التوثيقات العامة

إن ما قيل بثبوته في التوثيقات العامة أو الحسن موارد:

1- أصحاب الصادق في رجال الشيخ:

قيل إن جميع من ذكره الشيخ في رجاله من أصحاب الصادق (عليه السلام) ثقات. واستدلوا على ذلك بما ذكره الشيخ المفيدفي أحوال الصادق (عليه السلام)، قال: «إن أصحاب الحديث قد جمعوا أسماء الرواة عنه (عليه السلام) من الثقات على اختلافهم في الآراء والمقالات فكانوا أربعة آلاف»(1).

وقال ابن شهرآشوب: «نقل عن الصادق (عليه السلام) من العلوم ما لم ينقل عن أحد. وقد جمع أصحاب الحديث أسماء الرواة من الثقات على اختلافهم في الآراء والمقالات، وكانوا أربعة آلاف رجل». وقال: «إن ابن عقدة مصنف كتاب

______________________________

(1) الإرشاد 2 (مصنّفات الشيخ المفيد 11): 179.

( 38 )


الرجال لأبي عبد الله عددهم فيه.»(1).

وقد ذكرالشيخ في أول رجاله بأنه يذكر فيه جميع من ذكره ابن عقدة(2).

وممن مال إلى هذا القول الشيخ الحر (قدس سره)، قال في أمل الآمل في ترجمةخليد بن أوفى أبي الربيع الشامي: «ولو قيل بتوثيقه وتوثيق جميع(3) أصحاب الصادق (عليه السلام) إلا من ثبت ضعفه لم يكن بعيدا، لأن المفيدفي

الإرشاد، وابن شهرآشوب في معالم العلماء(4) والطبرسي في إعلام الورى قد وثقوا أربعة آلاف من أصحاب الصادق (عليه السلام)، والموجود منهم في كتب الرجال والحديث لا يبلغون ثلاثة آلاف. وذكرالعلامة وغيره أن ابن عقدةجمع الأربعة آلاف المذكورين في كتب الرجال.»(5).

أقول: الأصل في ذلك هوالشيخ المفيد (قدس سره) وتبعه على ذلك ابن شهرآشوب وغيره.

وأماابن عقدةفهو وإن نسب إليه أنه عدد أصحاب الصادق (عليه السلام) أربعة آلاف، وذكر لكل واحد منهم حديثا إلا أنه لم ينسب إليه توثيقهم. وتوهم المحدث النوري(6) أن التوثيق إنما هو من ابن عقدة، ولكنه باطل جزما. وكيف كان فهذه الدعوى غير قابلة للتصديق، فإنه إن أريد بذلك أن

______________________________

(1) مناقب آل أبي طالب 4: 268 ـ 269 (مع اختلاف يسير).

(2) رجال الطوسي : 17.

(3) [کلمة (جميع) غير موجودة في المصدر].

(4) هذا سهو من قلمه الشريف، فإنّ ابن شهر آشوب لم يذکر هذا في معالم العلماء، وإنّما ذکره في المناقب کما مرّ.

(5) أمل الآمل 1: 83.

(6) المستدرک 25 (الخاتمة 7): 71 / الفائدة الثامنة.

( 39 )


أصحاب الصادق (عليه السلام) كانوا أربعة آلاف كلهم كانوا ثقات: فهي تشبه دعوى أن كل من صحب النبي ص عادل، مع أنه ينافيها تضعيف الشيخ جماعة، منهم إبراهيم بن أبي حبة(1)، والحارث بن عمر البصري(2)، وعبد الرحمن بن الهلقام(3)، وعمرو بن جميع(4)، وجماعة أخرى غيرهم. وقد عدالشيخ أبا جعفر الدوانيقي من أصحاب الصادق (عليه السلام)(5)، أفهل يحكم بوثاقته بذلك، وكيف تصح هذه الدعوى مع أنه لا ريب في أن الجماعة المؤلفة من شتى الطبقات على اختلافهم في الآراء والاعتقادات يستحيل عادة أن يكون جميعهم ثقات. وإن أريد بالدعوى المتقدمة أن أصحاب الصادق كانوا كثيرين، إلا أن الثقات منهم أربعة آلاف، فهي في نفسها قابلة للتصديق، إلا أنها مخالفة للواقع، فإن أحمد بن نوح زاد على ما جمعه ابن عقدةممن روى عن الصادق (عليه السلام) على ما ذكره النجاشي(6)، والزيادة كثيرة على ما ذكره الشيخ في ترجمةأحمد بن نوح(7)،

والشيخ مع حرصه على جمع(8) الأصحاب حتى من لم يذكره ابن عقدة على

______________________________

(1) رجال الطوسي: 158/ 1763.

(2) المصدر التقدّم: 191 / 2370.

(3) المصدر التقدّم: 237/ 3232.

(4) المصدر التقدّم: 251 / 3517.

(5) المصدر التقدّم: 229 / 3102.

(6) رجال النجاشي: 86/ 209.

(7) رجال الطوسي : 37/ 117.

(8) [لعلّ المناسب: جمع].

( 40 )


ما صرح به في أول رجاله(1).

ولأجل ذلك ذكرموسى بن جعفر (عليه السلام)(2) والمنصور الدوانيقي في أصحاب الصادق (عليه السلام)، ومع ذلك فلم يبلغ عدد ما ذكره الشيخ أربعة آلاف. فإن المذكورين في رجاله لا يزيدون على ثلاثة آلاف إلا بقليل، على أنه لو سلمت هذه الدعوى لم يترتب عليها أثر أصلا، فلنفرض أن أصحاب الصادق (عليه السلام) كانوا ثمانية آلاف، والثقات منهم أربعة آلاف، لكن ليس لنا طريق إلى معرفة الثقات منهم، ولا شيء يدلنا على أن جميع من ذكره الشيخ من قسم الثقات، بل الدليل قائم على عدمه كما عرفت.

2- سند أصحاب الإجماع:

ومما قيل بثبوته في التوثيقات العامة أو الحسن هو وقوع شخص في سند رواية رواها أحد أصحاب الإجماع، وهم ثمانية عشر رجلا على ما يأتي، فذهب جماعة إلى الحكم بصحة كل حديث رواه أحد هؤلاء إذا صح السند إليه، حتى إذا كانت روايته عمن هو معروف بالفسق والوضع، فضلا عما إذا كانت روايته عن مجهول أو مهمل، أو كانت الرواية مرسلة، وقد اختار هذا القول صريحاصاحب الوسائل في أوائل الفائدة السابعة من خاتمة كتابه(3).

أقول: الأصل في دعوى الإجماع هذه هوالكشي في رجاله، فقد قال في تسمية الفقهاء من أصحاب أبي جعفر (عليه السلام) وأبي عبد الله (عليه السلام):

1- «أجمعت العصابة على تصديق هؤلاء الأولين من أصحاب أبي جعفر (عليه السلام)، وأصحاب أبي عبد الله (عليه السلام) وانقادوا لهم بالفقه، فقالوا أفقه الأولين ستة: زرارة، ومعروف بن خربوذ، وبريد، وأبو بصير الأسدي، والفضيل بن يسار، ومحمد بن مسلم الطائفي. قالوا: وأفقه الستة: زرارة. وقال بعضهم: مكان أبي

بصير الأسدي أبو بصير المرادي، وهوليث بن البختري»(1).

وقال في

______________________________

(1) رجال الطوسي : 17.

(2) المصدر المتقدّم : 300 / 4405.

(3) الوسائل 30 (الخاتمة): 221.

( 41 )


تسمية الفقهاء من أصحاب أبي عبد الله (عليه السلام):

2- «أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عن هؤلاء وتصديقهم لما يقولون، وأقروا لهم بالفقه من دون أولئك الستة الذين عددناهم وسميناهم(2) ستة نفر: جميل بن دراج، وعبد الله بن مسكان، وعبد الله بن بكير، وحماد بن عثمان، وحماد بن عيسى، وأبان بن عثمان قالوا: وزعم أبو إسحاق الفقيه- وهوثعلبة بن ميمون -أن أفقه هؤلاءجميل بن دراج، وهم أحداث أصحاب أبي عبد الله (عليه السلام)»(3).

وقال في تسمية الفقهاء من أصحاب أبي إبراهيم (عليه السلام)، وأبي الحسن الرضا (عليه السلام):

3- «أجمع أصحابنا على تصحيح ما يصح عن هؤلاء وتصديقهم وأقروا لهم بالفقه والعلم، وهم ستة نفر آخر، دون الستة نفر الذين ذكرناهم في أصحاب أبي عبد الله (عليه السلام)، منهم: يونس بن عبد الرحمن، وصفوان بن يحيى بياع السابري، ومحمد بن أبي عمير، وعبد الله بن المغيرة، والحسن بن محبوب، وأحمد بن محمد بن

______________________________

(1). (2) رجال الکشي: 238/ 431.

(3) نفس المصدر: 375 / 705.

( 42 )


أبي نصر، وقال بعضهم: مكان الحسن بن محبوب الحسن بن علي بن فضال، وفضالة بن أيوب. وقال بعضهم: مكان فضالة بن أيوب عثمان بن عيسى، وأفقه هؤلاءيونس بن عبد الرحمن، وصفوان بن يحيى»(1).

وأما من تأخر عن الكشي، فقد نقل عنه الإجماع، أو أنه ادعى الإجماع تبعا له، فقد ذكر السيدبحر العلوم (قدس سره) في منظومته الإجماع على تصحيح ما يصح عن المذكورين(2).

ولكنه في فوائده في ترجمةابن أبي عمير:(3) حكى

دعوى الإجماع عن الكشي، واعتمد على حكايته، فحكم بصحةأصل زيد النرسي، لأن راويه ابن أبي عمير. وكيف كان فمن الظاهر أن كلام الكشي لا ينظر إلى الحكم بصحة ما رواه أحد المذكورين عن المعصومين (عليهم السلام)، حتى إذا كانت الرواية مرسلة أو مروية عن ضعيف أو مجهول الحال، وإنما ينظر إلى بيان جلالة هؤلاء، وأن الإجماع قد انعقد على وثاقتهم وفقههم وتصديقهم في ما يروونه. ومعنى ذلك أنهم لا يهتمون بالكذب في أخبارهم وروايتهم، وأين هذا من دعوى الإجماع على الحكم بصحة جميع ما رووه عن المعصومين (عليهم السلام)، وإن كانت الواسطة مجهولا أو ضعيفا؟!

قال أبو علي في المقدمة الخامسة من رجاله عند تعرضه للإجماع المدعى على تصحيح ما يصح عن جماعة: «وادعى السيد الأستاذ دام ظله-السيد علي صاحب

______________________________

(1) نفس المصدر : 556 / 1050.

(2) [لم ترد في المنظومة أبيات تشير إلى الإجماع وعددهم وأسمائهم ، نعم ذُکر في رجاله 1: 94 / المقدّمة أنّ للسيد (رحمه الله) رسالة في تحقيق معني (أجمعت العصابة علی تصحيح ما يصحّ عنهم) وقد ذکر المحدّث النوري في المستدرک 25 (الخاتمة 7): 61 أبياته في ذلک].

(3) [بل في ترجمة زيد النرسي، راجع رجال السيد بحر العلوم 2: 366 وما بعدها].

( 43 )


الرياض -أنه لم يعثر في الكتب الفقهية-من أول كتاب الطهارة إلى آخر كتاب الديات-على عمل فقيه من فقهائنا بخبر ضعيف محتجا بأن في سنده أحد الجماعة وهو إليه صحيح»(1).

أقول: لا بد أن السيد صاحب الرياض أراد بذلك أنه لم يعثر على ذلك في كلمات من تقدم على العلامة (قدس سره)، وإلا فهو موجود في كلمات جملة من المتأخرين كالشهيد الثاني(2) والعلامةالمجلسي(3) والشيخ البهائي(4).

