
نظراً للحاجة الماسة التي يعانيها المؤمنون القاطنون في نيويورك الى مركز اسلامي كبير يسع ما يحتاجون اليه من خدمات ونشاطات بلغاتهم المختلفة، كالعربية والفارسية، والاردوية والانكليزية (إذ أن المركز الذي كان قد أسسه سماحة المرجع الديني الاعلى، قبل أكثر من عشرين عاما، لم يعد كافيا لاستيعاب هذه الحاجات)، فتم شراء مبنى كبير في منطقة حيوية من مدينة نيويورك، عام ۱۹۸۸م، وتمت اعادة بنائه كلياً (ماعدا الهيكل الخارجي) ليصبح مؤهلاً لمركز اسلامي حديث لائق يتناسب مع التقدم التقني المعماري في القارة الامريكية ولكي يعطي الطابع الواقعي للفكر الاسلامي المتحرر الداعي الى الحيوية والتقدم والكمال.
وقد استغرق العمل في اعادة بنائه وترميمه وتجديده زهاء اثني عشر شهراً بذل فيه المهندسون والفنيون والاختصاصيون قصارى جهدهم ليل نهار، وقد واجهوا صعوبات ومشاكل جمة فنية واجتماعية وسياسية نحن في غنى عن ذكرها. ولكن والحمد لله كانت النتيجة ان اصبح لدينا اليوم أضخم مركز اسلامي شيعي في امريكا، وتم افتتاحه في منتصف شعبان سنة ١٤٠٩ هجرية (١٩٨٩/٣/٢٥)، في حفل كبير حضره معظم العلماء في الولايات المتحدة والشخصيات وجمهور غفير من المؤمنين الساكنين في نيويورك وضواحيها. وافتتح الحفل بآي من الذكر الحكيم، ثم كلمة سماحة الإمام المؤسس (قده) وكلمة المؤسسة ألقاها الامين العام العلامة الشهيد السيد محمد تقي الخوئي (ره). ثم القى السادة العلماء والشخصيات وبعض الضيوف كلمات بالمناسبة. والمركز يقوم بتلبية الحاجات الاساسية لابناء المسلمين عموما في تلك الديار، كما لأبناء الطائفة ومن مختلف الجنسيات، خصوصاً في المواسم الدينية من قبيل أيام محرم، وليالي رمضان المبارك، وسائر المناسبات.
وفي ما يلي شرح للمركز كما وصفته إحدى الصحف الاسلامية:
حين تدخل المدينة التي لاتنام -نيويورك- من جانبها الجنوبي قادماً من مطارها الدولي (مطار كندي) تطالعك أنوار وأضواء مختلفة الاحجام والاشكال والالوان كلها تدعوك وتحبب لك الحياة ومتاع الدنيا. وحديثاً يطالعك نور أخضر ساطع على الجانب الايمن من الشارع الرئسي العام باتجاه المدينة، تقرأ فيه معاني الحياة الحقيقية، الحق والعدل السمو والرفعة الايمان والنقاء، إذ تقرأ كلمة «الله» من فوق قبة كبيرة زرقاء، تحاكي لون السماء، مرصعة عليها شعار بحروف كوفية ذهبية اللون، ما جاهد الانبياء والمرسلون إلا من أجله، هو «لا اله الا الله».
هذا المنظر المتميز بقدسيته، والجميل والانيق بفن كتابته، والمتغاير مع بقية الالواح والاعلانات المنقوشة لغة، يغير تلقائياً كثيراً من الافكار، خاصة لدى المسلمين القادمين الى هذا البلد، إذ يشعر الواحد منهم أن هناك روحاً إسلامية ترفرف في سماء هذا البلد على الرغم من كثرة الدخان وزحام الحركة والمظاهر الفاسدة.
