
مدينة العلم في مدينة قم المقدسة اسم للمشروع المبارك الذي أرسى قواعده المرجع الديني الأعلى سماحة آية الله العظمى السيد ابو القاسم الخوئي (قدس سره) والذي أسهم في إسكان طلبة العلوم الدينية الوافدين الى ایران من مختلف بقاع العالم الإسلامي لينتهلوا في هذه البقعة المباركة علوم الشريعة الإسلامية ويساهموا في نشر المباديء والتعاليم الخالدة لآل البيت عليهم السلام.
وقد أوكل الإمام الراحل السيد الخوئي (قدس سره) مهمة الإشراف والتنفيذ لهذا المشروع المبارك الى سماحة آية الله السيد جلال الدين فقيه ايماني (رحمه الله).
أصبحت مدينة العلم محط أنظار كثير من المراجع والفضلاء في الداخل والخارج ويعتبر هذا الأثر الخالد نقلة نوعية في تأريخ الحوزة العلمية، وهي مدينة سكنية مصغرة تحتوي على مستلزمات الراحة والرفاه وتتناسب مع شروط السكن المناسب لشريحة كبيرة من طلاب وفضلاء الحوزة العلمية.
تضم مدينة العلم ثلاثمائة منزل موزعة على ثلاث قطاعات يحتوي كل قطاع منها على مئة منزل جاهزة للسكن وضمن المواصفات المطلوبة، توجد فيها حديقة كبيرة وجميلة يتوسطها حوضان كبيران إضافة الى مسبح مجهز بأحدث وسائل التنقية والتخلية الصحية كما أن فيها ملاعب للأطفال وروضة لرعايتهم تبدأ بالقبول في سني الرضاعة الأولى وحتى سن الخامسة ويوجد فيها مركز لتعليم القرآن الكريم وبقية العلوم الاسلامية عبر الانترنت.
إن مدينة العلم تستقطب جميع الطاقات والقابليات لتنميتها ورعايتها حيث يوجد فيها مركز ثقافي لجميع الأعمار من فتيان وفتيات يتم فيه تعليم الكمبيوتر والرسم والخط والخياطة والتطريز وصناعة الزهور اضافة إلى بقية الحرف الأخرى كالحفر على الخشب والحجر كما يتم في هذا المركز تعليم فنون الرياضة والقتال الأعزل.
وفي مدينة العلم مدرسة علمية تضم (۱۰۲) غرفة مجهزة بوسائل التدفئة والتبريد يسكن فيها الطلاب غير المتزوجين من مختلف الفئات يقدّم فيها وجبات التغذية يومياً وفي مجال الخدمات الأخرى المقدمة للساكنين في مدينة العلم فهناك مخبز ومحل بيع المواد الغذائية وموقف للسـيارات الخاصة والداخل الى المدينة تواجهه صالة كبيرة وجميلة لاقامة المراسم الدينية وغيرها.
امّا مكتبة المدينة فهي من المكتبات الكبيرة المجهزة حسب المواصفات العالمية المتداولة في المكتبات العامة.
وتدار الأمور الادارية والخدمية لهذه المدينة بواسطة كادر من شتى الاختصاصات وباشراف مباشر من متولي مكتب المدينة ويبلغ عدد هذا الكادر ما يقرب من (٥٠) شخصاً ترجع بداية العمل في مشروع مدينه العلم الى بداية الخمسينات من العام الهجري الشمسي غير أنه تم إيقاف هذا المشروع من قبل السلطة انذاك وبو اسطة جهاز أمنه السافاك.
وبعد قيام الثورة الإسلامية في ایران بوشر العمل ثانية في مشروع المدينة واستمر البناء حتى أكملت الأجزاء الرئيسية من المشروع سنة ١٣٦٠هـ.ش / ١٩٧٩م حيث بدأ إسكان الروحانيين في البيوت المخصصة للسكن وبوشر بتقديم الخدمات اللازمة لهم. وهنا يجدر الإشارة الى أن الدور السكنية تحتوي على تصاميم جيدة تليق باسكان الشريحة المؤمنة من طلبة العلوم الدينية، فهي تقاوم الزلازل والهزات الأرضية لقد قام سماحة السيد فقيه ايماني ببذل قصارى جهده من أجل إنجاح وإكمال هذه التجربة الفريدة التي لم يسبق اليها أحد في هذا المجال واستطاع أن ينجز القسم الأعظم من المشروع رغم ما واجهه من مشاكل وعقبات استطاع أن يتغلب عليها بعون الله ورعايته.