ويبعد أن يخفى ذلك عليه. ثم إن التصحيح المنسوب إلى الأصحاب في كلمات جماعة، منهم: صاحب الوسائل -على ما عرفت-نسبه المحقق الكاشاني في أوائل كتابه الوافي إلى المتأخرين، وهو ظاهر في أنه أيضا لم يعثر على ذلك في كلمات المتقدمين. قال في المقدمة الثانية من كتابه بعد ما حكى الإجماع على التصحيح من الكشي: «وقد فهم جماعة من المتأخرين من قوله أجمعت العصابة أو الأصحاب على

تصحيح ما يصح عن هؤلاء الحكم بصحة الحديث المنقول عنهم ونسبته إلى أهل البيت (عليه السلام) بمجرد صحته عنهم، من دون اعتبار العدالة في من يروون عنه، حتى لو رووا عن معروف بالفسق، أو بالوضع فضلا عما لو أرسلوا الحديث كان ما نقلوه صحيحا محكوما على نسبته إلى أهل بيت العصمة ص. وأنت خبير بأن هذه العبارة ليست صريحة في ذلك ولا ظاهرة فيه، فإن ما

______________________________

(1) منتهي المقال 1: 56.

(2) لاحظ الروضة البهية 6: 38 ـ 40، الرعاية في علم الدراية: 80.

(3) راجع کتاب الأربعين: 512، روضة المتّقين 14: 19.

(4) راجع مشرق الشمسين: 720 (مطبوع ضمن رسائل الشيخ البهائي).

( 44 )


يصح عنهم إنما هو الرواية لا المروي. بل كما يحتمل ذلك يحتمل كونها كناية عن الإجماع على عدالتهم وصدقهم، بخلاف غيرهم ممن لم ينقل الإجماع على عدالته»(1).

أقول: ما ذكره متين لا غبار عليه. ثم إنا لو تنزلنا عن ذلك وفرضنا أن عبارةالكشي صريحة في ما نسب إلى جماعة واختاره صاحب الوسائل، فغاية ذلك دعوى الإجماع على حجية رواية هؤلاء عن المعصومين (عليه السلام) تعبدا، وإن كانت الواسطة بينهم وبين المعصوم ضعيفا أو مجهول الحال، فترجع هذه الدعوى إلى دعوى الإجماع على حكم شرعي. وقد بينا في المباحث الأصولية:(2) أن الإجماع المنقول بخبر الواحد ليس بحجة، وأدلة حجية خبر الواحد لا تشمل الأخبار الحدسية.

بقي هنا شيء: وهو أنه قد يقال: إن دعوى الإجماع على تصحيح ما يصح عن الجماعة المذكورين لا ترجع إلى دعوى حجية رواياتهم تعبدا كما ذهب إليه صاحب الوسائل، وإنما ترجع إلى دعوى أن هؤلاء لا يروون إلا عن ثقة. وعليه فيعتمد على مراسيلهم وعلى مسانيدهم، وإن كانت الوسائط مجهولة أو مهملة. ولكن هذا القول فاسد جزما، فإنه لا يحتمل إرادة ذلك من كلام الكشي. ولو سلم أنه أراد ذلك فهذه الدعوى فاسدة بلا شبهة، فإن أصحاب الإجماع قد رووا عن الضعفاء في عدة موارد تقف عليها في تراجمهم في كتابنا هذا إن شاء الله تعالى، ونذكر جملة منها قريبا(3).

______________________________

(1) الوافي 1: 27.

(2) مصباح الأصول 2 (موسوعة الإمام الخوئي 47): 157.

(3) في البحث الآتي.

( 45 )


3- روايةصفوان وأضرابه:

ومما قيل أيضا بثبوته في التوثيقات العامة أو الحسن: هو روايةصفوان، أوابن أبي عمير، أوأحمد بن محمد بن أبي نصرو أضرابهم عن شخص، فقد قيل إنهم لا يروون إلا عن ثقة، وعليه فيؤخذ بمراسيلهم ومسانيدهم، وإن كانت الواسطة مجهولا أو مهملا. أقول: الأصل في هذه الدعوى هوالشيخ (قدس سره)، فقد قال في أواخر بحثه عن خبر الواحد في كتاب العدة: «وإذا كان أحد الراويين مسندا والآخر مرسلا، نظر في حال المرسل. فإن كان ممن يعلم أنه لا يرسل إلا عن ثقة موثوق به، فلا ترجيح لخبر غيره على خبره، ولأجل ذلك سوت الطائفة بين ما يرويه محمد بن أبي عمير، وصفوان بن يحيى، وأحمد بن محمد بن أبي نصر، وغيرهم من الثقات الذين عرفوا بأنهم لا يروون ولا يرسلون إلا عمن يوثق به، وبين ما أسنده غيرهم.»(1).

ولكن هذه الدعوى باطلة، فإنها اجتهاد من الشيخ قد استنبطه من اعتقاده تسوية الأصحاب بين مراسيل هؤلاء ومسانيد غيرهم. وهذا لا يتم.

أولا: بأن التسوية المزبورة لم تثبت، وإن ذكرهاالنجاشي أيضا في ترجمةمحمد بن أبي عمير، وذكر أن سببها ضياع كتبه وهلاكها(2)، إذ لو كانت هذه التسوية صحيحة، وأمرا معروفا متسالما عليه بين الأصحاب، لذكرت في كلام أحد من القدماء لا محالة، وليس منها في كلماتهم عين ولا أثر. فمن المطمأن به أن منشأ هذه الدعوى هو دعوى الكشي الإجماع على تصحيح ما يصح عن هؤلاء. وقد زعم الشيخ أن منشأ الإجماع هو أن هؤلاء لا

______________________________

(1) العدّة في اُصول الفقه 1: 154.

(2) رجال النجاشي : 326 / 887.

( 46 )


يروون إلا عن ثقة، وقد مر قريبا بطلان ذلك. ويؤكد ما ذكرناه أن الشيخ لم يخص ما ذكره بالثلاثة المذكورين بل عممه لغيرهم من الثقات الذين عرفوا بأنهم لا يروون إلا عمن يوثق به.

ومن الظاهر أنه لم يعرف أحد بذلك من غير

جهة دعوى الكشي الإجماع على التصحيح، والشيخ بنفسه أيضا لم يدع ذلك في حق أحد غير الثلاثة المذكورين في كلامه. ومما يكشف عما ذكرناه-من أن نسبةالشيخ التسوية المذكورة إلى الأصحاب مبتنية على اجتهاده، وهي غير ثابتة في نفسها-أن الشيخ بنفسه ذكر روايةمحمد بن أبي عميرعن بعض أصحابنا عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام). ثم قال في كلا الكتابين: «فأول ما فيه أنه مرسل، وما هذا سبيله لا يعارض به الأخبار المسندة»(1).

وأيضا ذكر روايةمحمد بن علي بن محبوب، عن العباس عن عبد الله بن المغيرة عن بعض أصحابه عن أبي عبد الله (عليه السلام). وقال في التهذيب: «وهذا خبر مرسل»، وقال في الإستبصار: «فأول ما في هذا الخبر أنه مرسل»(2).

و غير ذلك من الموارد التي ناقش الشيخ فيها بالإرسال، وإن كان المرسل ابن أبي عميرأو غيره من أصحاب الإجماع. وتقدم(3) عند البحث عن قطعية روايات الكتب الأربعة مناقشته في رواية

______________________________

(1) التهذيب 8: 257/ باب العتق وأحکامه، ذيل ح 932. والاستبصار 4: 27 / باب ولاء السائبة، ذيل ح 87 [وفي الأخير :. لايعترض به على الأخبار المسندة].

(2) التهذيب 1: 415 / باب المياه وأحکامها، ذيل ح 1309. والاستبصار 1: 7 / باب مقدار الماء الذي لا ينجّسه شيء، ذيل ح6.

(3) في ص 14.

( 47 )


ابن بكيروابن فضال، وأنهما مرسلان لا يعارض بهما الأخبار المسندة.

وثانيا: فرضنا أن التسوية المزبورة ثابتة، وأن الأصحاب عملوا بمراسيل ابن أبي عمير، وصفوان، والبزنطي وأضرابهم. ولكنها لا تكشف عن أن منشأها هو أن هؤلاء لا يروون ولا يرسلون إلا عن ثقة، بل من المظنون قويا أن منشأ ذلك هو بناء العامل على حجية خبر كل إمامي لم يظهر منه فسق، وعدم اعتبار الوثاقة فيه، كما نسب هذا إلى القدماء، واختاره جمع من المتأخرين: منهم العلامة (قدس سره) على ما سيجي ء في ترجمةأحمد بن إسماعيل بن عبد الله(1).

وعليه فلا

أثر لهذه التسوية بالنسبة إلى من يعتبر وثاقة الراوي في حجية خبره.

ثالثا: أن هذه الدعوى، وأن هؤلاء الثلاثة وأضرابهم من الثقات لا يروون ولا يرسلون إلا عن ثقة: دعوى دون إثباتها خرط القتاد. فإن معرفة ذلك في غير ما إذا صرح الراوي بنفسه أنه لا يروي ولا يرسل إلا عن ثقة، أمر غير ميسور.

ومن الظاهر أنه لم ينسب إلى أحد هؤلاء إخباره وتصريحه بذلك، وليس لنا طريق آخر لكشفه. غاية الأمر عدم العثور برواية هؤلاء عن ضعيف، لكنه لا يكشف عن عدم الوجود، على أنه لو تمت هذه الدعوى فإنما تتم في المسانيد دون المراسيل، فإن ابن أبي عميربنفسه قد غاب عنه أسماء من روى عنهم بعد ضياع كتبه، فاضطر إلى أن يروي مرسلا على ما يأتي في ترجمته(2)، فكيف يمكن لغيره أن يطلع عليهم ويعرف وثاقتهم، فهذه الدعوى ساقطة جزما.

رابعا: قد ثبت رواية هؤلاء عن الضعفاء في موارد ذكر جملة منهاالشيخ

______________________________

(1) معجم رجال الحديث 2: 56 / 442، خلاصة الأقوال: 66 / 86.

(2) معجم رجال الحديث 15 : 291 / 10043.

( 48 )


بنفسه، ولا أدري أنه مع ذلك كيف يدعي أن هؤلاء لا يروون عن الضعفاء!

فهذاصفوان روى عن علي بن أبي حمزة البطائني كتابه، ذكره الشيخ(1).

وهو الذي قال فيه علي بن الحسن بن فضال: «كذاب ملعون»(2).

وروى محمد بن يعقوب بسند صحيح عن صفوان بن يحيى عن علي بن أبي حمزة(3).

وروى الشيخ بسند صحيح عن صفوان، وابن أبي عميرعن يونس بن ظبيان(4)، ويونس بن ظبيان ضعفه النجاشي(5) والشيخ(6).

روى بسند صحيح عن صفوان بن يحيى عن أبي جميلة(7)، وأبو جميلةهوالمفضل بن صالح ضعفه النجاشي(8).

وروى أيضا بسند صحيح عن صفوان، عن عبد الله بن خداش وعبد الله بن خداش(9) ضعفه النجاشي(10).

______________________________

(1) الفهرست 96 / 418.

(2) رجال الکشي : 404 / 756.

(3) الکافي 1: 104 / باب النهي عن الجسم والصورة ح1.

(4) التهذيب 5: 32 / باب ضروب الحج ح95 ، والاستبصار 2: 157 / باب أنّ التمتع فرض من نأي عن الحرم ح 513 [في الکتابين: عن صفوان وابن أبي عمير عن بريد ويونس بن ظبيان].

(5) رجال النجاشي : 448 / 1210.

(6) [لم نعثر عليه في مظانه].

(7) الکافي 6: 531 / باب النوادر من کتاب الزي والتجمّل ح7.

(8) رجال النجاشي : 128 / 332 ترجمة جابر بن يزيد الجعفي.

(9) الکافي 7: 87 / باب ميراث الولد ح4.

(10) رجال النجاشي: 228 / 604.

( 49 )


وهذاابن أبي عمير، روى عن علي بن أبي حمزة البطائني كتابه، ذكره النجاشي والشيخ(1)، وروى محمد بن يعقوب بسند صحيح عن ابن أبي عميرعن علي بن أبي حمزة(2).

وروى بسند صحيح عن ابن أبي عميرعن الحسين بن أحمد المنقري(3)، والحسين بن أحمد المنقري، ضعفه النجاشي والشيخ(4).