هذا المنظر تراه فوق مبنى مؤسسة الإمام الخوئي الخيرية في نيويورك، ويشدك المنظر أكثر لتشبع فضولك، محاولاً الاجابة على كثير من الاسئلة، فلماذا هذا المبنى الضخم؟ وهل من رواد له؟ وما هي الخدمات التي يقدمها؟ وعلام يعتمد في تمويله؟ وما هي أهداف وطموحات القائمين عليه؟ والى آخر سلسلة الاسئلة، ويشدك الفضول أكثر فأكثر حتى تجد نفسك تدخل المبنى من بوابتين كبيرتين اصطفتا جنباً الى جنب، وأول ما يواجهك لوحة من الرخام الابيض أطّرت باطار ذهبي جميل دقيق الصنع، مرصعة بحروف مقدسة بارزة:
بسم الله الرحمن الرحيم
«وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون»
صدق الله العلي العظيم
(بتوجيه من سماحة آية الله العظمى المرجع الديني الاعلى الإمام السيد ابو القاسم الموسوي الخوئي دام ظله، تشرفت مؤسسة الإمام الخوئي الخيرية بانشاء هذا المركز الاسلامي في نيويورك. وقد تم افتتاحه في الذكرى الرابعة والخمسين بعد المائة والالف لميلاد بقية الله الأعظم الإمام الحجة بن الحسن العسكري عجل الله فرجه الشريف، في ۱٥ شعبان ١٤۰۹ الموافق ١٩٨٩/٣/٢٣).
وقد ترجمت هذه المعاني الى اللغة الانكليزية وكتبت أسفل اللوحة وبنفس النسق والتصميم، وما أن تخطو عدة أمتار الى الداخل، حتى تجد نفسك في رواق جميل مهيب صدر بكلمة «الله» وأحاطت به سورة من القرآن الكريم "الإنسان" تخللتها أسماء الرسول الكريم (ص) والائمة المعصومين (ع)، كتبت بخط بارز جميل على خشب الآبنوس الاسود، وعلقت وسط الرواق ثرية رائعة الاضواء والتصميم، توحي لك بالفن الاسلامي العريق، وفي أطراف الرواق غرف متعددة وقاعات للعمل والاجتماعات».
فهذا المبنى الحديث نسبيا، يحكي جانبا من قصة النشاط الاسلامي في هذا البلد، فلقد كان لممثلية المرجعية نشاطات دينية في هذه المدينة منذ أكثر من عشرين عاما، في مركز اسلامي يقع في «كوينز بوليفار» غير ان تلك النشاطات انحسرت بعض الشيء نتيجة لضيق المكان ولمجموعة عوامل أخرى لايسع ذكرها هنا، وقد زار سماحة العلامة الحجة الشهيد السيد محمد تقي الخوئي هذه المدينة واطلع بكتب على ما تعانيه الجالية الاسلامية هنا ورفع لسماحة الإمام الخوئي (قدس سرهما) تقريراً بذلك، فأمر سماحة الإمام مؤسسته الخيرية بالعمل على تطوير الخدمات والنشاطات الدينية في هذه المدينة.
وبالفعل فقد ابتاعت المؤسسة هذا المبنى الضخم، وأجرت عليه كثيرا من الاصلاحات، حتى أصبح بهذا الشكل والتصميم الرائعين، مما جعله معلماً متميزاً من معالم مدينة نيويورك، ومما يؤسف له أن البعض حاول وبشتى الوسائل عرقلة العمل وخلق كثير من العقبات أمام إنجاح المشروع، إلا ان المشروع وبحمد الله تعالى إستمر في الانشاء واستقر بالعمل والتطور لخدمة المؤمنين.
يمكن تصنيف النشاطات الى موسمية واسبوعية ويومية، فالموسمية هي ما يقام به خلال شهر رمضان المبارك ومحرم وصفر، والعطلة الصيفية، ففي شهر رمضان المبارك من كل عام تجتمع الجالية على اختلاف ألوانها وأجناسها ولغاتها لاداء صلاة المغربين جماعة، ثم يقدم المركز طعام الافطار، وبعد تناول الشاي والمرطبات، يقرأ "دعاء الافتتاح" ويشارك فيها الجميع، ثم تتوزع الجموع الى أربع مجموعات ليستمعوا لاربع محاضرات تلقى باللغات العربية والانكليزية والاردية والفارسية، ويستمر هذا البرنامج لثلاثين ليلة، ويختم بصلاة العيد التي تصلى عدة مرات لشدة الازدحام.
وتقام مراسم عاشوراء للاحتفاء باستشهاد الإمام الحسين (ع) في العشرة الأولى من محرم الحرام، بأربع لغات أيضا هي العربية والاردية والفارسية والانكليزية، بالاضافة الى برامج خاصة للاطفال والشباب، ثم يستمر البرنامج بعدها بلغة واحدة الى مناسبة الاربعين.