لقد وصل المشروع الى ما هو عليه الآن وأصبح محط أنظار كثير من المراجع والفضلاء في الداخل والخارج، وفي السنوات الأخيرة وبعد أن شارف المشروع على الإكتمال لم يستطع سماحة السيد فقيه ايماني حفظه الله من الإستمرار فى الإشراف والمتابعة لكبر سنه ومتاعبه الكثيرة حيث أوكل مهمة اكمال المشوار الى نجله الأكبر سماحة السيد محمد فقيه ايماني الذي اضطلع بهذه المسؤولية المهمة والعظيمة فقام بها على أتم وجه بما قدمه من خدمات لرفع المعاناة عن طلبة الحوزة العلمية.
سكن المدينة منذ تأسيسها الى الآن ما يقارب (١٥٠٠) عائلة من مختلف الجنسيات المسلمة سواء من ابناء الشعب الايراني أو أبناء البلدان الإسلامية الأخرى كالعراق، لبنان، باکستان، افغانستان، الهند، جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق وهم من فضلاء واساتذة الحوزة العلمية.
من الأقسام المهمة في مدينة العلم قسم المجمع الثقافي الذي يقوم بتقديم الخدمات الى الناشئة والأطفال من الذكور والاناث وفي مختلف المجالات عبر البرامج الدينية والعلمية والتخصصية والثقافية والرياضية والفنية وغيرها.
أما الهدف من تأسيسه فهو خدمة أبناء طلبة الحوزة العلمية الأفاضل: ومن ضمن البرامج التي يسعى اليها هذا القسم هو الترويج لخدمة المذهب في المجالات المختلفة من خلال الدورات العقائدية والعلمية وغيرها والتي تصب في هذا المجال.
حيث بدأت بقبول الطلبة وبالخصوص في مدرسة مدينة العلم فشملت أول مرحلة دراسية ما يقارب (٦٠) طالباً حوزوياً ومن مختلف الجنسيات. ان سماحة السيد الفقيه ايماني هو الذي ارتأى ان تكون جانب الدروس الحوزوية دروساً خاصة في اللغة العربية واللغة الانجليزية وقد اثبت الطلبة جدارتهم من الإمتحانات التي أجريت لهم وقد استمرت هذه الدروس لثلاث سنوات.
وهناك شروط خاصة لقبول الطالب في المدينة:
١. أن يكون مرتدياً الزي الحوزوي (العمامة الشريفة).
٢. أن يكون مرتبطا بالمركز العالمي للدراسات الإسلامية وان يجلب كتاب تأييد من المركز المذكور باستمراره في الدراسة.
۳. أن يعرف من قبل أحد العلماء أو أحد فضلاء الحوزة العلمية من ناحية سلوكه الأخلاقي والنفسي.
وقد طرحت فكرة مبيت هؤلاء الطلبة في المدينة فأوعز سماحة السيد الفقيه ايماني باقرار ذلك وهو ما بعث البهجة في نفوس هؤلاء الطلبة غير المتزوجين والذين يعانون من ناحية السكن فلكل طالب غرفة خاصة به تتوفر فيها جميع مستلزمات الراحة كما تقدم له وجبة غذاء جيدة إضافة الى المكتبة التي تضم المصادر التي يحتاجها الطالب في مسيرته العلمية، وغرف خاصة للضيوف الكرام.
تأسست مكتبة مدينة العلم سنة ١٩٨٣م وكانت عبارة عن مكتبة صغيرة في صالون صغير مؤقت.
انتقلت المكتبة الى مكان واسع وقد حصل فيها تطور كبير منذ خمس سنوات، فبعد أن كانت مكتبة صغيرة وبسيطة تعتمد الفهرسة بحسب الطريقة القديمة نراها قد اعتمدت التبويب على شكل النظام الألفي كما هو المعتمد في مكتبة الكونغرس الأمريكي، وتعتبر مكتبة المدينة من ألمع المكتبات العامة فهي تتبع نظاماً موضوعياً مرتباً ينقسم الى اثنين وعشرين موضوعاً والموضوع الى مواضيع أخرى.