وروى الشيخ بسند صحيح عن ابن أبي عمير، عن علي بن حديد(5) وعلي بن حديدضعفه الشيخ في موارد من كتابيه وبالغ في تضعيفه(6).

وتقدمت روايته عن يونس بن ظبيان آنفا.

وأما روايته عن المجاهيل غير المذكورين في الرجال فكثيرة تقف عليها في محله إن شاء الله تعالى.

وهذاأحمد بن محمد بن أبي نصر، روى عن المفضل بن صالح في موارد كثيرة. وروى عنه أيضا في موارد كثيرة بعنوان أبي جميلة. روى محمد بن يعقوب بسند صحيح، عن أحمد بن محمد بن أبي نصرعن

______________________________

(1) رجال النجاشي : 249 / 656 ، الفهرست : 96/ 418.

(2) الکافي 3: 255 / باب النوادر من کتاب الجنائز ح 20.

(3) الکافي 2: 623 / باب فضل القرآن ح 18.

(4) رجال النجاشي: 53/ 118، رجال الطوسي: 334 / 4977.

(5) التهذيب 7: 276 / باب من أحلّ الله نکاحه من النساء ح1171، والاستبصار 3: 159 / باب أنّ حکم المملوکة في هذا الباب حکم الحرّة ح 575.

(6) التهذيب 7: 101 / ذيل ح 435، الاستبصار 3: 95 / ذيل ح 325 ، 1: 40 / ذيل ح 112.

( 50 )


المفضل بن صالح(1).

وروى بسنده الصحيح عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن عبد الله بن محمد الشامي(2) وعبد الله بن محمد الشامي ضعيف(3).

وروى الشيخ بسند صحيح، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن الحسن

بن علي بن أبي حمزة(4) والحسن بن علي بن أبي حمزةضعيف(5).

ثم إنا قد ذكرنا جملة من الموارد التي ورد فيها رواية هؤلاء الثلاثة من الضعفاء، وهي غير منحصرة فيما ذكرناه ستقف على بقيتها عند تعرضنا لجميع من روى هؤلاء عنهم. إن قلت: إن رواية هؤلاء الضعفاء-كما ذكرت-لا تنافي دعوى الشيخ أنهم لا يروون إلا عن ثقة، فإن الظاهر أن الشيخ يريد بذلك أنهم لا يروون إلا عن ثقة عندهم، فرواية أحدهم عن شخص شهادة منه على وثاقته. وهذه الشهادة يؤخذ بها ما لم يثبت خلافها، وقد ثبت خلافها، كالموارد المتقدمة. قلت: لا يصح ذلك، بل الشيخ أراد بما ذكر: أنهم لا يروون ولا يرسلون إلا عن ثقة في الواقع ونفس الأمر، لا من يكون ثقة باعتقادهم إذ لو أراد ذلك لم يمكن الحكم بالتسوية بين مراسيلهم ومسانيد غيرهم، فإنه إذا ثبت في موارد روايتهم من الضعفاء- وإن كانوا ثقات عندهم-لم يمكن الحكم بصحة مراسيله، إذ من المحتمل أن

______________________________

(1) الکافي 4: 188 باب بدء البيت والطواف ح2، والجزء 6: 199 / باب الإباق ح2.

(2) الکافي 6: 319 / باب الشواء والکباب والرؤوس ح4.

(3) راجع معجم رجال الحديث 11: 320 / 7105.

(4) التهذيب 8: 262 / باب التدبير ح 953.

(5) رجال الکشي: 552 / 1042، معجم رجال الحديث 6: 17 / 2937.

( 51 )


الواسطة هو من ثبت ضعفه عنه، فكيف يمكن الأخذ بها؟.

ولذلك قال المحقق في المعتبرفي آداب الوضوء: «ولو احتج بما رواه ابن أبي عميرعن بعض أصحابنا… كان الجواب الطعن في السند لمكان الإرسال، ولو قال مراسيل ابن أبي عميريعمل بها الأصحاب، منعنا ذلك، لأن في رجاله من طعن الأصحاب فيه، وإذا أرسل احتمل أن يكون الراوي أحدهم»(1).

والمتحصل مما ذكرناه: أن ما ذكره الشيخ من أن هؤلاء الثلاثة: صفوان، وابن أبي عمير، وأحمد بن محمد بن أبي نصرلا يروون ولا يرسلون إلا عن ثقة غير قابل للتصديق. وهو أعلم بما قال.

وأما بقية أصحاب الإجماع، فرواية جملة منهم عن غير المعصوم قليلة جدا،

وروى جماعة منهم عن الضعفاء. وستقف على مواردها في ما يأتي ونذكر-هنا-بعضها:

1- هذاسالم بن أبي حفصةقد تضافرت الروايات في ذمه وضلاله وإضلاله(2)، روى محمد بن يعقوب بسند صحيح عن زرارة عنه(3).

2- وهذاعمرو بن شمر، بالغ النجاشي في تضعيفه(4)، وروى عنه جماعة من أصحاب الإجماع، روى محمد بن يعقوب بسند صحيح عن حماد بن عيسى عنه(5).

______________________________

(1) المعتبر 1: 165.

(2) رجال الکشي : 232 / 422 ، 424 ـ 429.

(3) الکافي 4: 47 / باب النوادر من کتاب الزکاة ح6.

(4) رجال النجاشي : 287 / 765.

(5) الکافي 1: 298 / باب الإشارة والنص علی الحسن بن علی8 ح5.

( 52 )


وروى بسند صحيح أيضا عن يونس بن عبد الرحمن عنه(1).

وروى بسند صحيح أيضا عن ابن محبوب عنه(2).

وروى بسند صحيح أيضا عن عبد الله بن المغيرة عنه(3).

بقي الكلام في جماعة أخرى قيل إنهم لا يروون إلا عن ثقة، فكل من رووا عنه فهو ثقة:

1- منهم: أحمد بن محمد بن عيسى: واستدلوا على أنه لا يروي إلا عن ثقة، بأنه أخرج أحمد بن محمد بن خالدمن قم لروايته عن الضعاف، فيظهر من ذلك التزامه بعدم الرواية عن الضعيف. ويرده: أن الرواية عن الضعاف كثيرا كان يعد قدحا في الراوي، فيقولون إن فلانا يروي عن الضعفاء، ويعتمد المراسيل. ومعنى ذلك: أنه لم يكن متثبتا في أمر الرواية، فيروي كل ما سمعه عن أي شخص كان.

وأما الرواية عن ضعيف أو

ضعيفين أو أكثر في موارد خاصة فهذا لا يكون قدحا. ولا يوجد في الرواة من لم يرو عن ضعيف أو مجهول أو مهمل، إلا نادرا. ويدل على ما ذكرناه: أن أحمد بن محمد بن عيسى بنفسه روى عن عدة من الضعفاء، نذكر جملة منهم: فقد روى محمد بن يعقوب، عن محمد بن يحيى، عنه، عن محمد بن سنان(4).

وروى أيضا عن محمد بن يحيى عنه، عن علي بن حديد(1).

______________________________

(1) الکافي 2: 163 / باب البرّ بالوالدين ح20.

(2) الکافي 2: 119/ باب الرفق ح5.

(3) الکافي 6: 301 /باب فضل الخبز ح1.

(4) الکافي 1: 33 / باب صفة العلم وفضله ح5.

( 53 )


وروى أيضا عن محمد بن يحيى عنه، عن إسماعيل بن سهل(2).

وروى أيضا عن محمد بن يحيى عنه، عن بكر بن صالح(3).

2- ومنهم: بنو فضال: استدل على وثاقة من رووا عنهم بما روي عن الإمام العسكري (عليه السلام) أنه قال: «خذوا ما رووا، وذروا ما رأوا» وأرسل شيخناالأنصاري هذا إرسال المسلمات، فذكر في أول صلاته حينما تعرض لروايةداود بن فرقدعن بعض أصحابنا، قال: «وهذه الرواية وإن كانت مرسلة، إلا أن سندها إلى الحسن بن فضال صحيح، وبنو فضال ممن أمرنا بالأخذ بكتبهم ورواياتهم»(4).

أقول: الأصل في ذلك ما رواه الشيخ عن أبي محمد المحمدي، قال: «وقال أبو الحسن بن تمام: حدثني عبد الله الكوفي خادم الشيخ الحسين بن روح رضي الله عنه، قال: سئل الشيخ-يعني أبا القاسم رضي الله عنه-عن كتب ابن أبي العزاقربعد ما ذم وخرجت فيه اللعنة، فقيل له: فكيف نعمل بكتبه وبيوتنا منه ملاء؟ فقال: أقول فيها ما قاله أبو محمد الحسن بن علي (عليه السلام)،

وقد سئل عن كتب بني فضال، فقالوا: كيف نعمل بكتبهم وبيوتنا منه ملاء؟ فقال ع: خذوا ما رووا، وذروا ما رأوا»(5).

______________________________

(1) الکافي 1: 59 / باب الردّ إلى الکتاب والسنّة ح1.

(2) الکافي 2: 427 / باب الاعتراف بالذنوب ح7.

(3) الکافي 2: 101 / باب حسن الخلق ح12.

(4) کتاب الصلاة 1: 36.

(5) کتاب الغيبة: 389 ـ 390 بعد ذکر التوقيعات.

( 54 )


لكن هذه الرواية ضعيفة لا يمكن الاعتماد عليها، فإن عبد الله الكوفي مجهول، مضافا إلى أن الرواية قاصرة الدلالة على ما ذكروه، فإن الرواية في مقام بيان أن فساد العقيدة بعد الاستقامة لا يضر بحجية الرواية المتقدمة على الفساد، وليست في مقام بيان أنه يؤخذ بروايته حتى فيما إذا روى عن ضعيف أو مجهول، فكما أنه قبل ضلاله لم يكن يؤخذ بروايته فيما إذا روى عن ضعيف أو مجهول، كذلك لا يؤخذ بتلك الرواية بعد ضلاله. وكيف كان فما ذكره الشيخ الأنصاري وغيره من حجية كل رواية كانت صحيحة إلى بني فضال كلام لا أساس له.

3- ومنهم: جعفر بن بشير. واستدلوا على وثاقة من روى عنهم بقول النجاشي في ترجمته روى عن الثقات ورووا عنه(1)، فكل من روى عنه جعفر بن بشيريحكم بوثاقته. والجواب عن ذلك: أنه لا دلالة في الكلام على الحصر، وأن جعفر بن بشيرلم يرو عن غير الثقات. ويؤكد ذلك قوله: «ورووا عنه»أ فهل يحتمل أن جعفر بن بشيرلم يرو عنه غير الثقات، والضعفاء يروون عن كل أحد، ولا سيما عن الأكابر بل المعصومين أيضا. وغاية ما هناك أن تكون روايةجعفر بن بشيرعن الثقات، وروايتهم عنه كثيرة. فقد روى الشيخ بإسناده الصحيح، عن محمد بن علي بن محبوب، عن محمد بن الحسين، عن جعفر بن بشير، عن صالح بن الحكم(2).

وصالح بن الحكم ضعفه

______________________________

(1) رجال النجاشي: 119 / 304.

(2) التهذيب 3: 296 / باب الصلاة في السفينة ح 897.

( 55 )


النجاشي(1).

وروى الصدوق بسنده الصحيح عنه، عن عبد الله بن محمد الجعفي ذكره في المشيخةفي طريقه إلى عبد الله بن محمد الجعفي(2)، وعبد الله بن محمد الجعفي

ضعفه النجاشي(3).

وستقف على سائر رواياته عن الضعفاء في ما يأتي إن شاء الله(4).

4- ومنهم: محمد بن إسماعيل بن ميمون الزعفراني: واستدل على وثاقة من روى عنهم بقول النجاشي في ترجمته: «روى عن الثقات ورووا عنه»(5).

ويظهر الجواب عنه بما ذكرناه آنفا.

5- ومنهم: علي بن الحسن الطاطري: واستدل على وثاقة من روى عنهم بقول الشيخ في ترجمته: «وله كتب في الفقه رواها عن الرجال الموثوق بهم وبرواياتهم.»(6).