ومعدل الحضور في شهر رمضان المبارك يتراوح بين الى ٦٠٠ شخصاً ليلياً ليزداد في ليالي القدر الشريفة حتى يصل الى قرابة ۱۰۰۰ مؤمن ومؤمنة، اما في العشرة الأولى من المحرم فيقارب العدد الالفين شخصا، ومن ضمن النشاطات الموسمية الاحتفال بمواليد ووفيات المعصومين الاطهار عليهم السلام، وإحياء المناسبات الاسلامية الخالدة.
ولعل من أهم النشاطات الموسمية، والتي لم تكن لها سابقة في هذا البلد هي المدرسة الصيفية، اذ افتتحت قبل سبع سنوات وفيها تدرس العلوم الاسلامية واللغة العربية، وتستمر لفترة ستة أسابيع، وقد تطور الاقبال عليها، فبعد ان بدأت بعدد محدود جداً لايتجاوز الاصابع صارت تستقبل عشرات الطلاب والطالبات.
اما النشاطات الاسبوعية فتبدأ يوم الخميس مساءاً، اذ تقام صلاة المغربين جماعة ثم يقرأ "دعاء كميل" وتعقبه محاضرة باللغة الانكليزية، ثم يقدم بعض الغذاء الخفيف والمرطبات لجميع الحاضرين مع ملاحظة ازدياد عدد المشاركين في هذا البرنامج.
وفي يوم الجمعة تقام صلاة الجمعة بخطبتيها وتشارك فيها الجالية على اختلاف الوانها ولغاتها مع طلاب مدرسة الايمان، ومن بعد الصلاة يقدم للجيع طعام الغداء.
اما في أيام السبت فتفتتح البرامج باستقبال طلاب مدرسة الايمان الاسبوعية ليتعلموا القرآن الكريم وأحكام الفقه المبسطة والاخلاق والتاريخ، وتضم المدرسة أكثر من مائتي طالب وطالبة، ثم تقام الصلاة جماعة ويقدم غذاء بسيط، وتقدم بعض الدروس المتنوعة للكبار. وفي المساء يجتمع الناطقون باللغة الانكليزية للاستماع لمحاضرة بلغتهم، واغلب الحضور من الجالية الافرو-امريكية، وفي أيام الاحد تقام صلاة الجماعة مساء، وتلقى دروس قرآنية للجالية العربية.
ومن النشاطات اليومية اقامة صلاة الجماعة ظهر كل يوم واستقبال من يود مزيداً من التعرف على الاسلام وتعاليمه، والرد على الاسئلة الفقهية التي تصل المركز عن طريق البريد والهاتف.
۱- اصدار وتوزيع مجلة "الهدى" الشهرية باللغتين العربية والانكليزية، وهي تعنى بشؤون الجالية وثقافتها الاسلامية وهي حلقة الاتصال المستمرة بين المركز والجالية الاسلامية.
۲۔ اجراء عقود الزواج.
٣- حل المشاكل العائلية وتوجيهها إسلامياً.
٤- اجراء صيغ الطلاق اذا تعذرت الحلول الاخرى.
٥- اقامة مراسيم صلاة الاموات، بعد اجراء كل الفروض الاسلامية من تغسيل وتكفين، وتهيئة من يؤدي الدفن حسب التعاليم الدينية.
٦- اصدار مواقيت الصلاة والافطار وتوزيعها على ابناء الجالية.
٧- خدمة الكتاب الاسلامي من خلال فتح المكتبة الضخمة التي تحوي على اكثر من عشرة آلاف كتاب لكل من احتاج اليها.
٨- نشر الكتب الاسلامية وتسهيل تناولها على القراء بارسال قوائم الكتب المتوفرة للبيع.
٩- توزيع التسجيلات الصوتية والمرئية للقرآن الكريم ولبعض الخطباء والمحاضرين.
۱۰- الاعلان عن أوائل الشهور الاسلامية.
١١- تجميع الصدقات والتبرعات وتوزيعها على ذوي الحاجة من المسلمين.
۱۲- تشجيع الشباب على ممارسة الرياضة الخفيفة وتزويدهم بما يحتاجون اليه لابعادهم عن الاجواء السيئة في هذه المدينة الصاخبة.
١٣- الاهتمام الخاص بالمسلمين في السجون اذ يزودون بالكتب والمحاضرات والمساعدات.
١٤- الاتصال والتنسيق مع بقية المراكز الاسلامية في امريكا ومحاولة اعانتها بما يمكن.