عناوين الكتب الموجودة الآن عشرة آلاف وخمسمائة عنوان كتاب في (40000) مجلد تقريباً أما عن طبيعة المراجعين لها فهي كسائر المكتبات الأخرى تعنى بطلبة العلوم الإسلامية وغيرهم فهي كما تستقبل طلبة الحوزة العلمية الذي يدرسون الفقه والأصول وسائر العلوم الأخرى المرتبطة بالعلوم تستقبل كذلك طلبة الجامعات والمدارس الثانوية والأكاديمية، فهي تضم مصادر شاملة -شيعية وسنية- إضافة الى الزيدية كما تضم كتب التفسير العامة، والأدب العربي والفارسي، وكتب التأريخ الإسلامي.
أمّا عن أوقات المطالعة في هذه المكتبة فهناك داوم صباحي يبدأ من الساعة التاسعة والنصف الي الساعة الواحدة ظهراً ودوام يبدأ من الساعة الرابعة عصراً وحتى الساعة العاشرة والنصف مساءً وبامكان الطالب الغير حوزوي أن يحصل على عضوية “الإشتراك” لمدة سنة قابلة للتجديد ولذا نجد أن رواد المكتبة اضافة الى طلبة الحوزة العلمية الطلبة الجامعيون وطلبة المدارس الثانوية.
وتمتاز المكتبة بطريقة التفحص المفتوح أي بامكان المطالع أن يستفيد من الكتاب بنفسه بانزاله حتى لو تطلب الأمر إنزال دورة كاملة.
ومن الأمور المقدمة لمطالع في الحصول على الكتاب المقصود مراجعة بنك المعلومات حيث يرشده الى مكان كتابه مما يسهل عليه مشقة البحث عن المصدر المطلوب.
وقد تم افتتاح قسم التحقيق والذي كان من مقترحات سماحة السيد محمد فقيه ايماني اذ يستطيع الباحث أن يستعين بأجهزة الكمبيوتر للوصول الى مراده في التحقيق فقد تم ادراج ستة وأربعين ألف عنوان كتاب متناً وبحثاً في جهاز الكمبيوتر وبامكان الباحث الاستفادة من هذا البرنامج إذا كان يجيد العمل على جهاز الكمبيوتر وأما إذا كان لا يجيد العمل فبامكانه الاتصال بنا لتسهيل مهمته وتهيئة كلما يحتاج اليه في دراسته.
وهناك برنامج كمبيوتري خاص من خلاله يتم التعرف على اسم الكتاب وموضوعه وناشره وسنة النشر، اضافة الى الاستعانة ببرنامج المكتبات الوطنية -أي ما يوجد في هذه المكتبات- كالمكتبة الوطنية بطهران ومكتبة السيد المرعشي في قم المقدسة، ومكتبة مشهد المقدسة، ومكتبة باقر العلوم وغيرها من المكتبات فأن لدى مكتبة مدينة العلم معلومات تامة عنها من تعداد الكتب فيها الى مواضيعها وهذا ما يسهل على المطالعين مهمته في البحث والتحقيق.
بلغ عدد المطالعين في مكتبة المدينة طبقا لبعض الاحصائيات خلال الدوام اليومي ما يقارب ١٥٠-٢٠٠ مراجع.
كما نلاحظ أنَّ عدد الأعضاء المساهمين وصل هذا العام الى ٣٠٠ عضواً، وللمكتبة نشاطات منها تزويد الأخوة العرب في دول اوربا واستراليا وكندا مؤسسات الإمام الخوئي (قدس سره) بالكتب الاسلامية.
وقد دأب المحققون والكتّاب على مراجعة المكتبة والإستفادة منها في دراساتهم وبحوثهم وخير مثال على ذلك نتاج الاستاذ عبد الرزاق حرز الدين الذي ألف العناوين التالية: ١- تفسير أبي حمزة الثمالي. ۲- مسند أبي حمزة. ٣- مناقب ابن مردويه. ٤- فضائل أمير المؤمنين (ع). ٥- كتاب الولاية.
حيث استفاد فائدة تامة من المصادر والمراجع التي هيأتها له المكتبة وفي الختام نسأل الباري عزوجل أن يوفق العاملين في هذا المشروع المبارك ويأخذ بأيديهم لما فيه خدمة الاسلام والمسلمين.