والجواب عن ذلك: أنه لا دلالة في هذا الكلام على أن كل من يروي عنه علي بن الحسن الطاطري ثقة، غاية ما هناك أن رواياته في كتبه الفقهية مروية عن الثقات، فكل ما نقله الشيخ عن كتبه بأن كان علي بن الحسن قد بدأ به السند يحكم فيه بوثاقة من روى عنه، ما لم يعارض بتضعيف شخص آخر.

وأما من روى عنه علي بن الحسن في أثناء السند فلا يحكم بوثاقته، لعدم

______________________________

(1) رجال النجاشي: 200/ 533.

(2) الفقيه 4 (المشيخة): 131.

(3) رجال النجاشي : 128 ـ 129 / 332 (في ضمن ترجمة جابر بن يزيد الجعفي).

(4) معجم رجال الحديث 5: 22 / 2141.

(5) رجال النجاشي : 345 / 933.

(6) الفهرست: 92 / 390.

( 56 )


إحراز روايته عنه في كتابه. والمتحصل مما ذكرناه: أنه لم يثبت دلالة رواية المذكور أسماؤهم عن شخص على وثاقة المروي عنه.

هذا، وقد أفرطالمحدث النوري في المقام، فجعل رواية مطلق الثقة عن أحد كاشفا عن وثاقته واعتباره، ومن هنا استدرك على صاحب الوسائل جماعة كثيرة لرواية الثقات، كالحسين بن سعيد، ومحمد بن أبي الصهبان، والتلعكبري، والشيخ المفيد، والحسين بن عبيد الله الغضائري، وأمثالهم عنهم(1).

وهذا غريب جدا، فإن غاية ما يمكن أن يتوهم أن تكون رواية ثقة عن رجل دليلا على اعتماده عليه، وأين هذا من التوثيق أو الشهادة على حسنه ومدحه. ولعل الراوي كان يعتمد على رواية كل إمامي لم يظهر منه فسق.

ولو صحت هذه الدعوى لم تبق رواية ضعيفة في كتب الثقات من المحدثين، سواء في ذلك الكتب الأربعة وغيرها، فإن صاحب الكتاب المفروض وثاقته إذا روى عن شيخه يحكم بوثاقة شيخه، وهو يروي عن شخص آخر فيحكم بوثاقته أيضا. وهكذا إلى أن ينتهي إلى المعصومين (عليهم السلام). وكيف تصح هذه الدعوى؟ وقد عرفت(2) أن صفوان، وابن أبي عميروالبزنطي وأضرابهم قد رووا عن الضعفاء، فما ظنك بغيرهم؟.

هذا، مع أن الرواية عن أحد لا تدل على اعتماد الراوي على المروي عنه، فهذاأحمد بن الحسين بن أحمد بن عبيد الضبي أبو نصرروى عنه الشيخ

______________________________

(1) راجع علی سبيل المثال المستدرک 25 (الخائمة 7): 135 / 89 (أحمد بن جعفر بن سفيان البَزُوفري ، 98 (أحمد بن عبدالله القروي)، 106 (أحمد بن محمّد بن الحسن بن الوليد).

(2) في ص 49 وما بعدها.

( 57 )


الصدوق في كتاب العلل، والمعاني، والعيون، وقال فيه: «ما لقيت أنصب منه، وبلغ من نصبه أنه كان يقول: اللهم صل على محمدفردا، ويمتنع من الصلاة على آله»(1).

4- الوقوع في سند محكوم بالصحة

ومن جملة ذلك: وقوع شخص في سند رواية قد حكم أحد الأعلام من المتقدمين أو المتأخرين بصحتها، ومن هنا يحكم باعتبار كل من روى عنه محمد بن أحمد بن يحيى، ولم يستثن من رواياته. بيان ذلك: أن النجاشي(2) والشيخ(3) قد ذكرا في ترجمةمحمد بن أحمد بن يحيى أن محمد بن الحسن بن الوليداستثنى من رواياته ما رواه عن جماعة- والجماعة قد ذكرت أسماؤهم في ترجمته- وتبعه على ذلك أبو جعفر ابن بابويه، وكذلك أبو العباس بن نوح، إلا في محمد بن عيسى بن عبيد، فإنه لم يستثنه، إذن فكل من روى عنه محمد بن أحمد بن يحيى ولم يكن ممن استثناهم ابن الوليد، فهو معتمد عليه، ومحكوم عليه بصحة الحديث. أقول: إن اعتمادابن الوليدأو غيره من الأعلام المتقدمين فضلا عن المتأخرين على رواية شخص والحكم بصحتها لا يكشف عن وثاقة الراوي أو

______________________________

(1) علل الشرائع: 134 / ب 116 ح1، عيون أخبار الرضا7 2: 279 / ب 69 ح3، معاني الأخبار: 56 / 4. [ولا يخفي أنّ العبارة المذکورة ذکرها في العيون، بينما اقتصر علی صدرها في الکتابين الآخرين].

(2) رجال النجاشي: 348 / 939.

(3) لاحظ الفهرست: 144 / 622 فإنّه نسبت الاستثناء إلى الصدوق ـ لا أستاذه ابن الوليد ـ مضيفاً استثناء شخصين هما: الهيثم بن عدي، وجعفر بن محمد الکوفي.

( 58 )


حسنه، وذلك لاحتمال أن الحاكم بالصحة يعتمد على أصالة العدالة، ويرى حجية كل رواية يرويها مؤمن لم يظهر منه فسق، وهذا لا يفيد من يعتبر وثاقة الراوي أو

حسنه في حجية خبره.

هذا بالإضافة إلى تصحيح ابن الوليدو أضرابه من القدماء، الذين قد يصرحون بصحة رواية ما، أو يعتمدون عليها من دون تعرض لوثاقة رواتها، وأماالصدوق فهو يتبع شيخه في التصحيح وعدمه، كما صرح هو نفسه بذلك، قال (قدس سره): «وأما خبر صلاةيوم غدير خم والثواب المذكور فيه لمن صامه، فإن شيخنامحمد بن الحسن كان لا يصححه ويقول: إنه من طريق محمد بن موسى الهمداني. وكان غير ثقة. وكل ما لم يصححه ذلك الشيخ -قدس الله روحه- ولم يحكم بصحته من الأخبار فهو عندنا متروك غير صحيح»(1).

وقال أيضا: «كان شيخنامحمد بن الحسن بن أحمد بن الوليدرضي الله عنه سيئ الرأي في محمد بن عبد الله المسمعي راوي هذا الحديث، وإني أخرجت هذا الخبر في هذا الكتاب، لأنه كان في كتاب الرحمة، وقد قرأته عليه فلم ينكره، ورواه لي»(2).

5- وكالة الإمام

ومن ذلك أيضا: الوكالة من الإمام ع، فقيل إنه ملازمة للعدالة التي هي فوق الوثاقة.

______________________________

(1) الفقيه 1: 55 / باب صوم التطوّع وثوابه من الأيّام المتفرّقة ذيل ح 241.

(2) عيون أخبار الرضا 7 2: 21 / باب فيما جاء عن الرضا7 من الأخبار المنثورة، ذيل ح 45.

( 59 )


أقول: الوكالة لا تستلزم العدالة، ويجوز توكيل الفاسق إجماعا وبلا إشكال. غاية الأمر أن العقلاء لا يوكلون في الأمور المالية خارجا من لا يوثق بأمانته، وأين هذا من اعتبار العدالة في الوكيل؟ وأما النهي عن الركون إلى الظالم فهو أجنبي عن التوكيل فيما يرجع إلى أمور الموكل نفسه.

هذا وقد ذكرالشيخ في كتاب الغيبة(1) عدة من المذمومين من

وكلاء الأئمة (عليهم السلام)، فإذا كانت الوكالة تلزمها العدالة، فكيف يمكن انفكاكها عنها في مورد؟ وبعبارة أخرى: إذا ثبت في مورد أن وكيل الإمام (عليه السلام) لم يكن عادلا كشف ذلك عن عدم الملازمة، وإلا فكيف يمكن تخلف اللازم عن الملزوم. وبهذا يظهر بطلان ما قيل: من أنه إذا ثبتت الوكالة في مورد أخذ بلازمها وهو العدالة حتى يثبت خلافه. ثم إنه قد يستدل على وثاقة كل من كان وكيلا من قبل المعصومين (عليه السلام) في أمورهم بما رواه محمد بن يعقوب، عن علي بن محمد، عن الحسن بن عبد الحميد، قال: «شككت في أمرحاجزفجمعت شيئا ثم صرت إلى العسكرفخرج إلي: ليس فينا شك ولا في من يقوم مقامنا بأمرنا، رد ما معك إلى حاجز بن يزيد»(2).

ورواه الشيخ المفيدأيضا(3).

والجواب عن ذلك: أن الرواية ضعيفة السند ولا أقل من أن الحسن بن

______________________________

(1) کتاب الغيبة: 351 ـ 353.

(2) الکافي 1: 521 / باب مولد الصاحب 7 ح14.

(3) الإرشاد 2 (مصنّفات الشيخ المفيد11): 361 / باب ذکر طرف من دلائل صاحب الزمان 7.

( 60 )


عبد الحميدمجهول، مضافا إلى أن الرواية لا تدل على اعتبار كل من كان وكيلا من قبلهم سلام الله عليهم في أمر من الأمور، وإنما تدل على جلالة من قام مقامهم بأمرهم، فيختص ذلك بالنواب والسفراء من قبلهم سلام الله عليهم.

هذا، وقد أفرط بعضهم فجعل كون الرجل بوابا للمعصوم (عليه السلام) دليلا على اعتباره، مع أنه لا دلالة فيه على الاعتبار بوجه من الوجوه.

6- شيخوخة الإجازة:

فقد اشتهر أن مشايخ الإجازة مستغنون عن التوثيق. والجواب عن ذلك: أن مشايخ الإجازة على تقدير تسليم وثاقتهم لا يزيدون في الجلالة وعظمة الرتبة عن أصحاب الإجماع وأمثالهم، ممن عرفوا بصدق

الحديث والوثاقة، فكيف يتعرض في كتب الرجال والفقه لوثاقتهم ولا يتعرض لوثاقة مشايخ الإجازة لوضوحها وعدم الحاجة إلى التعرض لها. والصحيح أن شيخوخة الإجازة لا تكشف عن وثاقة الشيخ كما لا تكشف عن حسنه. بيان ذلك: أن الراوي قد يروي رواية عن أحد بسماعه الرواية منه، وقد يرويها عنه بقراءتها عليه، وقد يرويها عنه لوجودها في كتاب قد أجازه شيخه أن يروي ذلك الكتاب عنه من دون سماع ولا قراءة، فالراوي يروي تلك الرواية عن شيخه، فيقول: حدثني فلان، فيذكر الرواية. ففائدة الإجازة هي صحة الحكاية عن الشيخ وصدقها، فلو قلنا: بأن رواية الثقة عن شخص كاشفة عن وثاقته أو حسنه فهو، وإلا فلا تثبت وثاقة الشيخ بمجرد الاستجازة والإجازة.

( 61 )


وقد عرفت-آنفا(1) -أن رواية ثقة عن شخص لا تدل لا على وثاقته ولا على حسنه. ويؤيد ما ذكرناه أن الحسن بن محمد بن يحيى والحسين بن حمدان الحضيني من مشايخ الإجازة على ما يأتي في ترجمتهما(2)، قد ضعفهماالنجاشي(3).

7- مصاحبة المعصوم:

وقد جعل بعضهم: أن توصيف أحد بمصاحبته لأحد المعصومين (عليه السلام) من أمارات الوثاقة. وأنت خبير بأن المصاحبة لا تدل بوجه لا على الوثاقة، ولا على الحسن، كيف وقد صاحب النبي ص وسائر المعصومين (عليه السلام) من لا حاجة إلى بيان حالهم وفساد سيرتهم، وسوء أفعالهم؟!.

8- تأليف كتاب أو أصل:

فقد قيل إن كون شخص ذا كتاب أو أصل أمارة على حسنه ومن أسباب مدحه.