١٥- تطوير عمل الدعوة في صفوف الامريكان.
١٦- التعريف ومحاولة إبراز الصورة الصحيحة المشرقة عن المسلمين لدى بعض البعثات الدائمة في الامم المتحدة، ومحاولة الوصول الى صيغ عملية للدفاع عن حقوق المسلمين الشيعة في العالم، وشرح مظلوميتهم وما يلحق بهم من أذى وجور في مناطق مختلفة من العالم.
۱- قاعة اجتماعات كبيرة للرجال تتسع لألف وخمسمائة شخص يمكن تقسيمها الى قاعتين؛ احداهما للصلاة، والأخرى للاجتماعات في آن واحد، مجهزتين باحدث الاجهزة السمعية والبصرية للنقل التلفزيوني والصوتي والترجمة الفورية، وكذلك التكييف الهوائي للتدفئة والتبريد، كما تشمل جميع المواصفات الصحية وشروط الامان المعمول بها في المباني الحديثة.
۲- مكتبة كبيرة وحديثة بعشرة آلاف كتاب، وتتسع لأكثر من خمسين مطالع في آن واحد.
٣- قاعة اجتماعات ومؤتمرات تسع لمائة شخص، لعقد الندوات والاجتماعات والمؤتمرات العلمية والثقافية.
٤- قاعة اجتماعات للمناسبات الخاصة تسع مائتي شخص لعقد المجالس والمحافل الخاصة.
٥- قاعة العاب مع جميع وسائل الترفيه والتسليه للاطفال الذين يصحبون اهليهم في المناسبات العامة، وذلك لغرض المحافظة على السكينة والهدوء في القاعات العامة.
٦- مكاتب ادارية لأدارة الشؤون الاسلامية في المنطقة ورعاية ابناء الطائفة في نيويورك والاماكن التابعة لها الولايات المتحدة.
٧- جناح لتعليم الاولاد مع المكتب الاداري يشتمل على اربعة صفوف كبيرة يمكن ان يتسع كل صف منها لثلاثين طالباً حسب المواصفات الرسمية.
ولقد بدأ المركز بتأسيس مدرسة في ايام السبت لتعليم الناشئة امور دينهم، وتعليم مبادئ التربية الاسلامية... وتدريجياً تكاملت الصورة وتظافرت الجهود لتأسيس مدرسة كاملة لجميع ايام الاسبوع تشتمل على مناهج يتلقاها الطالب في المدارس الاخرى، وتضاف اليها اللغة العربية والتربية الاسلامية وتعليم القرآن. وسميت هذه المدرسة (مدرسة الايمان).
٩- قسم المطعم والمطبخ ويشمل صالة كبيرة للطعام خصصت للرجال وتستوعب ما لا يقل عن ثلثمائة شخص جلوس، وأخرى للنساء تستوعب ما لا يقل عن مائة وخمسين شخص، ومطبخ كامل يمكن اعداد الطعام فيه لالفي شخص.
١٠- كما خصص مكان له مدخله المنفصل عن مداخل المبنى لتغسيل وتكفين الموتى وهو محل كانت تفتقر اليه الطائفة في مدينة نيويورك.
هذا بالاضافة الى جناح خاص لضيوف الشرف الواردين على المركز وبيت كامل للمرشد الروحي للمركز. وكذلك الصالات الفرعية التي تؤدي الى الصالات الكبيرة، والمرافق العامة ومحلات الوضوء، التي فرشت ارضياتها جميعا برخام الغرانيت وجدرانها برخام المرمر وفقاً لاحدث وافضل المواصفات المعمارية والفنية والرسمية.
كما جهز المبنى بمصعد كبير يخدم طوابقه الثلاثة ويمكن للمعاقين الوصول الى اية صالة وقاعة يرغبون بسهولة كبيرة بالاضافة الى تكييف الهواء في جميع اقسامه وصالاته ومرافقه.
وللمبنى ستة مداخل تسهل على الداخلين والخارجين الوصول الى اية نقطة وصالة دون معاناة للتزاحم والتسارع في الخروج عند انتهاء المراسيم والمناسبات أو الحالات الطارئة لا سمح الله تعالى. وقد زين المبنى بالاعمال الفنية الاسلامية من آيات واحاديث ونقوش لتسبغ على المركز الطابع الديني والعقائدي.