القصيدة للشيخ محمدحسين الأنصاري
مدينة العلم قد أبدت لالأها * أغنت يد اللة بالخوئي عائلها
مدينة قد حوت من دون منقصةٍ * كل المكارم إذ صارت وسائلها
لها (أبو القاسم) البنيان إذ شمخت * و(صِهْرُهُ) بانها أبدى نوائلها
من ضهر كوفان في قمّ الكرامة قد * خط الاله تجليها وشاء لها
ذريّة بعضها من بعضها مَنَحَتْ * كل العقول التي صارت شمائلها
مدينة هي شمس إذ منازلها * كان ألائمة، بل كانوا الضياء لها
طه هم وهم طه ولن يجدوا * فوقا وكان كتاب الله قائلها
حديقة خلدت إذ أزهرت وربت * ورائدوا العلم قد صاروا خمائلها
وواقع الحال انشاءاً يؤرخه * (مدينة العلم هل نحصي فضائلها)
(مادة التاريخ للإمام الراحل ١٤٠٠هـ)
قصيدة محمد باقر بن صادق النجفي
مدينةُ العلم فلتحى معالمُها * وحوزةُ العلم إجلالاً تحييها
وسوف تبقى مدى الاجيال مفخرةً * ومشعل النور تثقيفاً وتفقيها
فتحٌ قريبٌ ونصرٌ الله يملؤها * وليس في شكلها شكلٌ يضاهيها
بشراك ياعلمُ قد قال النبي أنا * مدينة العلم تعريفاً وتنويراً
وقال هذا (عليٌ) بابها ولمن * رام المدينة من ذا الباب يأتيها
واليوم مصداق قول الحق بأن لَنا * في نجله مرجع الدنيا ومفتيها
هذا (أبو القاسم) اشتُقَّ اسمه شرفاً * من كنية المصطفى نعتاً
وتشبيها وبالمثال جلالُ الدين مثّله * وهمّةُ المرء مرآةٌ لرائيها
لقد أشاد بيوتاً ثم مدرسةً * وخيرَ مكتبةٍ للكتب تحويها
أسست أرخو: (والمجدُ شاهدُها * زعيمُها السيد الخوئيُ بانيها)
الجمع (٨٤ / ٣١٦ / * ١٧٨ / ١٠٥ / ٦٤٨ / ٦٩) = ١٤٠٠هـ
وقد التقت مجلة الغري بعدد من طلبة الحوزة العلمية وأجرت معهم لقاءً تحدثوا فيه عن انطباعاتهم الخاصة حول هذا المشروع الخالد والأثر الباقي للإمام الخوئي (قدس سره).
سماحة السيد حسن آل راضي
يعتبر هذا الأثر الخالد نقلة نوعية في تاريخ الحوزة العلمية وعلني لاأجد ما أصرح به أمام هذا الإنجاز العظيم الذي يوفر لساكنه الراحة والاطمئنان والجو العلمي المفعم بالعطاء من خلال الخدمات المقدمة له والتي تجعله ينصرف للتحصيل والدرس دون أن تشغله شواغل أخرى فأسرته تعيش وسط أسرة واحدة ومن الأمور التي تجعل الطالب يواصل مسيرته العلمية هو وجود المكتبة العامة التي تحتوي اغلب المصادر التي يحتاجها الطالب وأنا بدوري أتقدم بخالص تقديري واحترامي للسادة المتولين لهذا الانجاز العظيم الذي خلفه الإمام الخوئي (قدس سره).
سماحة آية الله الشيخ محسن الخوئي
مشروع مدينة العلم من المشاريع المهمة في الحوزة العلمية فقد احتضن الطلبة من حملة العلم والفكر.
سكنت مدينة العلم منذ عشرين عاماً ولاحظت ما بذله سماحة السيد فقيه ايماني من جهد لخدمة طلبة العلم وما تحمل من أعباء وهموم لاكمال هذا البناء الشامخ وتحتضن مدينة العلم نخبة من المحققين والكتاب والأساتذة الذين يشار اليهم بالبنان وتقدم لهم كل ما يحتاجونه من وسائل الراحة والترفيه لمواصلة المسيرة العلمية فهناك حافلة لنقل الطلبة الي أماكن الدرس والعودة الي المدينة صباحاً ومساءً وساكنون المدينة يشعرون أنهم أفراد عائلة واحدة.