والجواب عنه ظاهر: إذ رب مؤلف كذاب وضاع وقد ذكرالنجاشي والشيخ جماعة منهم، وستقف على ذلك إن شاء الله تعالى.

______________________________

(1) في ص 57.

(2) معجم رجال الحديث 6: 142 / 3132 ، ولاحظ ص 244 / 3381.

(3) رجال النجاشي: 64/ 149، ولاحظ ص 67 / 159 [فإنه قال: کان فاسد المذهب].

( 62 )


9- ترحم أحد الأعلام:

واستدل على حسن من ترحم عليه أحد الأعلام-كالشيخ الصدوق ومحمد بن يعقوب وأضرابهما-بأن في الترحم عناية خاصة بالمترحم عليه، فيكشف ذلك عن حسنه لا محالة. والجواب عنه: أن الترحم هو طلب الرحمة من الله تعالى، فهو دعاء مطلوب ومستحب في حق كل مؤمن، وقد أمرنا بطلب المغفرة لجميع المؤمنين وللوالدين بخصوصهما. وقد ترحم الصادق (عليه السلام) لكل من زارالحسين (عليه السلام)، بل إنه سلام الله عليه، قد ترحم لأشخاص خاصة معروفين بالفسق لما فيهم ما يقتضي ذلك، كالسيدإسماعيل الحميري(1) وغيره، فكيف يكون ترحم الشيخ الصدوق أومحمد بن يعقوب وأمثالهم كاشفا عن حسن المترحم عليه؟ وهذاالنجاشي قد ترحم على محمد بن عبد الله بن محمد بن عبيد الله بن البهلول، بعد ما ذكر أنه رأى شيوخه يضعفونه وأنه لأجل ذلك لم يرو عنه شيئا وتجنبه(2).

10- كثرة الرواية عن المعصوم:

استدل على اعتبار شخص بكثرة روايته عن المعصوم (عليه السلام)-بواسطة أو بلا واسطة-بثلاث روايات:

1- حمدويه بن نصير الكشي، قال حدثنامحمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن محمد بن سنان، عن حذيفة بن منصور، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال:

______________________________

(1) راجع رجال الکشي: 287 / 507.

(2) [لاحظ رجال النجاشي: 396 / 1059، ومعجم رجال الحديث 17 : 260 / 11142 فإنّه لم يترحّم عليه].

( 63 )


«اعرفوا منازل الرجال منا على قدر رواياتهم عنا»(1).

2- محمد بن سعيد الكشي بن يزيد، وأبو جعفر محمد بن أبي عوف البخاري، قالا: حدثناأبو علي محمد بن أحمد بن حماد المروزي المحمودي رفعه، قال: قال الصادق (عليه السلام): «اعرفوا منازل شيعتنا بقدر ما يحسنون من رواياتهم عنا، فإنا لا نعد الفقيه منهم فقيها حتى يكون محدثا، فقيل له: أويكون المؤمن محدثا؟قال: يكون مفهما. والمفهم المحدث»(2).

3- إبراهيم بن محمد بن عباس الختلي، قال: حدثناأحمد بن إدريس القمي المعلم، قال: حدثني أحمد بن محمد بن يحيى بن عمران، قال: حدثني سليمان الخطابي، قال: حدثني محمد بن محمد، عن بعض رجاله عن محمد بن حمران العجلي، عن علي بن حنظلة، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «اعرفوا منازل الناس منا على قدر رواياتهم عنا»(3).

والجواب عنها: أن هذه الروايات-بأجمعها-ضعيفة: أما الأخيرتان فوجه الضعف فيهما ظاهر.

وأما الأولى فلأن محمد بن سنان ضعيف على الأظهر. على أنه لو أغمضنا عن ضعف السند فالدلالة فيها أيضا قاصرة، وذلك فإن المراد بجملة: «قدر رواياتهم عنا»ليس هو قدر ما يخبر الراوي عنهم (عليهم السلام)، وإن كان لا يعرف صدقه وكذبه، فإن ذلك لا يكون مدحا في الراوي، فربما تكون روايات الكاذب أكثر من روايات الصادق، بل المراد بها هو قدر ما تحمله الشخص من رواياتهم ع، وهذا لا يمكن إحرازه إلا بعد ثبوت حجية قول

______________________________

(1) رجال الکشي: 3/1.

(2) رجال الکشي: 3/2.

(3) رجال الکشي: 3/3.

( 64 )


الراوي، وأن ما يرويه قد صدر عن المعصوم (عليه السلام).

11- ذكر الطريق إلى الشخص في المشيخة

وقد جعل المجلسي (قدس سره) ذكرالصدوق شخصا في من له إليه

طريق موجبا للمدح، وعده في: وجيزته من الممدوحين(1).

والجواب: أنه لا يعرف لذلك وجه إلا ما يتخيل من أن من ذكر إليه طريق في المشيخةلا بد وأن يكون له كتاب معتمد عليه، فإن الصدوق قد التزم في أول كتابه أن يروي فيه عن الكتب المعتبرة المعتمد عليها. وعليه فيكون صاحب الكتاب ممدوحا لا محالة. ولكن هذا تخيل صرف نشأ من قول الصدوق في أول كتابه: «وجميع ما فيه مستخرج من كتب مشهورة عليها المعول، وإليها المرجع، مثل كتاب حريز بن عبد الله السجستاني، وكتاب عبيد الله بن علي الحلبي، وكتب علي بن مهزيار الأهوازي، وكتب الحسين بن سعيد، ونوادر أحمد بن محمد بن عيسى، وكتاب نوادر الحكمةتصنيف محمد بن أحمد بن يحيى بن عمران الأشعري، وكتاب الرحمةلسعد بن عبد الله، وجامع شيخنامحمد بن الحسن بن الوليدرضي الله عنه، ونوادر محمد بن أبي عمير، وكتاب المحاسن لأحمد بن أبي عبد الله البرقي، ورسالة أبي رضي الله عنه إلي، وغيرها من الأصول والمصنفات التي طرقي إليها معروفة في فهرس الكتب التي رويتها عن مشايخي وأسلافي رضي الله عنهم»(2).

ولكن من الظاهر أنه يريد بذلك أن الروايات المستخرجة في الفقيه مستخرجة من الكتب المعتبرة ولا يريد أنه استخرجها من كتب من ذكرهم في

______________________________

(1) رجال المجلسي: 409.

(2) الفقيه 1: 3ـ5.

( 65 )


المشيخة، وذكر طريقه إليهم. كيف؟!و قد ذكر في المشيخة عدة أشخاص وذكر طريقه إليهم: مثل إبراهيم بن سفيان، وإسماعيل بن عيسى، وأنس بن محمد، وجعفر بن القاسم، والحسن بن قارن(1)، وغيرهم. مع أن النجاشي والشيخ لم يذكراهم في كتابيهما الموضوعين لذكر أرباب الكتب والأصول، بل ولم يذكرهم الشيخ في رجاله، مع أن موضوعه أعم، فكيف يمكن أن يدعى أن هؤلاء أرباب كتب، وأن كتبهم من الكتب المشهورة؟!بل أن الصدوق ذكر طريقه إلى أسماء بنت عميس(2)، أفهل يحتمل أنه كان لها كتاب معروف؟بل أنه قد يذكر في المشيخة

طريقه إلى نفس الرواية، مثل ذكره طريقه إلى ما جاء نفر من اليهود(3).

وعلى الجملة فلا شك في أن الصدوق لم يرد بالعبارة المزبورة: أنه استخرج في كتابه الروايات الموجودة في الكتب المعتبرة المعروفة لمن ذكرهم في المشيخة. ومما يؤكد ذلك: أن الصدوق لم يرو عن بعض من ذكر طريقه إليه في المشيخةإلا رواية واحدة في كتابه: مثل المذكورين، وأيوب بن نوح، وبحر السقاء، وبزيع المؤذن، وبكار بن كردم(4) وغيرهم.

ومن البعيد جدا أن يكون لهم كتاب معروف ولم يروالصدوق عنه إلا رواية واحدة!و عليه فلا يمكن الحكم بحسن رجل بمجرد أن للصدوق إليه طريقا. وبما ذكرناه يظهر بطلان أمر آخر قد توهمه غير واحد ممن لم يتأملوا في

______________________________

(1) الفقيه 4 (المشيخة): 103، 42، 134، 99، 50.

(2) المصدر المتقدّم: 28.

(3) المصدر المتقدّم: 10.

(4) المصدر المتقدّم: 60، 69، 59، 108.

( 66 )


عبارةالصدوق. بيان ذلك: أن جملة من طرق الصدوق ضعيفة على ما تقف عليها وعلى جهة ضعفها في ما يأتي إن شاء الله تعالى، ولكنه مع ذلك توهم بعضهم أن ضعف الطريق لا يضر بصحة الحديث، بعد ما أخبرالصدوق بأن روايات كتابه مستخرجة من كتب معتبرة معروفة معول عليها، فالكتاب إذا كان معروفا ومعولا عليه لم يضره ضعف الطريق الذي ذكره الصدوق في المشيخةتبركا، أو لأمر آخر. وقد ظهر بطلان هذا التوهم، وأن الكتب المعروفة المعتبرة التي أخرج الصدوق روايات كتابه منها ليست هي كتب من بدأ بهم السند في الفقيه وقد ذكر جملة منهم في المشيخة، وإنما هي كتب غيرهم من الأعلام المشهورين التي منهارسالة والده إليه -طاب ثراهما-، وكتاب شيخه محمد بن الحسن بن الوليد (قدس سره)، فالروايات الموجودة في الفقيه مستخرجة من هذه الكتب.

وأما أنها صحيحة أو غير صحيحة فهو أمر آخر أجنبي عن ذلك. نعم من بدئ به السند في كتابي التهذيب والإستبصارهو صاحب كتاب يروي الشيخ ما رواه فيهما عن كتابه، على ما صرح به في آخر كتابيه(1) إلا أن الشيخ لم يذكر أن الكتب التي استخرج روايات كتابيه منها هي كتب معتبرة معروفة. - وحاصل ما ذكرناه أن طريق الصدوق أوالشيخ إلى شخص إذا كان ضعيفا حكم بضعف الرواية المروية عن ذلك الطريق لا محالة. نعم إذا كان طريق الشيخ إلى أحد ضعيفا فيما يذكره في آخر كتابه ولكن كان له إليه طريق آخر في الفهرست وكان صحيحا: يحكم بصحة الرواية المروية عن

______________________________

(1) التهذيب 10 (المشيخة): 4، الاستبصار 4: 304 ـ 305.

( 67 )


ذلك الطريق. والوجه في ذلك أن الشيخ ذكر(1) أن ما ذكره من الطرق في آخر كتابه إنما هو بعض طرقه، وأحال الباقي إلى كتابه الفهرست، فإذا كان طريقه إلى الكتاب الذي روى عنه في كتابيه صحيحا في الفهرست حكم بصحة تلك الرواية. بل لو فرضنا أن طريق الشيخ إلى كتاب ضعيف في المشيخةوالفهرست ولكن طريق النجاشي إلى ذلك الكتاب صحيح، وشيخهما واحد حكم بصحة روايةالشيخ عن ذلك الكتاب أيضا، إذ لا يحتمل أن يكون ما أخبره شخص واحدكالحسين بن عبيد الله بن الغضائري مثلاللنجاشي مغايرا لما أخبر به الشيخ، فإذا كان ما أخبرهما به واحدا وكان طريق النجاشي إليه صحيحا: حكم بصحة ما رواه الشيخ عن ذلك الكتاب لا محالة ويستكشف من تغاير الطريق أن الكتاب الواحد روي بطريقين، قد ذكرالشيخ أحدهما، وذكرالنجاشي الآخر.

______________________________

(1) التهذيب 10 (المشيخة): 88، وراجع أيضاً الاستبصار 4: 342.

( 68 )


المقدمة الخامسة

* النظر في صحة روايات الكافي، ومن لا يحضره الفقيه، والتهذيبين.

* مناقشة الأدلة القائمة على صحة جميعها.

* إبطال هذه الأدلة وتفنيدها، وإثبات عدم صحة جميع روايات الكتب الأربعة ولزوم النظر في سند كل رواية منها وفحصها.

