
امتازت حاضرة العلم التليد ومنارة الأدب ”النجف الأشرف”، بأن كلّ جيل ينشأ فيها يعاصر جهابذة العلم والأدب، ويرى معالم الماضين مما شيَد أو سَطر، وكلها تدل على جهود عظماء حلّوا وارتحلوا، ومن عظمائنا سيدنا الإمام الخوئي (قدس سره) الذي ترك أسساً علمية تدور عليها رحى الدرس اليوم.
فقد أنشأ الإمام الخوئي(قده) مدرسة دينية “دار العلم” في الجهة الغربية من الصحن العلوي المطهر في محلة “العمارة” بتاريخ ١٩٧٣م وأقام درسه المبارك سنين عديدة، وكانت حلقات الدرس تعقد هناك، ويشهد بذلك القاصي والداني، وشاع صيتها وذاع مجدها وأصبحت رواقاً من أروقة العلم في هذه المدينة المباركة.
قد أغضب النظام الظالم آنذاك، وحدا به أن يبحث عن وسيلة لإطفاء ذلك النور، تحت ذريعة التوسعة، فطالت يد التخريب الغاشمة ذلك الصرح العظيم سنة ١٩٩٠م طمساً لمعالم مدينة أمير المؤمنين (عليه السلام).
وعلى الرغم من كلّ تلك الصعاب، قرر الإمام الخوئي (قدس سره) إنشاء مدرسة علمية تكون داراً للعلم بدلاً من تلك التي هُدّمت، فتمّ شراء في حياته ١٦ عقاراً بمساحة ٣٫٣٢٠ م٢ وعلى بعد ٣٠م عن المرقد العلوي المطهر.
إلا أن النظام السابق وبروحه العدائية الحاقدة أقدم على مصادرة كلّ تلك الأملاك، وهي في مرحلة الآمال وإعداد التصميم والخرائط. وجمَد كلّ شيء في محلّه وتفرق أبناء وأحفاد الإمام الخوئي (قدس سره) كما تفرق أبناء شعب العراق المظلوم.
بعد سقوط النظام البائد، وببركة سيد الموحدين أمير المؤمنين (عليه السلام) وعناية الحجة بن الحسن (عجل الله فرجه) ورعاية المراجع العظام (أدام الله ظلهم الوارف)، وفي مقدمتهم المرجع الديني الأعلى سماحة آية الله العظمى السيد علي السيستاني (دام ظله)، ووفاء من بعض الإخوة الخيرين والمحبين للمذهب، تم استرجاع العقارات وبناء هذه المشروع الذي يتألف من مبنييْن بـ ١١ طابقاً ومساحة بناء إجمالية ٣١٫٠٠٠ م٢ بكلفة قدرُها ٤٠ مليون دولار أمريكي. وتم إفتتاح المبنى الأول من المشروع في العام ١٤٣٨هـ المصادف عام ٢٠١٧م.
مشروع «دار العلم» وقفٌ خيري تحت إشراف المرجع الديني الأعلى للمسلمين الشيعة في النجف الأشرف.
١- مدرسة للدراسات الحوزوية خُصّص لها ٤٠ قاعة دراسية مختلفة الأحجام.
٢- مكتبة عامة تتّسع إلى مليون وخمسمائة ألف كتاب في طابقين مع ٢٤ غرفة للمحققين والباحثين وأقسام خاصة للنساء والأطفال وذوي الاحتياجات الخاصة.
٣- مصلّى بمساحة ٨٥٠ م٢ في الطابق الأرضي وبسعة ٨٠٠ مصلٍّ.
٤- قاعتين كبيرتين للمؤتمرات سعة كل منها ٧٠٠ شخص.
٥- ١٠ غرف ضيافة للباحثين والمحققين وأساتذة الحوزة العلمية الزائرين.
٦- قسم داخلي من ٣٠٠ غرفة لسكن طلاب الحوزة العلمية.
٧- استوديو متطوّر لإنتاج البرامج الدينية والعلمية والثقافية.
٨- مرصد فلكيّ.
٩- متحف حوزة النجف الأشرف العلمية.
١٠- مطبخ مركزي مع صالة طعام سَعَتُها ٤٠٠ شخص.
١١- مصاعد كهربائية عددها ٩ موزعة على مختلف الأقسام، ومساحات استراحة مع حدائق داخلية، وأجهزة تبريد وتكييف مركزية، ومولدات كهربائية، وبدالة مركزية، وخدمات إلكترونية، وصالة رياضية.