نظرة في روايات الكتب الأربعة

إن إبطال-ما قيل من أن روايات الكتب الأربعة كلها صحيحة-يقع في فصول ثلاثة:

الفصل الأول

النظر في صحة روايات الكافي

وقد ذكر غير واحد من الأعلام أن روايات الكافي كلها صحيحة ولا مجال لرمي شيء منها بضعف سندها. وسمعت شيخنا الأستاذ الشيخ محمد حسين النائيني (قدس سره) في مجلس بحثه يقول: «إن المناقشة في أسناد روايات الكافي حرفة العاجز». وقد استدل غير واحد على هذا القول بما ذكره محمد بن يعقوب في خطبة كتابه: «أما بعد فقد فهمت يا أخي ما شكوت. وذكرت أن أمورا قد أشكلت عليك،

( 69 )


لا تعرف حقائقها لاختلاف الرواية فيها، وأنك تعلم أن اختلاف الرواية فيها لاختلاف عللها وأسبابها، وأنك لا تجد بحضرتك من تذاكره وتفاوضه ممن تثق بعلمه فيها، وقلت: إنك تحب أن يكون عندك كتاب كاف يجمع (فيه) من جميع فنون علم الدين، ما يكتفي به المتعلم، ويرجع إليه المسترشد، ويأخذ منه من يريد علم الدين والعمل بالآثار الصحيحة عن الصادقين (عليهم السلام)،

والسنن القائمة التي عليها العمل، وبها يؤدى فرض الله عز وجل وسنة نبيه ص، وقلت: لو كان ذلك رجوت أن يكون ذلك سببا يتدارك الله (تعالى) بمعونته وتوفيقه إخواننا وأهل ملتنا، ويقبل بهم إلى مراشدهم. وقد يسر الله- وله الحمد-تأليف ما سألت، وأرجو أن يكون بحيث توخيت فمهما كان فيه من تقصير، فلم تقصر نيتنا في إهداء النصيحة إذ كانت واجبة لإخواننا وأهل ملتنا، مع ما رجونا أن نكون مشاركين لكل من اقتبس منه، وعمل بما فيه في دهرنا هذا، وفي غابره إلى انقضاء الدنيا، إذ الرب جل وعز واحد، والرسول محمد خاتم النبيين ص واحد، والشريعة واحدة، وحلال محمدحلال، وحرامه حرام إلى يوم القيامة، ووسعنا قليلا كتاب الحجة، وإن لم نكمله على استحقاقه لأنا كرهنا أن نبخس حظوظه كلها»(1).

ووجه الاستدلال: أن السائل إنما سأل محمد بن يعقوب تأليف كتاب جامع لفنون علم الدين بالآثار الصحيحة عن الصادقين (عليه السلام)، ومحمد بن يعقوب قد لبى دعوته فألف له كتاب الكافي. والظاهر أنه كتب الخطبة بعد إتمام الكتاب وقال: وقد يسر الله تأليف ما سألت، فهذه شهادة من محمد بن يعقوب بأن جميع ما ألفه في كتابه من الآثار الصحيحة عن

______________________________

(1) الکافي 1: 5 ـ 9.

( 70 )


الصادقين (عليه السلام) أقول: أما ما ذكر من أن الظاهر أن الخطبة قد كتبهامحمد بن يعقوب بعد تأليف كتاب الكافي فغير بعيد، بل هو مقطوع به في الجملة لقوله: «ووسعنا قليلا كتاب الحجة.».

وأما ما ذكر من شهادةمحمد بن يعقوب بصحة جميع روايات كتابه وأنها من الآثار الصحيحة عن الصادقين (عليهم السلام)، فيرده:

أولا: أن السائل إنما سأل محمد بن يعقوب تأليف كتاب مشتمل على الآثار الصحيحة عن الصادقين (عليهم السلام)، ولم يشترط عليه أن لا يذكر فيه غير

الرواية الصحيحة، أو ما صح عن غير الصادقين (عليهم السلام)، ومحمد بن يعقوب قد أعطاه ما سأله، فكتب كتابا مشتملا على الآثار الصحيحة عن الصادقين (عليه السلام) في جميع فنون علم الدين، وإن اشتمل كتابه على غير الآثار الصحيحة عنهم (عليهم السلام)، أو الصحيحة عن غيرهم أيضا استطرادا وتتميما للفائدة، إذ لعل الناظر يستنبط صحة رواية لم تصح عند المؤلف، أو لم تثبت صحتها. ويشهد على ما ذكرناه: أن محمد بن يعقوب روى كثيرا في الكافي عن غير المعصومين أيضا ولا بأس أن نذكر بعضها:

1- ما رواه عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن بعض أصحابه، عن هشام بن الحكم، قال: «الأشياء لا تدرك إلا بأمرين.»(1).

2- ما رواه بسنده عن أبي أيوب النحوي، قال: «بعث إلي أبو جعفر المنصورفي جوف الليل.»(2)،

______________________________

(1) الکافي 1: 99 / باب إبطال الرؤية ح12.

(2) الکافي 1: 310 / باب الإشارة والنصّ علی أبي الحسن موسى 7 ح 13.

( 71 )


ورواه أيضا عن علي بن إبراهيم عن أبيه، عن النضر بن سويد(1).

3- ما رواه بسنده عن أسيد بن صفوان صاحب رسول الله ص، قال: «لما كان اليوم الذي قبض فيه أمير المؤمنين (عليه السلام) ارتج الموضع بالبكاء»(2).

4- ما رواه بسنده عن إدريس بن عبد الله الأودي، قال: «لما قتل الحسين (عليه السلام)، أراد القوم أن يوطئوه الخيل»(3).

5- ما رواه بسنده عن الفضيل، قال: «صنائع المعروف وحسن البشر يكسبان

المحبة»(4).

6- وما رواه بسنده عن ابن مسكان عن أبي حمزة، قال: «المؤمن خلط عمله بالحلم.»(5).

7- ما رواه بسنده عن اليمان بن عبيد الله، قال: «رأيت يحيى ابن أم الطويل وقف بالكناسة.»(6).

8- ما رواه بسنده عن إسحاق بن عمار، قال: «ليست التعزية إلا عند القبر.»(7).

______________________________

(1) الکافي 1: 310 / باب الإشارة والنصّ علی أبي الحسن موسى7 ح14.

(2) الکافي 1: 454 / باب مولد أميرالمؤمنين (صلوات الهل عليه) ح4.

(3) الکافي 1: 465 / باب مولد الحسين بن علی 8 ح8.

(4) الکافي 2: 103 / باب حسن البشر ح5.

(5) الکافي 2: 111 / باب الحلم ح2.

(6) الکافي 2: 379 / باب مجالسة أهل المعاصي ح16.

(7) الکافي 3: 204 / باب التعزية وما يجب علی صاحب المصيبة ح3.

( 72 )


9- ما رواه بسنده عن يونس، قال: «كل زنا سفاح، وليس كل سفاح زنا.» وهو حديث طويل عقدمحمد بن يعقوب له بابا مستقلا(1).

وأيضا روى بسنده عن يونس، قال: «العلة في وضع السهام على ستة لا أقل ولا أكثر» وأيضا قال: «إنما جعلت المواريث من ستة أسهم.»(2).

وقد جعل لهما أيضامحمد بن يعقوب بابا مستقلا.».

10- ما رواه بسنده عن إبراهيم بن أبي البلاد، قال: «أخذني العباس بن موسى.»(3).

11- ما رواه عن كتاب أبي نعيم الطحان، رواه عن شريك، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن حكيم بن جابر، عن زيد بن ثابت أنه قال: «من قضاء الجاهلية أن يورث الرجال دون النساء».

(4) 12- ما رواه بسنده عن إسماعيل بن جعفر، قال: «اختصم رجلان إلى داود (عليه السلام)

في بقرة.»(5).

وثانيا: لو سلم أن محمد بن يعقوب شهد بصحة جميع روايات الكافي فهذه الشهادة غير مسموعة، فإنه إن أراد بذلك أن روايات كتابه في نفسها واجدة لشرائط الحجية فهو مقطوع البطلان، لأن فيها مرسلات وفيها روايات في أسنادها

______________________________

(1) الکافي 5: 570 / باب تفسير ما يحلّ من النکاح وما يحرم ح1.

(2) الکافي 7: 83 / باب العلّة في أنّ اسهام لاتکون أکثر من ستة ح1، 2.

(3) الکافي 6: 379 / باب الأشنان والسعد ح5.

(4) الکافي 7: 75 / باب بيان الفرائض في الکتاب ، قبل ح1.

(5) الکافي 7: 432 / باب النوادر من کتاب القضاء والأحکام ح21.

( 73 )


مجاهيل، ومن اشتهر بالوضع والكذب، كأبي البختري وأمثاله. وإن أراد بذلك أن تلك الروايات وإن لم تكن في نفسها حجة، إلا أنه دلت القرائن الخارجية على صحتها ولزوم الاعتماد عليها، فهو أمر ممكن في نفسه، لكنه لا يسعنا تصديقه، وترتيب آثار الصحة على تلك الروايات غير الواجدة لشرائط الحجية، فإنها كثيرة جدا.

ومن البعيد جدا وجود أمارة الصدق في جميع هذه الموارد، مضافا إلى أن إخبارمحمد بن يعقوب بصحة جميع ما في كتابه حينئذ لا يكون شهادة، وإنما هو اجتهاد استنبطه مما اعتقد أنه قرينة على الصدق.

ومن الممكن أن ما اعتقده قرينة على الصدق لو كان وصل إلينا لم يحصل لنا ظن بالصدق أيضا، فضلا عن اليقين.

وثالثا: أنه يوجد في الكافي روايات شاذة لو لم ندع القطع بعدم صدورها من المعصوم (عليه السلام) فلا شك في الاطمئنان به. ومع ذلك كيف تصح دعوى القطع بصحة جميع روايات الكافي، وأنها صدرت من المعصومين (عليهم السلام). ومما يؤكد ما ذكرناه من أن جميع روايات الكافي ليست بصحيحة: أن الشيخ الصدوق (قدس سره) لم يكن يعتقد صحة جميع ما في الكافي(1) وكذلك شيخه محمد بن الحسن بن الوليدعلى ما تقدم من أن الصدوق يتبع شيخه في التصحيح والتضعيف(2).

والمتحصل أنه لم تثبت صحة جميع روايات الكافي، بل لا شك في أن بعضها ضعيفة، بل أن بعضها يطمأن بعدم صدورها من المعصوم (عليه السلام). والله أعلم ببواطن الأمور.

______________________________

(1) تقدّم ذلک في الصفحة 10.

(2) تقدّم ذلک في الصفحة 59.

( 74 )


الفصل الثاني

النظر في صحة روايات من لا يحضره الفقيه

وقد استدل على أن روايات كتاب من لا يحضره الفقيه كلها صحيحة-بما ذكره في أول كتابه-حيث قال: «ولم أقصد في قصد المصنفين في إيراد جميع ما رووه، بل قصدت إلى إيراد ما أفتي به وأحكم بصحته، وأعتقد فيه أنه حجة فيما بيني وبين ربي تقدس ذكره، وتعالت قدرته، وجميع ما فيه مستخرج من كتب مشهورة عليها المعول وإليها المرجع. وغيرها من الأصول والمصنفات التي طرقي إليها معروفة في فهرس الكتب التي رويتها عن مشايخي وأسلافي رضي الله عنهم»(1).

والجواب: أن دلالة هذا الكلام على أن جميع ما رواه الشيخ الصدوق في كتابه-من لا يحضره الفقيه -صحيح عنده، وهو يراه حجة-فيما بينه وبين الله تعالى-واضحة، إلا أنا قد ذكرنا(2) أن تصحيح أحد الأعلام المتقدمين رواية لا ينفع من يرى اشتراط حجية الرواية بوثاقة راويها أو حسنه، على أنا قد علمنا من تصريح الصدوق نفسه على ما تقدم(2) أنه يتبع في التضعيف والتصحيح شيخه ابن الوليد، ولا ينظر هو إلى حال الراوي نفسه، وأنه ثقة أو غير ثقة.

______________________________

(1) الفقيه 1: 3 ، 5.

(2) في ص 58 ـ 59.

(3) في ص 59 ، 74.

( 75 )


أضف إلى ذلك أنه يظهر من كلامه المتقدم: أن كل رواية كانت في كتاب شيخه ابن الوليدأو كتاب غيره من المشايخ العظام والعلماء الأعلام يعتبرهاالصدوق رواية صحيحة، وحجة فيما بينه وبين الله تعالى. وعلى هذا الأساس ذكر في كتابه طائفة من المرسلات، أفهل يمكننا الحكم بصحتها باعتبار أن الصدوق يعتبرها صحيحة؟.

وعلى الجملة: أن إخبار الشيخ الصدوق عن صحة رواية وحجيتها إخبار عن رأيه ونظره، وهذا لا يكون حجة في حق غيره.

( 76 )


الفصل الثالث

النظر في صحة روايات التهذيبين

وقد استدل على ما قيل من صحة جميع روايات التهذيبين بما حكاه المحقق الكاشاني في الوافي عن عدة الشيخ (قدس سره) من أنه قال فيه: «إن ما أورده في كتابي الأخبار إنما آخذه من الأصول المعتمد عليها»(1).

فإن في هذا الكلام شهادة على أن جميع روايات كتابيه مأخوذة من هذه الكتب فهي صحيحة. والجواب:

أولا: أنا لم نجد في كتاب العدةهذه الجملة المحكية عنه. والظاهر أن الكاشاني نسب هذه الجملة إلى الشيخ لزعمه أنه المستفاد من كلامه، فإن الشيخ -بعد ما ذكر اختياره- وهو حجية خبر الواحد إذا كان واردا من طريق أصحابنا القائلين بالإمامة، وكان ذلك مرويا عن النبي ص، أو عن أحد الأئمة (عليهم السلام)، وكان ممن لا يطعن في روايته، ويكون سديدا في نقله، قال: «والذي يدل على ذلك إجماع الفرقة المحقة، فإني وجدتها مجمعة على العمل بهذه الأخبار التي رووها في تصانيفهم، ودونوها في أصولهم لا يتناكرون ذلك ولا يتدافعونه، حتى أن واحدا منهم إذا أفتى بشيء لا يعرفونه سألوه من أين قلت هذا؟فإذا أحالهم إلى كتاب معروف أو أصل مشهور وروايته، وكان راويه ثقة لا ينكر حديثه، سكتوا وسلموا الأمر في ذلك، وقبلوا قوله.»(2).

______________________________

(1) الوافي 1: 23.

(2) العدّة في أصول الفقه 1: 126.

( 77 )


وقال بعد ما ذكر جملا من الاعتراض على حجية الخبر وأجاب عنها: «ومما يدل أيضا على جواز العمل بهذه الأخبار التي أشرنا إليها ما ظهر من الفرقة المحقة من الاختلاف الصادر عن العمل بها، فإني وجدتها مختلفة

المذاهب في الأحكام، ويفتي أحدهم بما لا يفتي به صاحبه في جميع أبواب الفقه من الطهارة إلى باب الديات من العبادات والأحكام والمعاملات والفرائض وغير ذلك، مثل اختلافهم في العدد والرؤية في الصوم، واختلافهم في أن التلفظ بثلاث تطليقات هل يقع واحدة أم لا، ومثل اختلافهم في باب الطهارة في مقدار الماء الذي لا ينجسه شيء، ونحو اختلافهم في حد الكر، ونحو اختلافهم في استئناف الماء الجديد لمسح الرأس والرجلين، واختلافهم في اعتبار أقصى مدة النفاس، واختلافهم في عدد فصول الأذان والإقامة وغير ذلك في سائر أبواب الفقه حتى أن بابا منه لا يسلم إلا وجدت العلماء من الطائفة مختلفة في مسائل منه أو مسألة متفاوتة الفتاوى. وقد ذكرت ما ورد عنهم (عليه السلام) في الأحاديث المختلفة التي يختص الفقه في كتابي المعروف بالإستبصارو في كتاب تهذيب الأحكام ما يزيد على خمسة آلاف حديث، وذكرت في أكثرها اختلاف الطائفة في العمل بها، وذلك أشهر من أن يخفى». فقد تخيل المحقق الكاشاني دلالة هاتين الجملتين على: أن الشيخ لا يذكر في كتابيه إلا الروايات المأخوذة من الكتب المعتمدة، المعول عليها عند الأصحاب، ولكن من الظاهر أن هذا تخيل لا أساس له، ولا دلالة في كلام الشيخ على أن جميع روايات كتابيه مأخوذة من كتاب معروف أو أصل مشهور، بل ولا إشعار فيه بذلك أيضا. على أن الشيخ ذكر أن عدم إنكار الحديث الموجود في كتاب معروف أو أصل مشهور إنما هو فيما إذا كان الراوي ثقة، فأين شهادة الشيخ بأن جميع روايات

( 78 )


الكتاب المعروف، أو الأصل المشهور صحيحة، ولا ينكرها الأصحاب؟. ومما يؤيد ما ذكرناه أن الشيخ ذكر في غير مورد من كتابيه:(1) أن ما رواه، من الرواية ضعيف لا يعمل به، وقد رواها عن الكتب التي روى بقية الروايات عنها، فكيف يمكن أن ينسب إليه أنه يرى صحة جميع روايات تلك الكتب؟.

وثانيا: لو سلمنا أن الشيخ شهد بصحة جميع روايات كتابيه، فلا تزيد هذه الشهادة على شهادةالصدوق بصحة جميع روايات كتابه، فيجري فيها ما ذكرناه(2) في شهادةالصدوق من أن الشهادة على صحة الحديث وحجيته لا تكون حجة في

حق الآخرين، بعد ما كانت شرائط الحجية مختلفة بحسب الأنظار. وقد تحصل من جميع ما ذكرناه أنه لم تثبت صحة جميع روايات الكتب الأربعة، فلا بد من النظر في سند كل رواية منها، فإن توفرت فيها شروط الحجية أخذ بها، وإلا فلا.

______________________________

(1) منها ما تقدّم في ص 13، 14.

(2) في ص 75.

( 79 )


المقدمة السادسة

* استعراض الأصول الرجالية المعتمدة.

* التشكيك في نسبة الرجال إلى الغضائري.

* الحكم عليه بالوضع والاختلاق.

الأصول الرجالية

وهذه الأصول خمسة:

1- رجال البرقي:المعبر عنه في فهرست الشيخ بطبقات الرجال(1).

وقد اعتنى العلامةبهذا الكتاب في الخلاصة، وذكر في إجازته الكبيرة(2) وغيرها طريقه إلى فهرست الشيخ، وإلى ما اشتمل عليه الفهرست من الكتب.

2- رجال الكشي:فقد ذكرنا(3) أنه لم يصل إلى العلامة ومن تأخر عنه فيما نعلم، وقد وصل إليهم وإلينااختيار الكشي، وهو الذي اختاره الشيخ من أصل الكشي.

3- رجال الشيخ.

4- فهرست الشيخ.

______________________________

(1) الفهرست : 20/ 65.

(2) المذکورة في البحار 104 : 106.

(3) في ص 29.

( 80 )


5- رجال النجاشي.وهذه الكتب-عدارجال البرقي -من الكتب المعروفة التي تناولتها الأيدي طبقة بعد طبقة، ولا يحتاج ثبوتها إلى شيء، ومع ذلك فقد ذكرهاالعلامةفي إجازته الكبيرة، وذكر طريقه إليها.

وأما الكتاب المنسوب إلى ابن الغضائري فهو لم يثبت، ولم يتعرض له العلامةفي إجازاته، وذكر طرقه إلى الكتب، بل إن وجود هذا الكتاب في زمان النجاشي والشيخ أيضا مشكوك فيه، فإن النجاشي لم يتعرض له، مع أنه (قدس سره) بصدد بيان الكتب التي صنفهاالإمامية، حتى أنه يذكر ما لم يره من الكتب، وإنما سمعه من غيره أو رآه في كتابه، فكيف لا يذكر كتاب شيخه الحسين بن

عبيد الله أو ابنه أحمدو قد تعرض (قدس سره) لترجمةالحسين بن عبيد الله وذكر كتبه(1)، ولم يذكر فيها كتاب الرجال، كما أنه حكى عن أحمد بن الحسين في عدة موارد(2)، ولم يذكر أن له كتاب الرجال. نعم إن الشيخ تعرض في مقدمة فهرسته أن أحمد بن الحسين كان له كتابان، ذكر في أحدهما المصنفات وفي الآخر الأصول، ومدحهما غير أنه ذكر عن بعضهم أن بعض ورثته أتلفهما ولم ينسخهما أحد(3).

والمتحصل من ذلك: أن الكتاب المنسوب إلى ابن الغضائري لم يثبت بل جزم بعضهم بأنه موضوع، وضعه بعض المخالفين ونسبه إلى ابن الغضائري.

______________________________

(1) رجال النجاشي : 69/ 166.

(2) منها ما في رجال النجاشي : 83/ 200 (أحمد بن الحسين بن عمر)، 52 / 117 (الحسين ابن أبي العلاء).

(3) الفهرست : 1ـ2.

( 81 )


ومما يؤكد عدم صحة نسبة هذا الكتاب إلى ابن الغضائري: أن النجاشي ذكر في ترجمةالخيبري عن ابن الغضائري أنه ضعيف في مذهبه ولكن في الكتاب المنسوب إليه أنه ضعيف الحديث غالي المذهب، فلو صح هذا الكتاب لذكرالنجاشي ما هو الموجود أيضا، بل إن الاختلاف في النقل عن هذا الكتاب، كما في ترجمةصالح بن عقبة بن قيس(3) وغيرها يؤيد عدم ثبوته، بل توجد في عدة موارد ترجمة شخص في نسخة ولا توجد في نسخة أخرى، إلى غير ذلك من المؤيدات. والعمدة: هو قصور المقتضي، وعدم ثبوت هذا الكتاب في نفسه، وإن كان يظهر من العلامةفي الخلاصةأنه يعتمد على هذا الكتاب ويرتضيه. وقد تقدم(4) عن الشهيد الثاني، والآغا حسين الخونساري ذكر هذا الكتاب في إجازتيهما، ونسبته إلى الحسين بن عبيد الله الغضائري، لكنك قد عرفت أن هذا خلاف الواقع، فراجع. ثم إن النجاشي: قد التزم-في أول كتابه(5) -أن يذكر فيه أرباب الكتب من أصحابنا رضوان الله تعالى عليهم، فكل من ترجمه في كتابه يحكم عليه بأنه إمامي، إلا

______________________________

(1) رجال النجاشي: 154 / 408.

(2) الرجال (لابن الغضائري): 56/ 43.

(3) [فقد نقل العلّامة في الخلاصة: 360 / 1419 عنه أنّه: کذّاب غال، لا يلتفت إليه، بينما نقل عنه ابن داود في رجاله 250 / 237 في القسم الثاني أنّه: ليس حديثه بشيء ، کذّاب غال کثير المناکير. وما ذکرناه عن العلّامه هو الموجود في کتاب الرجال (لابن الغضائري): 69 / 70].

(4) في ص 29.

(5) رجال النجاشي: 3.

( 82 )


أن يصرح بخلافه، فإنه وإن ذكر جملة من غير أصحابنا أيضا، وترجمهم استطرادا، إلا أنه صرح بانحرافهم وانتحالهم المذاهب الفاسدة.