١٢- جنّة العلماء (مقبرة خاصة) للمراجع والعلماء الأعلام في حوزة النجف الأشرف حصراً.
أبيات الشيخ عبد المنعم الفرطوسي (رحمه الله)
دارالعلم للإمام الخوئي
دٰارُ العُلوُمِ لِفِقْهِ آلِ مُحَمَّدِ ** رُفِعَتْ قَواعِدُهَا بأفْضَلِ مَشْهَدِ
وَمَنَارُ بَحْثٍ لِلأصُولِ تَطَاوَلَتْ ** شُرُفَاتُها شَرَفاً بِأصْدَقِ مَقْعَدِ
وَتَبَارَكَ النَّجَفُ الأغَرُّ مُحَيِّياً ** بِاليُمْنِ بَيْنَ مُؤَسِّسٍ وَمُجَدِّدِ
للسَّيّدِ الخوْئيِّ أَعْظَمُ مَعْهَدٍ ** وَلِشَيْخِنا الطّوْسِيّ أَكرَمُ مَسْجِدِ
طَلَبُ العُلوُمِ عِبَادَةٌ يَعْلُوبِهَا ** زُلفَىٰ مَقَامُ العَالِمِ المُتَعَبِّدِ
هَلْ يَسْتَويْ مَنْ يَعْلَمُونَ وَمَنْ هُمُ ** لَايَعْلَمُونَ بِمَصْدَرٍ وَبِمَوْرِدِ
وٱللهُ يَرْفَعُ كُلَّ مَنْ أوتُوا بِهِ ** دَرَجَاتِ فَضْلٍ فِىْ سَمَاءِ السُّؤدَدِ
فَاطْلُبْهُ مُجْتَهِداً اِلَىٰ اللّحْدِ ٱلّذِي ** تُطْوَىٰ بِهِ مِنْ مَهْدِ يَوْمِ المَوْلِدِ
وَلَقَدْ تَجَلَّىٰ فِيْهِ نَصٌّ صَادِقٌ ** عَنْ بَاقِرِ العِلْمِ الأمَامِ مُحَمَّدِ
العِلْمُ أفْضَلُ صَاحِبٍ فِى غُرْبَةٍ ** وَهُوَ الأنِيْسُ لِوَحْشَةِ المُتَفَرِّدِ
وَالبَحْثُ عَنْهُ هُوَ الجِّهَادُ وَبَذْلُه ** لِلنَّاسِ أفْضَلُ قُرْبَةٍ وَتَعَبُّدِ
وَزَكَاتُهُ تَعْلِيْمُهُ وَتَهَجُّدٌ ** فِيْهِ التَذَاكُرُ مِنْ فَمِ المُتَهَجِّدِ
فَتَعَلَّمُوهُ وَعَلِّمُوهُ فَإنَّهُ ** عَوْنٌ عَلَىٰ الضَرَّاءِ لِلمُسْتَرفِدِ
وَهُوَ السِّلَاحُ عَلَىٰ العَدُوِّ وَجُنَّةٌ ** وَمَنَارُ جَنَّتِكُمْ بِيَوْمِ المَوْعِدِ
وِالعِلْمُ وَٱلعُلَمَاءُ حَسْبُهُمُ عُلاً ** يَسْمُوْبِهِمْ كَرَماً لِأشرَفِ مَقْصَدِ
مَاقَالَهُ فِيْهِمْ عَليٌّ أنَّهُمْ ** بَاقُونَ أحْيَاءً بَقَاءَ الفَرْقَدِ
أمْثَالهُمْ بَيْنَ القُلُوبِ اِذَا ٱخْتَفَتْ ** أعْيَانُهُمْ مَوْجُوْدَةٌ لَمْ تُفْقَدِ
وَالعِلمُ يَحْرُسُ أهْلَهُ فِى مَرْصَدٍ ** وَالمَالُ تَحْرُسُهُ وَأنْتَ بِمَرْصَدِ
وَالعِلْمُ بِالإنْفَاقِ يَزْكُوْ كَثْرَةً ** وَالمَالُ تُنْقِصُهُ يَدُٱلمُتَزَوِّدِ
نَظْمُ الشَيّخْ عَبْدالمُنْعِم الفَرطُوْسِي (رحمه الله)
العراق ١٣٨٣هـ ـ ١٩٧٣م