وأماالشيخ فلم يلتزم بذلك في فهرسته، بل تصدى لذكر من له كتاب من

المصنفين وأرباب الأصول، وإن كان اعتقاده مخالفا للحق ومنتحلا لمذهب فاسد، فذكره أحدا في كتابه-مع عدم التعرض لمذهبه-لا يكشف عن كونه إماميا بالمعنى الأخص. نعم يستكشف منه أنه غير عامي فإنه بصدد ذكر كتب الإماميةبالمعنى الأعم. وقد تصدى الشيخ في رجاله لذكر مطلق الرواة ومن كانت لهم رواية عن المعصوم مع الواسطة أو بدونها، سواء كان من الإماميةأم لم يكن، فليس ذكره أحدا في رجاله كاشفا عن إماميته، فضلا عن إيمانه. ثم إن الشيخ قال في أول رجاله: «أما بعد فإني قد أجبت إلى ما تكرم به الشيخ الفاضل فيه من جمع كتاب يشتمل على أسماء الرجال الذين رووا عن النبي ص، وعن الأئمة (عليه السلام) من بعده، إلى زمن القائم عجل الله فرجه الشريف، ثم أذكر بعد ذلك من تأخر زمانه عن الأئمة (عليه السلام) من رواة الحديث، أو من عاصرهم ولم يرو عنهم»(1).

هذا، وقد اتفق في غير مورد أن الشيخ ذكر اسما في أصحاب المعصومين (عليهم السلام)، وذكره في من لم يرو عنهم أيضا. وفي هذا جمع بين المتناقضين، إذ كيف يمكن أن يكون شخص واحد أدرك أحد المعصومين (عليه السلام) وروى عنه، ومع ذلك يدرج في من لم يرو عنهم (عليهم السلام). وقد ذكر في توجيه ذلك وجوه لا يرجع شيء منها إلى محصل:

______________________________

(1) رجال الطوسي: 17.

( 83 )


الأول: أن يراد بذكره في أصحاب أحد المعصومين (عليه السلام) مجرد المعاصرة وإن لم يره ولم يرو عنه، فيصح حينئذ ذكره في من لم يرو عنهم (عليه السلام) أيضا. ويرده:

1- أنه خلاف صريح عبارته من أنه يذكر أولا من روى عن النبي أو أحد المعصومين (عليهم السلام)، ثم يذكر من تأخر عنهم أو عاصرهم ولم يرهم.

2- أنه لا يتم في كثير من الموارد، فإن من ذكره في من لم يرو عنهم (عليه السلام)

أيضا قد روى عنهم (عليهم السلام)، كما ستقف عليها في تضاعيف الكتاب إن شاء الله تعالى.

الثاني: أن شخصا واحدا إذا كانت له رواية عن أحد المعصومين (عليه السلام) بلا واسطة، صح ذكره في أصحابه ع، وإذا كانت له رواية عن المعصوم مع الواسطة صح ذكره في من لم يرو عنهم (عليهم السلام)، فلا تنافي بين الأمرين. ويرده: أن وجود رواية شخص عن المعصوم (عليه السلام) مع الواسطة لا يصحح ذكره في من لم يرو عنهم (عليهم السلام)، بعد ما كانت له رواية عنهم (عليهم السلام)، فإن المصحح لذكر أحد في من لم يرو عنهم (عليه السلام) هو عدم روايته عنهم بلا واسطة، مع كونه من رواة الحديث، لا روايته عن المعصوم (عليه السلام) مع الواسطة، ولو كان راويا عنه بلا واسطة أيضا، كيف؟ ولو صح ذلك لزم ذكر جميع أصحاب الأئمة (عليه السلام) في من لم يرو عنهم (عليه السلام) إلا من شذ وندر منهم، فإنه قل في أصحابهم (عليه السلام) من لم يرو عن غير المعصوم، على ما ستقف عليه إن شاء الله تعالى. الثالث: أن يتحفظ في كل من الموردين على ظاهر الكلام، فيلتزم بالتعدد،

( 84 )


وأن من ذكر في أصحاب أحد المعصومين (عليه السلام) مغاير لمن ذكره في من لم يرو عنهم (عليهم السلام). ويرده: أن هذا وإن أمكن الالتزام به في الجملة، إلا أنه لا يمكن الالتزام به في جملة منها، فإنه لا شك في عدم تعدد بعض المذكورين في كلا الموردين، كفضالة بن أيوب، فقد ذكره الشيخ في أصحاب الكاظم (عليه السلام)(1) والرضا (عليه السلام)(2)، ومع ذلك فقد ذكره في من لم يرو عنهم (عليه السلام) أيضا(3) وكمحمد بن عيسى العبيدي، فقد ذكره في أصحاب الرضا (عليه السلام)(4) والهادي (عليه السلام)(5) والعسكري (عليه السلام)(6)، ومع ذلك فقد ذكره

في من لم يرو عنهم (عليه السلام) أيضا(7)، وكقاسم بن محمد الجوهري، فقد ذكره في أصحاب الصادق (عليه السلام)(8) تارة، وفي من لم يرو عنهم (عليه السلام)(9) أخرى. وغير ذلك مما تقف عليه في تضاعيف الكتاب إن شاء الله تعالى. والتوجيه الصحيح: أن ذلك قد صدر من الشيخ لأجل الغفلة والنسيان، فعند ما ذكر شخصا في من لم يرو عنهم (عليه السلام) غفل عن ذكره في أصحاب المعصومين (عليهم السلام)، وإنه روى عنهم بلا واسطة، فإن الشيخ لكثرة اشتغاله

______________________________

(1) رجال الطوسي: 342 / 5092.

(2) المصدر المتقدّم: 363 / 5383.

(3) المصدر المتقدّم: 436 / 6237.

(4) المصدر المتقدّم: 367/ 5464.

(5) المصدر المتقدّم: 391/ 5758.

(6) المصدر المتقدم: 401 / 5885.

(7) المصدر المتقدّم: 448/ 6361.

(8) المصدر المتقدّم: 273/ 3946.

(9) المصدر المتقدّم: 342/ 5095.

( 85 )


بالتأليف والتدريس كان يكثر عليه الخطأ، فقد يذكر شخصا واحدا في باب واحد مرتين، أو يترجم شخصا واحدا في فهرسته مرتين.

وأما خطؤه في كتابيه التهذيب والإستبصار فكثير، وستقف على ذلك في ما يأتي إن شاء الله تعالى. وقد تقدم(1) عن الحدائق قوله: «قل ما يخلو حديث في التهذيب من ذلك (التحريف، والتصحيف، والزيادة، والنقصان) في متنه أو سنده». ثم إن الشيخ في عدة موارد-بعد ذكر شخص في أصحاب الصادق (عليه السلام) -وصفه بجملة: «أسند عنه». وقد اختلف في معنى هذه الجملة وفي هيئتها، فقرئت-تارة-بصيغة المعلوم، وأخرى بصيغة المجهول. ولا يكاد يظهر لها معنى محصل خال من الإشكال. وذكروا في معنى هذه الجملة وجوها:

1- قيل إنها بصيغة المعلوم ومعناها: أنه روى عن الصادق (عليه السلام) مع واسطة وهذا المعنى هو الظاهر في نفسه، وهو الذي تعارف استعماله فيه، فيقال: روى الشيخ الصدوق بإسناده عن حريزمثلا، ويراد به أنه روى عنه مع واسطة. وقد يؤيد ذلك بقول الشيخ في غياث بن إبراهيم أسند عنه، وروى عن أبي الحسن (عليه السلام)(2)، فإن ظاهر هذا الكلام أنه لم يرو عن أبي عبد الله (عليه السلام)، وإنما أسند عنه، أي روى عنه مع الواسطة. إلا أن هذا المعنى لا يتم من وجوه:

الأول: أنه لو صح ذلك، لم يكن وجه-حينئذ-لذكر الرجل في أصحاب

______________________________

(1) في ص 21.

(2) رجال الطوسي: 268 / 3853.

( 86 )


الصادق (عليه السلام)، فإن المفروض أنه لم يرو عنه إلا مع الواسطة، بل لا بد من ذكره في من لم يرو عنهم (عليهم السلام)، أو في أصحاب من روى عنه بلا واسطة.

الثاني: أن كثيرا ممن ذكره الشيخ في أصحاب الصادق (عليه السلام) وقال أسند عنه، قد ذكرهم النجاشي والشيخ نفسه في الفهرست، وقال إنه روى عن أبي عبد الله (عليه السلام). وستقف على ذلك في موارده إن شاء الله تعالى. الثالث: أن هذا ينافي ما ذكره الشيخ في ترجمةجابر بن يزيد الجعفي(1)، ومحمد بن إسحاق بن يسار(2)، ومحمد بن مسلم بن رباح(3)، حيث قال: أسند عنه، وروى عنهما، فإن الإسناد عنه إذا كان معناه أن روايته عن الصادق (عليه السلام) مع واسطة، فكيف يجتمع هذا مع روايته عنه (عليه السلام) بلا واسطة.

2- وقيل إنها بصيغة المجهول: ومعناها أن الأجلاء رووا عنه على وجه الاعتماد، فهذا يكون مدحا في حق من وصف بذلك. ويرده: -مضافا إلى أن هذا خلاف ظاهر اللفظ في نفسه-أن أكثر من وصفهم الشيخ بهذا الوصف مجاهيل وغير معروفين، بل لم يوجد لبعضهم رواية واحدة. على ما تقف على ذلك في موارده إن شاء الله تعالى. ولو كان المراد من التوصيف ما ذكر لم يختص ذلك بجمع من أصحاب الصادق (عليه السلام) وبعدد قليل من أصحاب الباقر (عليه السلام) والكاظم (عليه السلام)، بل كان على الشيخ أن يذكره في أصحاب جميع المعصومين ممن عرفوا بالصدق والصلاح مثل أصحاب الإجماع ومن يقاربهم في العظمة والجلال.

______________________________

(1)رجال الطوسي: 176 / 2092.

(2) المصدر المتقدّم: 277 / 3998.

(3) المصدر المتقدّم: 294 / 4293.

( 87 )


3- وقيل إن معناها: أن رواياته مختصة بما رواه عن الصادق (عليه السلام)، ولم يرو عن غيره. ويرده: -مضافا إلى أنه خلاف ظاهر اللفظ، إذ لا دلالة فيه على الحصر-أنه ينافيه

تصريح الشيخ نفسه بروايته عن غيرالصادق (عليه السلام) أيضا، كما تقدم ذلك آنفا في غياث بن إبراهيم، وجابر بن يزيد، ومحمد بن إسحاق، ومحمد بن مسلم.

4- وقيل معناها: أن ابن عقدةأسند عنه، أي أن ابن عقدةحينما ذكر الموصوف بهذا الوصف روى عنه رواية. ويرده:

أولا: أن من وصفهم الشيخ بذلك قليلون يبلغ عددهم مائة ونيفا وستين موردا، ومن ذكره ابن عقدةفي رجال أصحاب الصادق (عليه السلام) كثيرون، على ما ذكره الشيخ في ديباجةرجاله(1).

وقد ذكرالعلامة(2) أنهم أربعة آلاف رجل، وأن ابن عقدةقد أخرج لكل واحد منهم رواية، فكيف يمكن أن يقال إن من وصفهم الشيخ بهذا الوصف هم الذين أخرج لهم ابن عقدةحديثا. ثانيا-أن الشيخ صرح في ديباجة كتابه: أن ابن عقدةلم يذكر غير أصحاب الصادق (عليه السلام)، والشيخ قد ذكر هذه الجملة في جمع من أصحاب الباقر (عليه السلام) والكاظم (عليه السلام) والرضا (عليه السلام) أيضا. كحماد بن راشد الأزدي(3)، ويزيد بن الحسن(4)، وأحمد بن عامر بن سليمان(5)،

______________________________

(1) رجال الطوسي: 17.

(2) خلاصة الأقوال: 321 / 1263.

(3) رجال الطوسي: 132 / 1360.

(4) المصدر المتقدّم: 346/ 5175.

(5) المصدر المتقدّم: 351 / 5199.

( 88 )


وداود بن سليمان بن يوسف(1)، وعبد الله بن علي(2)، ومحمد بن أسلم الطوسي(3).

فتلخص: أنه لا يكاد يظهر معنى صحيح لهذه الجملة في كلام الشيخ (قدس سره) في هذه الموارد، وهو أعلم بمراده.

______________________________

(1) المصدر المتقدّم: 357/ 5292. [وفيه: داود بن سليمان بن يونس].

(2) المصدر المتقدّم: 360/ 5330.

(3) المصدر المتقدّم: 366 / 5437.

( 89 )


المصدر: رسالة في كليات علم الرجال

رأي ذو صلة